الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عبد الناصر .. وسباق الرئاسة المصرية

عبد الناصر .. وسباق الرئاسة المصرية

محمد عبد الصادق

”لقد فك جمال عبد الناصر شفرة المواطن البسيط واستطاع أن يحقق أحلامه ويؤمن له كرامته، وحقه في حياة كريمة؛ لا ذل فيها، ولا عبودية ولا استبداد، فأحبه الناس وصدقوه، وآمنوا بمبادئه وأفكاره حتى الآن ويكفي للدلالة على حب الشعب المصري لعبد الناصر مشهد جنازته والملايين يهرولون إلى ميدان التحرير، من جميع طوائف الشعب…”
ــــــــــــــــــــــ
الزعيم الراحل جمال عبد الناصر هو الغائب الحاضر في المعركة الانتخابية الدائرة في مصر الآن بين المرشحين عبد الفتاح السيسي، وحمدين صباحي؛ فكليهما يدعي انتماءه لعبد الناصر؛ والحقيقة أن كليهما محق ومعه مسوغاته لهذا الادعاء؛ فالسيسي ينتمي للمؤسسة العسكرية المصرية التي تخرج منها عبد الناصر والتحق عقب تخرجه بسلاح المشاة الذي خدم به ناصر، وتجمعهما هواية القراءة وحفظ المعلومات والأرقام، ودراسة الاستراتيجيات السياسية والعسكرية، والاثنان عاشا فترة الطفولة والصبا في حي الجمالية العريق بقاهرة المعز وعبد الناصر والسيسي كانا ملتزمين دينيا في مرحلة المراهقة والشباب وتعاطفا مع جماعة الإخوان المسلمين في مرحلة من حياتهما وتحالفا معها في مرحلتين ثوريتين مختلفتين من تاريخ مصر؛ عبد الناصر قبل وبعد قيام ثورة 23 يوليو 1952م والسيسي بعدها بـ 60 عاما عقب قيام ثورة 25 يناير 2011م، للاستفادة من قوة التنظيم على الأرض والشعبية الواسعة للجماعة في الأقاليم والمناطق الفقيرة والمتوسطة بالعاصمة، ثم سرعان ما حدث الصدام الدامي في المرحلتين، نتيجة الحسابات السياسية الخاطئة للجماعة، ولهفتها للتمكين والسيطرة على كرسي الحكم في مصر، مما تسبب في حل الجماعة ووصول قادتها وأعضائها للسجن وحبل المشنقة في مرحلة السيتينات على يد ناصر والآن على يد السيسي.
ولا يستطيع أن ينكر أحد انتماء حمدين صباحي لعبد الناصر؛ فهو ابن ثورة يوليو؛ ولد عقب قيامها بعامين في إحدى قرى مدينة بلطيم المطلة على البحر المتوسط لأسرة بسيطة تعمل بالزراعة، عاصر حمدين الأحلام الكبرى للمرحلة الناصرية وظل مخلصاً لمبادئها وأفكارها بعد وفاة الزعيم وشارك في النضال ضد الخروج عن الثوابت الوطنية للحقبة الناصرية، وتم انتخابه رئيساً لاتحاد طلاب كلية الإعلام في منتصف السبعينات، ونائبا لرئيس الاتحاد العام لطلاب مصر ـ الرئيس كان الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ـ وحمدين صباحي هو أحد أطراف المناظرة الشهيرة مع السادات الذي حاول عقب انتفاضة الخبز عام 1977 عقد مجموعة من اللقاءات مع فئات مختلفة من بينها طلاب الجامعة وحضر حمدين اللقاء، ووقف في مواجهة السادات ينتقد سياساته الاقتصادية وتفشي الفساد الحكومي، وتطبيع السادات مع العدو الصهيوني، ودفع حمدين ثمن مواقفه الجريئة غالياً، فتم استبعاده من سلك المعيدين رغم تفوقه وترتيبه الأول على دفعته، ومنع من التعيين في الصحف القومية أو الإذاعة والتليفزيون الحكومي، ورغم ذلك رفض مغادرة مصر وظل مخلصاً لمبادئه الناصرية المنحازة للغلابة من العمال والفلاحين والصيادين وكلفه هذا الاعتقال والسجن أكثر من مرة في عهد السادات ومبارك وتم الاعتداء عليه على سلم نقابة الصحفيين من قبل قوات الشرطة عندما تظاهر تضامناً مع إضراب عمال غزل المحلة في أحداث 6 إبريل عام 2009م والتي كانت مقدمة للإطاحة بنظام مبارك.
