الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الامتحان العربي : من الاستبداد إلى الفوضى

الامتحان العربي : من الاستبداد إلى الفوضى

د.أحمد القديدي

” ادخلوا على مواقع إسرائيلية أو مواقع عنصرية يمينية متعصبة ضد المسلمين فسترى وتقرأ وتسمع ما يذهلك من الحقائق فأعداؤنا القدامى والجدد يتنادون ويتبادلون النصيحة حول أقوم المسالك لتدمير بيوتنا بأيدينا وأيديهم من بعيد لأن هذه القوى لم تعد تراهن على الحروب المباشرة وباهظة التكاليف بل أصبحت تتلاءم مع عصر المعرفة والمعلومة وتحركنا بالريموت كنترول…”
ــــــــــــــــــــــــــــ
ما يسمى بالربيع العربي أيقظ في النخبة العربية هما من هموم السياسة وهاجسا من هواجس الحضارة يوم فوجئت هذه النخبة بأحداث زلزلتها وهي غافية غافلة لم تكن تتوقع أن تبلغ حركات الجماهير الشابة مداها وأن تسقط كأوراق الخريف أنظمة بالية ظاهرها الجمهورية والديمقراطية وباطنها الفساد والتأبيد وكانت مواقف النخبة من هذه الزلازل والزوابع ومن النتائج والتوابع متباينة تباين المصالح والمعتقدات والانتماءات ولكن اجماعا حصل بين العرب مهما كانت توجهاتهم ومواقعهم بعد ثلاث سنوات من اندلاع الانتفاضات حول أمر إتفق عليه الجميع أو كادوا ما عدا تلك النخب الحاكمة القادمة من بعيد لركوب فرس الثورات الجامحة وإعلان نفسها الوريثة الشرعية لشعوبها دون أن تقود تلك التحولات الجارفة أو تدفع ثمن الحرية الغالية أو تعبد طريق الديمقراطية الهشة هذا الأمر المتفق والمجمع عليه هو أن الاستبداد رحل ولكن عوضته الفوضى وأن الطغاة رحلوا وحل محلهم المتخبطون في مسالك السلطة لا يفقهون للدولة معنى ولا لأولويات مواطنيهم فحوى فأصيبت الشعوب العربية بعلل جديدة عوضت العلل القديمة حيث انتقلت الشعوب من مرحلة التظلم والقهر والتمرد الصامت تحت أنظمة القمع إلى مرحلة الاستقالة من السياسة واليأس من الطبقات الجديدة المتنفذة المتناحرة والتطاول على القانون وربما ينتهي أمر الشعوب إلى ضرب من ضروب الحنين إلى ماض أليم ولكنه مطمئن عندما يقارن الناس البسطاء بين أمن بوليسي كان مستحكما بالأمس وأمن جمهوري لم يستطع اليوم أن يفرض سيادة القانون ولا احترام هيبة الدولة ثم يقارن المواطن العادي بين أسعار المواد الضرورية لحياته اليومية بالأمس وأسعار نفس المواد في السوق اليوم ثم يلاحظ ما يجري حوله وعلى شاشات الفضائيات الوطنية من تجاذبات وصراعات وقلة حياء بين خصوم ومتنافسين على الكراسي كأنهم على مربع المصارعين الأميركان في برامج العنف التلفزيونية يبيحون لأنفسهم ولعضلاتهم المفتولة كل الضربات الممنوعة حتى إذا ما سقط ساقط منهم على أرض المربع أخذ الجمهور المسكين يعد له من واحد إلى عشرة أملا في أن ينهض بعد سقوط وأن يهب بعد دوخة ولكن لا حياة لمن تنادي فالضربة كانت قاضية ويزهو المصارع المنتصر ويرفع يديه وتزغرد له حرمه الحاضرة في القاعة إلى أن ينهزم بدوره في مباراة مصارعة حرة قادمة وهكذا دواليك! هذه صورة المشهد السياسي اليوم في بلدان إنتقلت من حال إلى حال والله سبحانه لم يغير الأحوال!
