الإثنين 22 مايو 2017 م - ٢٥ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: ليبيا .. أفغانستان الجديدة

شراع: ليبيا .. أفغانستان الجديدة

خميس التوبي

قد يكون العنوان صادمًا على الأقل بالنسبة إلى أولئك الذين أُوهموا وأوهموا أنفسهم بأنهم “ثوار” لإسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي، إلا أن الأوهام شيء والواقع والحقائق شيء آخر. فواقع ليبيا اليوم كالشمس في رابعة النهار لا يمكن أن تحجب بغربال، ولا يمكن لأحد أن ينكر ذلك إلا إذا كان واحدًا من بين الواهمين أو أحد الذين أكلوا طبقًا باردًا بائتًا من طهاة مطابخ التآمر والاستعمار وقطاع الطرق واللصوص، ومن معاوني الطباخين من العملاء والوكلاء والمرتزقة، أو واحدًا من معتادي التسول والارتزاق على موائد أولئك الطهاة.
وبينما الواقع الليبي كان يؤكد أن ليبيا ذاهبة إلى “الأفغنة” مع أول قنبلة رمتها المقاتلة الميراج الفرنسية وإعلان الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، كان الحالمون والواهمون والموهومون يغمسون فرشاتهم في ألوان أحلامهم وأوهامهم، راسمين وطنًا ليبيًّا مختلف الألوان ومغايرًا عن الوطن الليبي الذي لم يروا فيه إلا اللونين الأسود والأحمر في عهد العقيد الراحل، ولسان حالهم يقول “شتان بين “ربيع” حلف شمال الأطلسي و”خريف” العقيد معمر القذافي”.
إن ليبيا اليوم تتقدم المشهد العربي لتقدم أكبر دلالة على حقيقة مؤامرة ما سمي بـ”الربيع العربي” لتثبت أن كل الألوان الجميلة صادرتها القوى الامبريالية الاستعمارية الغربية، ولم تُبقِ على لون سوى اللون الأحمر القاني الذي يجب على الجميع أن يغمسوا فرشاتهم فيه، بعد أن فتحت لهم جميعًا صحائف الطائفية والمذهبية والنعرات العرقية، وبسطت لهم بسط أكاذيب “الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان”. ومن ينظر إلى ليبيا اليوم لا يكاد يراها إلا اسمًا على خريطة أجزاؤها عالقة بأنياب القوى الامبريالية الاستعمارية الغربية ساعية إلى تنفيذ المشروع الصهيو ـ أميركي بإعادة رسم خريطة المنطقة وتقاسم ثرواتها. فقد غدت الدولة الليبية أطلالًا من الماضي جراء قنابل “الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة ونصرة الشعوب المقهورة” التي ألقتها مقاتلات حلف شمال الأطلسي وبتمويل عربي وبمشاركة مقاتلات عربية.
ليس مبالغة القول إن ما جرى ويجري الآن في ليبيا هو إعادة إنتاج واستنساخ للتجربة الأفغانية، فمثلما شجعت الولايات المتحدة ومن ينضوي تحت عباءتها من القوى العربية والإقليمية والدولية ما عرف بـ”الجهاد” للنيل من خصمها اللدود الاتحاد السوفيتي السابق، لتطفو على السطح فيما بعد ظاهرة “المجاهدين العرب”، شجعت الولايات المتحدة ومن معها من القوى ظاهرة ما عرفت بـ”الثورة” و”الجهاد” ضد نظام العقيد الراحل معمر القذافي. وبعد خروج الاتحاد السوفيتي السابق من أفغانستان تركت الولايات المتحدة وتابعاتها ذلك البلد في عهدة الفوضى والصراع الدموي بين أمراء الحرب إيذانًا بتشكل نواة الإرهاب العالمي باسم تنظيم القاعدة، وكذلك الحال بالنسبة لليبيا فبعد توقف العمليات العسكرية لحلف الناتو واقتسام كعكة النفط بين أقطاب الاستعمار، تركت ليبيا في عهدة الفوضى والإرهاب وفوضى السلاح، لتتحول ليبيا إلى خزان دولي لتصدير الإرهابيين والسلاح، ومفرخة للخلايا الإرهابية، وتقبع أسيرة بقبضة الجماعات الإرهابية المسلحة المتنازعة على النفوذ والمال والسلاح، ويتهددها حاليًّا خطر التقسيم.
