السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة :الهيئات العمومية المستقلة .. هل تلغي الوزارات الحكومية

العين .. الثالثة :الهيئات العمومية المستقلة .. هل تلغي الوزارات الحكومية

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

هل ستصل بلادنا إلى اليوم الذي قد تتحول فيه من نظام الوزارات إلى نظام الهيئات العمومية المستقلة أو على الأقل إيجاد ثنائية متناغمة بين النظامين دون أن يتدخلا في الصلاحيات ودون أن يؤثرا ماليًّا على خزينة الدولة؟ من الأهمية بمكان أن يعطى لهذه الموضوع العاجل الأهمية المستحقة في ضوء واقعين مهمين جدا، هما نجاح تجربة بعض الهيئات العمومية المستقلة ماليًّا واداريًّا وسحب البساط من تحت أقدام وزارات حكومية خدماتية، وفشل هذه الأخيرات في كسب الرضا الاجتماعي الذي لن ينكر أهميته الوطنية خلال المرحلة الراهنة والمستقبلية، فالأنظمة الإدارية لم تعد ثابتة، فهي متغيرة ومتجددة، وتظل غيرة مستقرة ما دامت لم تحقق الرضا الاجتماعي، واذا ما اكتشفت بلادنا مصلحتها في التحول، فلماذا لا تبادر إليه، وتعممه، ويكون لها السبق عالميًّا؟
قد يتحفظ البعض على هذه النقلة التاريخية لأنها قد يراها من منظوره أنها فوق الواقع رغم أن هذا الواقع نفسه قد أصبح مهتزا بفعل نجاحات تجربة هيئات عمومية مستقلة كالهيئة العامة لحماية المستهلك وجهاز الرقابة المالية والإدارية، بل إن توجه بلادنا نحو اقامة بعض الهيئات المماثلة في مجالات مهمة يفرغ بعض الإدارات الحكومية من صلب اختصاصاتها، فلماذا لا يتم دراسة تجربة الهيئات العمومية والبناء عليها لكي نصل إلى نظام اداري يواكب تطورات البلاد السياسية والاجتماعية الداخلية؟ ربما تكون المصلحة الوطنية تحتم علينا الانفتاح الإيجابي على التغيير الفعال والسريع الذي سوف يساعد البلاد على تطبيق الإصلاحات السياسية والديموقراطية وتوجيهات عاهل البلاد ـ حفظه الله ـ بعدما انكشفت الاشكالية التطبيقية بجلاء، وهذا يحتم اعادة النظر في هيكلية الوزارات وماهيتها وعددها، بحيث لا يكون التوجه كما قد ينصرف إليه الفهم منذ الوهلة الأولى من خلال عنوان المقال، وإنما خلق الثنائية بين نظامي الوزارات والهيئات العمومية، بحيث تتحول بعض القطاعات إلى هيئات مع الاحتفاظ بنظام الوزارات في حدود الضرورة السيادية والوطنية مما قد يستدعي ذلك تقليص عدد الوزارات لصالح تأسيس الهيئات العمومية المستقلة، وقد وصلت هذه الرؤية الاستشرافية إلى قناعاتنا من خلال عدة اعتبارات ومعطيات مهمة تفرض نفسها بقوة على مرحلتنا الوطنية طبعا بعد نجاح تجربة الهيئات العمومية المستقلة، وابرز هذه الاعتبارات والمعطيات: الدعوة التي تصاحب اختتام الندوات المختلفة، بتأسيس هيئات عمومية مستقلة لكي تتخصص في الدفاع وحماية حقوق معينة، آخرها، ندوة السلامة الغذائية التي طالبت بهيئة وطنية عامة لسلامة الأغذية، اتدرون معنى هذه المطالبة في ظرفيتها الزمنية الآن ؟ إنها تسحب بعض الصلاحيات المهمة جدا من عدة جهات حكومية، هي وزارة البلديات الإقليمية وبلديتا مسقط وظفار، وتعلن ضمنيا، فشلها في تحقيق الهدف منها في مجال سلامة غذائنا رغم ما تبذله فعلا من جهود كبيرة، فلماذا فشلت إذن رغم هذه الجهود؟ لأنها جهود متعددة ومتشتتة، وتعمل بمعزل عن بعضها البعض، وبالتالي هي جهود ضائعة من منطوق المطالبة بالهيئة، ومن الناحيتين المهنية والفنية، فإن المصلحة فعلا تقتضي تفريغ تلك الإدارات الحكومية من تلك الصلاحيات لصالح إقامة الهيئة المقترحة لكي تؤول إليها المختبرات وآليات الرقابة والمحاسبة دفاعا عن حق المواطن في سلامة غذائه وهوائه ومائه، ولكي تكون هيئة مستقلة ومحايدة وهذا حق قد أصبح في عالم اليوم يتعرض لانتهاكات خطيرة بسبب جشع وطمع تجار الغذاء في ظل الازدواجية التي يجمع فيها المسئول الكبير بين المسئولية الحكومية والصفة التجارية والاقتصادية، فمن سوف يحاسب من في ظل تشابك وتلاقي المصالح، والاعتبار الثاني والمهم كذلك، يكمن في عمليات تأسيس الهيئات نفسها، فهي تقام كمؤسسات عمومية مستقلة ماليًّا واداريًّا جنبا إلى جنب الوزارات نفسها، كالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ووزارة الإعلام .. وهذا يزيد من اعباء الدولة المالية، ويعقد العمل الوطني نتيجة تضارب الاختصاصات والصلاحيات، هذا مثال يوضح فكرتنا سالفة الذكر، ونطرحه لكي يوصلنا إلى القول بأن اقتناع بلادنا السياسي بإقامة هيئة أو هيئات مستقلة يحتم عليها تقليص عدد الوزارات حتى تخفف ثقل العدد الضخم بطبعه، فكيف لو أضفنا إليه هيئات عمومية فوق العدد الكبير من الوزارات؟ فقد اثبتت التجربة أن إقامة كيانات معنوية عمومية فوق كيانات معنوية حكومية تستنزف موارد الدولة اكثر من السابق، وهذا يعطي للفكر مشروعية طرح القضية من الزاوية التي نثيرها في مقال اليوم، ليس من منظور إلغاء كل الوزارات وتحويلها إلى هيئات، وإنما من منظور البعض منها بحكم نوعية الخدمة وماهيتها وعلاقتها بالمجتمع، وكذلك إعادة النظر في فصل بعض الهيئات عن الوزارات ودراسة تجربتها من منظور النجاح والفشل في تحقيق الأهداف المرجوة منها، والأخذ بعين الاعتبار مدى مساهمتها في التقليل أو استنزاف موارد الدولة، ومن ثم فإن نجاح تجربة بعض الهيئات العمومية وفق ما أشرنا إلى بعضها سابقا تدفع ببلادنا إلى الذهاب بعيدا بهذه التجربة التي تعد داخل ترابها فريدة من نوعها، بالتأكيد هي ليست عمانية المنشأ، لكنها سوف تحسب لصالح بلادنا نجاحها في تفعيلها كمسار وطني جديد استطاعت من خلاله أن تحافظ على مجموعة حقوق أساسية للمواطن، كحماية حقوق المستهلك وحماية المال العام في حدود تصاعدية، ونتطلع إلى تفعيل هذا التصاعد بصورة كبيرة .. ومن خلاله أي هذا النجاح، تسير بلادنا في طريق كسب رضا المجتمع بصورة غير مسبوقة، والسبب في نجاح استقلالها المالي والاداري واختيار لها كفاءات وطنية، أعطيت لها،، سياسيًّا،، صلاحية تخليق العمل الوطني ومحاسبة المفسدين والمتلاعبين بالأموال العامة، فمنذ متى نسمع عن مجموعة احكام قضائية بحق مسئولين في قطاع النفط؟ ووراء تحريك هذه القضايا جهاز الدولة للرقابة المالية والإدارية، ومنذ متى نسمع أحكاما ضد شركات كبيرة لصالح مواطنين؟ ووراءها أساسا اللجنة الوطنية لحماية المستهلك.
إذن، نحن في عصر الهيئات العمومية المستقلة، وهو عصر يسحب البساط من تحت أقدام الوزارات التي لم تطور نفسها، وتتحرر من نمطية وعقلية البيروقراطيين والبرتوكوليين والمكتبيين، فلو بحثنا في سر اسرار نجاح الهيئات العمومية المستقلة فسوف نجد وراءه قيادات وطنية جاءت أصلا من أجل تحقيق النجاح، واعادت الاعتبار لمؤسسات الرقابة والمحاسبة الدستورية، وكسب الرضا الاجتماعي، فنجحت، وهذا ما تحتاج إليه فعلا المؤسسات الحكومية الخدماتية، فهل التفكير قد اصبح مشروعا لتحويل بعضها كالبلديات مثلا إلى هيئات عمومية مستقلة من أجل كسب مجتمعاتها المحلية في إطار رؤية لإعادة هيكلة وعدد الوحدات الحكومية؟

إلى الأعلى