الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / المشكلة ليست في كيري

المشكلة ليست في كيري

” حل الدولتين ليس البداية الصحيحة، فالشرق الأوسط منطقة طائفية حيث يريد اليهود الاسرائيليون والفلسطينيون على السواء بلدهم الخاصة بهم، وسيقاومون تقاسم السيطرة، ولكن حملة رجل واحد وصوت واحد يمكن أن تجد أثرا لدى الأوروبيين وفي الدول النامية وتسارع حركة المقاطعة والحرمان والعقوبات العالمية التي تطالب إسرائيل بالانسحاب من الضفة الغربية.”
ــــــــــــــــــ
في فبراير 2010 حذر وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك من أن الفشل في صنع السلام مع الفلسطينيين سيجعل اسرائيل تخسر أغلبيتها اليهودية أو أن تصبح دولة فصل عنصري. وكان يعني بذلك انه بدون حل الدولتين فستواجه اسرائيل خيارين مستحيلين هو إما أن تمنح الجنسية لملايين الفلسطينيين الذين سيصبحون في القريب أغلبية في اسرائيل او تستمر في السيطرة على حياة ملايين العرب الذين يفتقدون للحقوق الاساسية.
لم تحدث ملاحظات باراك هيستيريا سياسية في اسرائيل لأنها عكست واقعا أليما قال به سياسيون وخبراء اسرائيليون من قبل ومن بعد. على انه عندما تجرأ وزير الخارجية الأميركي جون كيري على نطق كلمة الفصل العنصري الأسبوع الماضي حتى انهال عليه زعماء اسرائيليون واميركيون يهود بالنقد. فمثله مثل باراك حذر كيري من أن الخطر الذي كانت تواجهه إسرائيل من قبل في خيار الدولتين يتلاشى، قائلا إن الدولة الموحدة سينتهي بها المطاف إما الى دولة فصل عنصري بمواطنين من درجة ثانية او تدمير قدرة اسرائيل على ان تكون دولة يهودية.
كان النقد الذي واجهه كيري قاسيا جدا مما اضطره لاصدار اعتذار مهين، حتى أن جهوده المستمرة منذ ثمانية اشهر للتوسط لصفقة سلام منيت بالفشل. وبدلا من الافتراء على كيري كان ينبغي للمنتقدين ان يأخذوا تحذيرات كيري ومن قبله باراك مأخذ الجد.
في حدودها لعام 1967 تتمتع إسرائيل بديمقراطية نابضة بالحياة، والمواطنون العرب داخلها لهم حق التصويت، لكن بالضفة الغربية يوجد نحو 2.5 مليون فلسطيني يعيشون في ظل نظام مختلف تماما، فليس لهم حق التصويت على اختيار حكومة وطنية (والسلطة الفلسطينية تتمتع بأدنى حد من السلطات)، بينما حركاتهم المادية خاضعة لنقاط التفتيش الإسرائيلية.
معظم أراضي الضفة الغربية بالاضافة الى استخدام المياه والصادرات والواردات كلها تخضع لإسرائيل (في غزة 1.5 مليون شخص تسيطر اسرائيل على هوائهم وبحرهم وكافة المعابر تقريبا – بما فيها حركة البضائع والناس).
ان هذا التوسع المتسمر للمستوطنات الاسرائيلية على كافة أراضي الضفة الغربية يقسم المناطق الفلسطينية الى كانتونات منفصلة تشبه الوضع الذي كان خاصا بالسود في جنوب أفريقيا. لذلك حتى اذا كان الوضع الاسرائيلي يختلف عن جنوب أفريقيا ولا يوجد قوانين عرقية تحدد النظام العنصري إلا أن ثمة تشابهات لا يمكن للعين أن تخطئها اذ تسيطر مجموعة واحدة وتتحكم في مجموعة أخرى لا تملك حقوقا سياسية.
ومع تحذير رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت عام 2007، فإن انهيار حل الدولتين يعني ان اسرائيل ستواجه على الأرجح صراعا على غرار جنوب افريقيا من اجل حقوق التصويت المتساوية. وفي الحقيقة هناك العديد من الشباب الفلسطينيين يريدون التحول من محادثات حل الدولتين الفاشلة الى حملة من أجل المواطنة الكاملة داخل دولة واحدة.
حل الدولتين ليس البداية الصحيحة، فالشرق الأوسط منطقة طائفية حيث يريد اليهود الاسرائيليون والفلسطينيون على السواء بلدهم الخاصة بهم، وسيقاومون تقاسم السيطرة، ولكن حملة رجل واحد وصوت واحد يمكن أن تجد اثرا لدى الأوروبيين وفي الدول النامية وتسارع حركة المقاطعة والحرمان والعقوبات العالمية التي تطالب اسرائيل بالانسحاب من الضفة الغربية.
وكان منتقدو كيري منزعجين بوضوح من ان استخدام كلمة العنصرية من شأنها ان تعزز هذه الحملة العالمية. على ان استهداف كيري لن يحل المشكلة ولا لعبة القاء اللوم على المخطئ في فشل محادثات السلام. بل على كل من يهمه مستقبل اسرائيل ان ينظر نظرة قوية على الحقائق على الأرض.
لاشيء عزز المقارنة بين الوضع الفلسطيني والوضع في جنوب أفريقيا سابقا مثل ترويج الحكومة الإسرائيلية للمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية اذ ان شبكة المستوطنات الحالة كان يتبناها اصلا رئيس الوزراء الاسرائيلي الراحل اريل شارون كوسيلة لضمان سيطرة طويلة الامد على الارضي في حين يعيش المستوطنون في ظل قوانين مختلفة ولهم كامل الحقوق الوطنية الاسرائيلية والتحرك بحرية في الضفة الغربية بينما الفلسطينيون مقيدو الحركة بشدة.
إن كيري يلوم اسرائيل على انشاء آلاف المنازل بالمستوطنات الجديدة لأنها سبب في احتقان اجواء المحادثات خاصة ان بعض خطط البناء اعلن عنها زعماء اسرائيليون من الصقور خلال نقاط حاسمة من المفاوضات. ومهما قال زعماء اسرائيل او قصدوا فعلا فإن توسيع المستوطنات يرسل رسالة مادية بأن اسرائيل لن تؤيد قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
كما أن توسيع المستوطنات يغطي على حجج مهمة يمكن أن تطرحها اسرائيل بأن الوقت غير ملائم لحل الدولتين في ظل الفوضى التي تعم الشرق الاوسط وعدم وضوح نوايا ايران النووية. ولو كان تم تجميد المستوطنات منذ فترة طويلة او حتى خلال بداية جهود كيري لكانت القضية مقنعة. لكن استمرار بناء المستوطنات يغطي على هذه الهواجس المشروعة.
اذا كان منتقدو كيري منزعجين حقا من كلمة العنصرية او حملة المقاطعة العالمية فعليهم الضغط على الحكومة الإسرائيلية لتجميد التوسع الاستيطاني. أما انتقاد كيري صديق اسرائيل الذي ضغط بشدة من أجل حل الدولتين فهذا أمر شائن ولن يساعد اسرائيل على مواجهة التحديات المقبلة.

ترودي روبين
عضو هيئة التحرير بصحيفة فلادلفيا انكويرر خدمة ام سي تي – خاص بالوطن

إلى الأعلى