والحقيقة أن ثورة 25 يناير2011 أعادت الاعتبار لجمال عبد الناصر ويكفي أنه لم ترفع سوى صورته في سائر ميادين الثورة المصرية منذ بدايتها وحتى الآن، وكانت مطالب وشعارات الثورة ” عيش .. حرية .. كرامة إنسانية .. عدالة اجتماعية” هي المبادئ التي عاش ومات عبد الناصر من أجل تحقيقها؛ فلم يمر على قيام ثورة يوليو 45 يوماً إلاّ وأصدر عبد الناصر قوانين الإصلاح الزراعي التي وزعت أراضي الإقطاعيين على الفلاحين، ومن أصلاب هؤلاء الفلاحين خرج الأطباء والعلماء والمهندسون ومنهم محمد مرسي الذي تعلم من ريع الـ5 فدادين التي حصل عليها والده من عبد الناصر، وناصر هو أول من أصدر الحدين الأدنى والأقصى للأجور بعد جولة له بالقطار بمحافظات الصعيد وكان القطار يقف على رصيف كل محطة ليلتقي الزعيم بالمواطنين الذين اصطفوا بالآلاف لتحيته، وفي إحدى المحطات أراد أحد عمال التراحيل أن يطلب شيئاً من الرئيس ولكنه لم ينجح بسبب شدة الزحام فألقى عليه بمنديله المحلاوي، وتلقف ناصر المنديل بينما الحرس المرافق أصابه الهلع خوفاً من أن يكون داخل المنديل قنبلة، وفتح عبد الناصر المنديل فوجد به” بصلة ورغيف عيش بتاو”، ولم يفهم أحد من الحضور سر هذا المنديل وما بداخله، ولكن عبدالناصر فهم ماذا تعني هذه الرسالة وأطل برأسه بسرعة من القطار وأخذ يصيح بأعلى صوته في اتجاه الرجل صاحب المنديل: “الرسالة وصلت يا ابويا .. اطمن الرسالة وصلت” وعندما وصل أسوان أصدر قانون عمال التراحيل ورفع اليومية لهم إلى 25 قرشاً في اليوم بدلاً من 12 قرشاً، كما قرر تطبيق التأمين الاجتماعي والصحي عليهم لأول مرة في مصر.
لقد فك جمال عبد الناصر شفرة المواطن البسيط واستطاع أن يحقق أحلامه ويؤمن له كرامته، وحقه في حياة كريمة؛ لا ذل فيها، ولا عبودية ولا استبداد، فأحبه الناس وصدقوه، وآمنوا بمبادئه وأفكاره حتى الآن ويكفي للدلالة على حب الشعب المصري لعبد الناصر مشهد جنازته والملايين يهرولون إلى ميدان التحرير، من جميع طوائف الشعب: الغني والفقير، المثقف، والبسيط، الكبير والصغير، والحزن يكسو الوجوه وتحولت مصر لمأتم كبير، الصراخ والعويل من الرجال والنساء، ما زلت أتذكر ـ رغم صغر سني حينذاك ـ الغبار الناتج عن تدافع الناس الغلابة القادمين من الأحياء البعيدة يجرون بغير هدى بعضهم حفاة ونساء ريفيات حاسرات الرأس من الذهول يلطمن الخدود ويهلن التراب على الرؤوس ويهذين بعبارات (الندب والتعديد) وهو تقليد مصري فرعوني قديم تشيع به النسوة عزيزا لديهن لمثواه فقد كان الفقراء يعتبرون ناصر الأب والأخ الكبير المسؤول عنهم وبفقده تيتموا وتركوا في مواجهة المجهول.
