السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / موسم الانتخابات

موسم الانتخابات

”لم يكن الناس في الغرب يفكرون كثيرا في أن الانتخابات ليست “تمثيلية” تماما، وأن من يملكون الثروة والسلطة يؤثرون في اتجاهات التصويت مستخدمين الإعلام وغيره من الوسائل وبدأوا فقط في توجه التراجع مع زيادة “كذب” السياسيين والنكوص عن وعود تحسين أحوال المعيشة.”
ـــــــــــــــــــــ
مع نهاية الربيع، نشهد عددا كبيرا من الانتخابات المحلية والعامة والبرلمانية وغيرها أغلبها في المنطقة وبعضها في دول تتكرر فيها الانتخابات على فترات متقاربة. فالهند تجري حاليا أكبر وأطول انتخابات عامة في العالم على مدى أكثر من شهر، وفي الشهرين الأخيرين شهدت افغانستان انتخابات رئاسية لم تحسم نتائجها بعد وشهدت الجزائر انتخابات رئاسية فاز فيها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بفترة رابعة ويحاول البرلمان اللبناني انتخاب رئيس للبلاد وشهدت تركيا انتخابات محلية فاز فيها حزب العدالة والتنمية الحاكم بأغلبية وفي مصر يجيء الاستعداد لانتخابات رئاسية بينما انتخب البرلمان الليبي رئيس حكومة جديد خلفا للمؤقت الذي خلف المعزول علي زيدان وشهد العراق انتخابات عامة ستحسم نتيجتها من يشكل الحكومة المقبلة بينما اعلن عن انتخابات رئاسية في سوريا الشهر المقبل … والقائمة لا تتسع للانتخابات في بقية المنطقة والعالم.
اما نتائج تلك الانتخابات، فكانت في أغلبها متوقعة ـ ليس فقط بقياسات استطلاعات الرأي ـ لأن القوى التي تديرها غما “مسيطرة” بالشكل الذي يدفع بالانتخابات إلى تلك النتائج أو أن موازين القوى تتغير بشكل ما. وشهدت دول التغيير عددا غير مسبوق من الانتخابات والاستفتاءات لم تؤد في أغلبها إلى استقرار شكل حكم حتى الآن. ويخلص المرء من كل تلك الانتخابات ونتائجها إلى أن المنطقة بدأت تلحق ببقية العالم في استنتاج أن الانتخابات لم تعد وسيلة مثلى لتحقيق “ديموقراطية تمثيلية” تؤدي إلى أن تكون السياسة هي تحسين توزيع الثروة في أي تجمع بشري. وليس معنى ذلك أن الأنظمة الشمولية المطلقة أقدر على إنجاز عدالة اجتماعية، وإنما القصد ان الناس ـ في العالم من قبل وفي منطقتنا حاليا ـ يتراجع اهتمامها بالانتخابات وقدرتها على تمثيل كافة فصائل وألوان طيف أي مجتمع. بدأ هذا في الديموقراطيات الغربية الراسخة مع تضاؤل الفوارق بين اليمين واليسار في السياسة وتكدس كل أطياف السياسة في الوسط (يمين الوسط، يسار الوسط، ..) والتراجع المستمر في ثقة الناس في السياسة والسياسيين عموما مع ضغوط الاقتصاد التي دفعت الحكومات لسياسات تقشفية لم تمس رجال المال والأعمال بقدر ما اثرت على أوضاع الأغلبية من الجماهير.
لم يكن الناس في الغرب يفكرون كثيرا في أن الانتخابات ليست “تمثيلية” تماما، وأن من يملكون الثروة والسلطة يؤثرون في اتجاهات التصويت مستخدمين الإعلام وغيره من الوسائل وبدأوا فقط في توجه التراجع مع زيادة ” كذب ” السياسيين والنكوص عن وعود تحسين أحوال المعيشة. ببساطة، فقد الناس هناك ثقتهم في الانتخابات ـ وربما حتى العملية الديموقراطية ككل بدرجة ما ـ حين مس الأمر “أكل عيشهم”. أما في بلدان التغيير العربي التي انتفض الناس فيها واحتجوا على أنظمتهم بسبب تردي أحوالهم المعيشية وانتشار الفساد الذي أهدر العدالة الاجتماعية بشكل فج، فلا يبدو أن الانتخابات قادرة على تحقيق طموحات تلك الشعوب. ولا عجب في أنه في بعض المراحل من الاحتجاجات في تونس كان التونسيون يسترجعون أيام الحبيب بورقيبة وفي مصر ظل الناس يرفعون صور جمال عبد الناصر، بل إن البعض تمنى عودة الملكية إلى مصر.
لماذا هذا النكوص إذا في ظل موجة تغيير ينظر إليها على انها فورة باتجاه الحداثة والعصرنة، وبالتالي الديموقراطية التمثيلية كخيار سياسي يحقق طموحات الجماهير التي تريد التغيير؟. ولا يقتصر الأمر على النخب (وهي أعداد قليلة من السكان بالنسبة للجماهير العادية) التي تطمح إلى تحقيق أهداف مبهرة نظريا وشبه مستحيلة عمليا، وإنما يمتد للأغلبية الجماهيرية التي تختبر حقها التصويتي فيأتي بنتائج تزيد من معاناتها ويتم اللجوء إلى استفتاءات وانتخابات جديدة لا يعرف بعد ان كانت ستضع تلك المجتمعات على طريق التطور الصحيح أم لا. أما في الدول التي لم تشهد احتجاجات، فإن اغلبية كبيرة من جماهيرها ترضى بطريقة عمل مجتمعاتها وهي ترى النتائج الكارثية القريبة من الفوضى في الدول التي شهدت تغييرا. ولا تصح هنا الأحكام المطلقة بشأن التغيير ومساره وشكله، لكن الموقف من الانتخابات لدى قطاعات عريضة من شعوب المنطقة يتجه نحو السلبية. ومن الصعب الحكم الآن قبل نهاية موسم الانتخابات الحالي، وربما حتى نهاية العام وحتى نرى إن كانت موجات الانتخابات الحالية ستدفع نحو استقرار الأوضاع والالتفات للحاجات الملحة من تنمية وعدالة اجتماعية.
لكن ذلك لا يعني أن الناس في منطقتنا ستهجر الانتخابات، ورغم تراجع نسب الإقبال على التصويت في الانتخابات في الديموقراطيات الغربية فإن منطقتنا ستظل تشهد نسب إقبال كبيرة ـ رسميا على الأقل. فنخب مجتمعات المنطقة لا تبحث عن أشكال أخرى للحكم الرشيد، ولأنها لم تسهم في تطور الديموقراطية الغربية فهي ما زالت متلقية عن الطرف الآخر يستخدم أحدث انجاز غربي بالنسبة له حتى لو تجاوزه صناع السياسة في بلد المنشأ. أما الجماهير فلا يعنيها كثيرا الشكل بقدر ما يهمها المضمون، وهي بحاجة لوقت لتصل إلى نتيجة أن الديموقراطية، تمثيلية كانت أم لا، لا تحقق العدالة الاجتماعية أو ببساطة تحسين الأوضاع المعيشية. ويبدو أننا بانتظار فورات أخرى حتى يمكن للجماهير أن تفرز نخبتها الجديدة التي ربما تبتكر طريقة للحكم تستفيد من تجارب البشر وتناسب مجتمعاتنا أكثر.

د. أيمن مصطفى
كاتب صحفي عربي

إلى الأعلى