هناك تشابه وتقاسم بين كل من أفغانستان وليبيا من حيث الدور الأميركي في كلا البلدين، ويمكن استنتاج ذلك من خلال مبررات التدخل الأميركي أو محاولة إيجادها. فعلى الرغم من ترك هذين البلدين تحت براثن الفوضى والإرهاب فإن الولايات المتحدة مثلما اتخذت من هجمات الحادي عشر من سبتمبر مبررًا لاحتلالها أفغانستان ـ بغض النظر عن الشكوك حول الدور الاستخباري الأميركي في تسهيل وتدبير الهجمات لاتخاذها مبررًا لشن حرب عالمية على الإسلام تحت ستار “محاربة الإرهاب”، تعاود النظر في حيثيات الهجوم على السفارة الأميركية في مدينة بنغازي الليبية في العام 2012م والذي أدى إلى مقتل السفير كريستوفر ستيفنز وثلاثة من أعضاء السفارة، حيث يدور جدال في الكونجرس بشأن حقيقة الهجوم ما إذا كان عبارة عن احتجاجات عفوية على الفيلم المسيء للنبي محمد “صلى الله عليه وسلم” أو عبارة عن هجوم منظم، واتهام البيت الأبيض بإخفاء الحقيقة.
واضح أن الولايات المتحدة تحاول أن تبحث عن ذريعة تسمح لها بالعودة العسكرية القاهرة إلى ليبيا كما فعلت في أفغانستان، مع أهمية الملاحظة أن الأسباب هي ليس الانتقام ممن نالوا من صورة القوى العظمى وقتلوا رعاياها، وإنما لأسباب اقتصادية وسياسية، فالهدف من الوجود العسكري والسياسي في أفغانستان هو الاقتراب من نفط بحر قزوين ومد خطوط الطاقة إلى الهند، ومحاصرة الجمهورية الإسلامية الإيرانية والاقتراب من الصين. أما الهدف من محاولة صياغة الأسباب والذرائع للتدخل العسكري الأميركي في ليبيا فكذلك له أهدافه الاقتصادية والسياسية. والواضح أيضًا أن الولايات المتحدة تحاول بعث الحياة لقواعدها العسكرية السابقة في ليبيا التي يمكن القول إنها تمثل عمقًا استراتيجيًّا لأميركا في القارة السمراء بالنظر إلى الموقع الجغرافي لليبيا، ويبدو أن أميركا في ظل التنافس والصراع المحتدم مع كل من روسيا والصين في المنطقة والقارة الإفريقية، ورفض مصر إقامة قاعدة عسكرية أميركية على أراضيها، تحاول الولايات المتحدة أن تبني قواعد لها في ليبيا لتكون منصة متقدمة لمواجهة التواجد العسكري الروسي والصيني في البحر الأبيض المتوسط والذي بدأ يميل لصالح روسيا ويكسر النفوذ الأميركي، ولتحجيم النشاط الاقتصادي والاستثماري الصيني في القارة السمراء. وفي حال نجحت الولايات المتحدة في إقامة قاعدة عسكرية أو قواعد في ليبيا سيعرض الأمن القومي لكل من مصر والجزائر تحديدًا للخطر؛ إذ لن يقتصر نشاط القاعدة على الناحية العسكرية وإنما في الشؤون الاستخبارية والسياسية وتغذية الصراعات المختلفة،
إذن، الصورة واضحة تمامًا في ليبيا وبقية دول مؤامرة “الربيع العربي” ولا تحتاج إلى مزيد من الشرح، إذ المبتغى للغرب الاستعماري من التدخل في الشؤون الداخلية في هذه الدول أن تظل دولًا فاشلة حائرة بين سلطات عاجزة وجماعات مسلحة تمارس العنف والإرهاب والتفجيرات والبلطجة، وبين نزعات التدمير والتفتيت والانفصال، والتوظيف الغربي لهذه المظاهر الفوضوية.

إلى الأعلى