ورغم انصراف كثير من مناصري حمدين صباحي في حملته الرئاسية السابقة ـ التي حصد فيها قرابة 4 ملايين صوت ـ حل بها ثالثا خلف مرسي وشفيق في انتخابات 2012م، وعلى رأسهم أولاد الزعيم جمال عبد الناصر ـ عبد الحكيم وهدى ومنى ـ الذين أعلنوا تأييدهم للمشير السيسي، والمخرج الناصري الشهير خالد يوسف الذي انضم لحملة السيسي ـ إلاَ أن ما يعوض حمدين عن رحيلهم هو التفاف الشباب حوله وإيمانهم أنه مرشح الثورة، ورفضهم للسيسي وحكم العسكر وعدم رضاهم عن السياسات والقوانين الصادرة عن النظام الذي تولى الحكم بعد 30/6 خصوصاً قانون منع التظاهر والتضييق على الحريات، واعتقال شباب الثورة، بجانب تخوفهم من عودة نظام مبارك بعد ظهور فلول الحزب الوطني المنحل على شاشات التليفزيون، ومحاولتهم تشويه ثورة 25 يناير واتهام شبابها بالتمويل والعمالة، كما يستفيد حمدين من فشل الحكومة الذي كان السيسي أحد أعضائها البارزين حتى وقت قريب ـ في كل ما فشلت فيه حكومة الإخوان فلا الأمن تحقق ولا قضوا على الإرهاب بل زادت عمليات القتل والتفجير، ولا الاقتصاد تحسن بل التهبت الأسعار وزادت البطالة وتضاعفت الديون، حتى مشكلة القمامة وانقطاع التيار الكهربي وأزمة المرور، والفوضى التي تسيطر على الشارع المصري كل هذه الأزمات لم تستطع حكومة محلب وقبله الببلاوي حلها أو السيطرة عليها، بل يبدو أن الأمور تزداد سوءاً مما يخصم من رصيد السيسي ويصب في مصلحة حمدين الذي بدا أنه حامي الحريات وراعي الكرامة واحترام حقوق الإنسان التي انتهكت في عصر النظام الذي جاء به السيسي عقب الإطاحة بمحمد مرسي.
بينما المعسكر الآخر يرى في السيسي البطل المخلص الذي حمل روحه على كفه، ونجح في تخليص مصر من الغزو الإخواني وتحمل المخاطرة ووقف في وجه الإرهاب، ويكفي أنه مهدد بالقتل ويغير مكان نومه ويعتم على أخبار أسرته حتى لا تصل إليه أيدي الجماعات الإرهابية التي أعلنتها صراحة أنها لن يهدأ لها بال حتى تحصل على رأسه ـ هل يعقل أن يفعل السيسي كل ذلك لينال حمدين الرئاسة خالصة “مقشرة” دون جهد بذله، كما يتهمون حمدين بأنه تحالف مع الإخوان في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وأنه لم يجرؤ على انتقاد سياسات مرسي الفاشلة وصمت على إعلانه الدستوري وتحصين قراراته وتعيين نائب عام ملاكي ولم يُسمع له صوت بين المعارضين، وأخيراً يرون أن حمدين يتملق الإخوان بتلميحات عن محاكمة السيسي ومحاسبة المسؤولين عن الدماء وانتقاده حكم العسكر، وتقديم نفسه على أنه مرشح الدولة المدنية، رغم نفي حمدين وحملته حديثه عن محاكمة السيسي.
وواضح أن لدى المرشحين مشكلة في تحديد البوصلة والانحيازات رغم ادعائهما السير على خطى عبدالناصر، ولكن الواقع والتغييرات التي طرأت على المشهد المصري دفعت الاثنين للتخبط والارتباك؛ فالسيسي يستقبل أبناء عبد الناصر في الصباح ويستقبل جيهان وجمال السادات في المساء، ويحظى بتأييد شخصيات وطنية أمثال حمدي قنديل ومحمد غنيم وعبدالجليل مصطفى، ويظهر وهو يتأبط ذراع مرتضى منصور وأحمد شوبير، يزور الكنيسة الأرثوذكسية والبابا تاوضروس ويلتقي الشيخ السلفي ياسر برهامي الذي يخرج ليكفر من يهنئ المسيحيين بأعيادهم، وبدعوى لم الشمل وعودة الاصطفاف الوطني تعاطى السيسي مع الأضداد، ولم يبدد مخاوف شباب الثورة بمواقف وانحيازات واضحة رغم تأكيده المستمر على عدم عودة نظام مبارك.
ومشكلة حمدين هي خوفه من الفشل في الحصول على الـ4 ملايين صوت التي حصدها في الانتخابات السابقة، لذلك يغازل المقاطعين من الشباب والإخوان والمتعاطفين معهم والمعارضين للسيسي وحكم العسكر، كما لا يخفي تخوفه من انحياز أجهزة الدولة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لمنافسه عبدالفتاح السيسي، وعلينا الانتظار حتى نهاية الشهر لنرى من يكون الرئيس.

إلى الأعلى