الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / هايدرا…!!!

هايدرا…!!!

أ.د. محمد الدعمي

”التعقيد المضني أمام رجال المعلومات والاستخبارات الغربية هو أن “لعبة الدومينو” في القرن الماضي قد تلاشت وحلت محلها لعبة من نوع جديد. إنها لعبة التسابق السريع والخاطف بين الأجهزة الاستخبارية الغربية، من ناحية، والجماعات الإرهابية التي لم تكن موجودة في السابق، من الناحية الثانية،”
ــــــــــــــــــ
من خمسينيات إلى نهاية سبعينيات القرن الماضي، أي على ذروة حقبة الحرب الباردة، كان من الممكن للخيال الخصب أن يشكل “رؤيا” لمجموعة من خبراء أو ضباط المخابرات المركزية الأميركية وهم على موعد، في “غرفة العمليات”، لتخطيط انقلاب عسكري في إحدى دول آسيا أو إفريقيا أو أميركا اللاتينية. لم تكن تلك الرؤيا ببعيدة المنال، بقدر تعلق الأمر بعدد من الانقلابات والعمليات الحقيقية التي نفذتها الـCIA بمعاونة وكلاء لها في الدول المذكورة، بدليل انقلاب بينوشيه ضد الليندي في شيلي اللذين كانا من فعل هذا النوع من الأنشطة الإستخبارية التي كانت تدير “حرباً عالمية” بين المعسكرين الغربي (الرأسمالي) والشرقي (الشيوعي) بواسطة الأنظمة التي يوكلها كل معسكر للصراع بالنيابة عنه.
أما في حقبتنا الجارية، لم يعد الأمر بالبساطة التي كان الصراع الكوني يدار بموجبها طوال تلك العقود: فلا مندوحة من التسليم بحقيقة مفادها أن القطبين المتصارعين لم يعودا كما كانا، برغم أن الغرب بقي محافظاً على قطبيته، لأن القطب المعاكس اليوم هو “الإرهاب”، خاصة الإرهاب الذي ابتلى به اسم الإسلام والمسلمين لأنه يرفع اسمه قناعاً ويعد بدولة عادلة تشبه دولته في التاريخ.
التعقيد المضني أمام رجال المعلومات والاستخبارات الغربية هو أن “لعبة الدومينو” في القرن الماضي قد تلاشت وحلت محلها لعبة من نوع جديد. إنها لعبة التسابق السريع والخاطف بين الأجهزة الاستخبارية الغربية، من ناحية، والجماعات الإرهابية التي لم تكن موجودة في السابق، من الناحية الثانية، من أجل السيطرة على الصراع وإدارته بالطريقة المجدية المثلى.
إن المعضلة الأساس في هذا التعقيد الشائك الذي يجعل خبراء الاستخبارات المعاصرين في العالم الغربي يتأرقون، فيحسدون أسلافهم من خبراء القرن العشرين تتلخص في أنهم كانوا يحسنون لعبة الدومينو المذكورة باحكام. بيد أنهم اليوم، إذا طلبت خبرتهم، سيعجزون عن حل لغز الإرهاب، خاصة نوع “القاعدة” وأخواتها. ومرد ذلك هو قدرة هذه الخلايا “الزئبقية” على الانشطار والتكاثر الفائق السرعة كالفطر وبأعداد هائلة، بعضها يتجه للنشاط المسلح أو التخريبي المباشر؛ وبعضها الآخر يذهب لـ “يغفو” على شكل خلايا نائمة، أي يبقى كامناً في جسد الحضارة، بانتظار البيئة المناسبة كي يعتمل وينشط. هذا هو اللغز الذي يشبه الوحش الأسطوري المسمى بـ “الهايدرا”، فهو وحش مخيف برأسين يقذفان النار من فيهما. إذا تمكن فارس مغوار من قطع رأس من رأسيه، فسرعان ما ينبع رأسان من موضع القطع لتكون النتيجة “متوالية هندسية” يستحيل السيطرة على تواترها السريع لأنها تتكاثر بواقع 2-4-8-16، ليس كالمتوالية الحسابية التي تتوالى على النحو التالي 2-4-6-8 وهكذا دواليك. إن الأمر مرعب بالنسبة لخبراء الاستخبارات الأميركان بحق؛ إذا ما كانوا يظنون بأنهم قادرون على التقاط منفذي الهجوم على القنصلية الأميركية ببنغازي الواحد تلو الآخر حسب معطيات التجسس والبيانات التي تمكنوا من انتزاعها من أحد زعماء القاعدة بعد إلقائهم القبض بليبيا عليه قبل اشهر وهو يقود سيارته إلى منزله لتناول العشاء مع زوجته، فإن المفاجأة التي قد تنتظر الضباط الأميركان الذين سيحاولون “استلال” المطلوبين ببنغازي ستكون من عيار ثقيل حين يجدوا بدلاً من الخلية المطلوبة مئات الخلايا التي تقود إلى مئات بل آلاف أخرى من خلايا الإرهاب التي قد لا يمكن السيطرة عليها أو القضاء عليها إلا باستخدام اسلحة من نوع جديد، ليس في ليبيا أو أفغانستان، بطبيعة الحال، وإنما في بقاع من العالم قد لا تخطر على بال أحد!

إلى الأعلى