في بلدان ما سمي الربيع العربي اليوم خريف مخيف ينذر بشتاء قارس البرد طويل إذا ما عجزنا عن تشخيص الأحداث وتحليل معضلاتنا الحقيقية وتوفير العلاج النافع لها فالقوى العظمى والمتعاظمة تتربص بالربيع لتحوله إلى شتاء كئيب وتحاول كل منها جلب مياه أنهار العرب إلى مزارعها وذلك بتوجيه التيار الجارف وجهة تختارها هذه القوى في حركة التاريخ التي تخضع لقانون التدافع الحضاري والتي لا ترحم غافلا ولا تعذر جاهلا بنواميس السياسة فبينما نحن نتصارع على كراسي الحكم تتصارع القوى العظمى والإقليمية حولنا على تجديد عقود استعبادنا وتحديث وسائل تسخيرنا لخدمة مصالحها العليا وتكريس ثرواتنا الطبيعية والاستراتيجية والبشرية لضمان تفوقها وتأبيد استخرابها لنا.
ادخلوا على مواقع اسرائيلية أو مواقع عنصرية يمينية متعصبة ضد المسلمين فسترى وتقرأ وتسمع ما يذهلك من الحقائق فأعداؤنا القدامى والجدد يتنادون ويتبادلون النصيحة حول أقوم المسالك لتدمير بيوتنا بأيدينا وأيديهم من بعيد لأن هذه القوى لم تعد تراهن على الحروب المباشرة وباهضة التكاليف بل أصبحت تتلاءم مع عصر المعرفة والمعلومة وتحركنا بالريموت كنترول عن بعد فلا تضطر لدفع ثمن استعبادنا بأرواح مواطنيها ولا حتى بأموال شعوبها بل تقودنا بوسائل اتصالها وقوتها الإعلامية وأسلحتها التكنولوجية لكي تخضع لها هاماتنا دون وعي منا فاسمع مثلا إلى ما صرح به الإسرائيلي ناحوم أخنوف صاحب فكرة (ستار أكاديمي) الأسبوع الماضي للقناة الفضائية العبرية الثانية حين قال :” إننا نجحنا منذ عشرين عاما في غزو المرأة المسلمة و أقنعناها بأننا نحررها من نفوذ الرجل و من سلطان الدين و الفضيلة و حين ننجح في كسب قلب المرأة نكسب المجتمعات المسلمة و ندخلها في دورة العولمة !” وهو يقصد طبعا في دورة الخلاعة و الدعارة وفقدان الحياء! اللهم سترك من هذا الوبال و ذلك السقوط !
إن العرب اليوم أمام إمتحان عسير بل محنة مصيرية إذا لم نتدارك مخاطر المنزلق الذي جرونا إليه جرا فقد انتقلت النخب التغريبية العربية فاقدة الهوية من مرحلة إدانة التطرف ونبذ العنف وهو ما نتقاسمه معها إلى مرحلة إدانة قيم الإسلام برمته والدعوة لاعتناق بدائل بدعية عجيبة تحت ستار الحداثة والتسامح وحوار الحضارات وإلا بماذا نفسر وكيف نبرر ما قالته السيدة وزيرة السياحة في الحكومة التونسية التكنوقراطية المؤقتة حين دعت التوانسة والمسلمين عموما يوم الخميس الماضي إلى مشاركة اليهود في حجهم لكنيس الغريبة القديم المعروف في جزيرة جربة وذلك باسم ما سمته هي حرفيا (حوار الديون!) وهي تقصد الأديان لأن لغتها العربية هزيلة بينما أقر الدستور التونسي بأن لغة البلاد الرسمية هي العربية! وأنا أفهم أن غاية الوزيرة الشابة طيبة لأنها تريد فقط إعادة الحركة السياحية الى بلادها فهي مصدر رزق مليون تونسي ولكن لم يكن من الضروري بلوغ هذا الحد من التذلل ونبذ الأصول طلبا لرضا الغرب وشهادة استحسانه لنا بعد أن سمحت الوزيرة بدخول سياح إسرائيليين الى تونس بجوازات الدولة العبرية! وهي تخالف بذلك أولا دستور تونس المسلمة وثانيا تخالف خريطة الطريق التي رسمناها لحكومة المهدي جمعة المؤقتة التي التزمت بعدم الدخول في تجاذبات سياسية والإكتفاء بإيصال تونس إلى موعد الاإنتخابات القادمة فبدأت هذه الحكومة تسييس سلوكها وتعلن عن عقائد دخيلة ليست من مشمولاتها. وقس على ذلك ما يقع في بلدان أخرى من بلدان الربيع مع انفجار العنف وإطلاق عفريت القبليات والطائفيات من قمقمه القديم. يا رب نسألك حسن العاقبة وعودة الوعي واستعادة الرشد لهذه الأمة إنك تعلم ونحن لا نعلم.

إلى الأعلى