الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إلى من يضعون قلوبهم على أكمامهم

إلى من يضعون قلوبهم على أكمامهم

أ.د. محمد الدعمي

”بالنسبة لعنوان المقالة أعلاه، فأستعيره من مثل بريطاني كان قد خص الأرستقراطية هناك، لأنها غالباً ما تميز بين ما يمكن كشفه للآخرين من عواطف وقضايا فردية أو عائلية، وبين ما لا يمكن عرضه للغرباء باعتباره خصوصية. لذا تراهم يرددون أن فلاناً يرفض أن “يضع قلبه على أكمامه”، بمعنى أنه لا يحب أن يطلع الآخرين على خصوصياته وعلى مكنونات عواطفه. وهي صفة “أرستقراطية” تركز على كتمان المستور.”
ـــــــــــــــــــ
لم يعد سراً أن شبكات وقنوات التواصل الاجتماعي قد قدمت خدمات جلى لأجهزة الاستخبارات والرصد والإنصات على تنوعاتها. ومرد ذلك هي واحدة من صفات الإنسان الطبيعية، وأقصد بها صفة الميل إلى البوح بالمكنون الذي لا يجد الفرصة للانطلاق إلى الفضاء الخارجي من دواخل النفس البشرية، خاصة بعد أن صارت وسائل الإعلام والمعلومات حكراً على الدولة أو على الشركات كي توظف على خدمتها بشكل خاص. أما بالنسبة للـ”فيس بوك” Facebook، على سبيل المثال، فيمكن للمرء أن “يبوح” بحرية مطلقة، فيخفف من الضغط النفسي الداخلي الناتج عن كبت أفكاره وآرائه، عواطفه وخوالجه.
لذا تخص الأجهزة التجسسية المذكورة أعلاه هذا النوع من الشبكات بالمركز من الاهتمام، بل إنها يمكن أن تخصص له فرقاً متخصصة لمتابعتها، زيادة على فرق أخرى من المتخصصين لتحليل النصوص ومحاولة الغور بها بحثاً عن المعاني والدلالات المبطونة: فما يقر به المرء على هذه الصفحات الإلكترونية أشبه ما يكون بالكشف عن مكنونات “اللا وعي” الذي يبذل علماء التحليل النفسي جهوداً مضنية للوصول إليه لتفريغه مما ترسب بدواخله عبر سنين طوال.
أما بالنسبة لعنوان المقالة أعلاه، فأستعيره من مثل بريطاني كان قد خص الأرستقراطية هناك، لأنها غالباً ما تميز بين ما يمكن كشفه للآخرين من عواطف وقضايا فردية أو عائلية، وبين ما لا يمكن عرضه للغرباء باعتباره خصوصية. لذا تراهم يرددون أن فلاناً يرفض أن “يضع قلبه على أكمامه”، بمعنى أنه لا يحب أن يطلع الآخرين على خصوصياته وعلى مكنونات عواطفه. وهي صفة “أرستقراطية” تركز على كتمان المستور.
هذه الصفة الأرستقراطية لا تتوفر عند قطاعات كبيرة في مجتمعاتنا الشرق أوسطية والعربية، ذلك أن الجميع يريدون أن يدلوا بدلوهم، وبخصوص كل قضية، عامة أو خاصة محدودة أو واسعة. ومرد هذه الرغبة هي اللذة التي يستخرجها المرء من أنشطة البوح والتعبير عن الرأي. لذا يستغل الآخرون هذه اللذة على سبيل استدرار المزيد مما يقوله المرء واستدراجه ليعبر عما يجول في دواخله، حتى وإن كان سري الطبيعة. بل إن الأدهى هو أن بعضهم ينزل رأياً استفزازيًّا محدداً على “صفحته”، ثم ما يلبث أن يندم على ذلك، فيقول في دخيلته كيف تسنى لي أن أعلن هذا الرأي، بلا مسؤولية؟ هل فقدت عقلي؟
أما إذا ما أدليت برأي وأثار هذا الرأي ضجة أو جدلاً واسعاً، فإن عليك أن تتذكر بأنه لا يجلب إليك الشهرة، وإنما قد يجلب إليك سوء السمعة، خاصة وأن المنافقين والفضوليين وأصحاب الأنوف الطويلة ممن يتصيدون في الماء العكر، وهم يقدرون بعشرات الملايين في المجتمعات المنخفضة الإنتاج كمجتمعاتنا العربية التي استبدلت المقهى وما يجري فيه من “قيل وقال” بشبكات التواصل الاجتماعي التي لا تمل حتى تخرج من دواخلك الاعترافات تلو الاعترافات مجاناً، بلا تحقيق ولا طلب!
بل إن الأكثر تعرضاً لهذا النوع من التلصص من قبل الآخرين هم الكتّاب وأصحاب والأقلام والرأي بسبب تمكنهم من اللغة التي تساعدهم على “البوح” المؤثر. لذا تكون صفحاتهم فضاءات واسعة لأن يقر المرء فيها ويعلن ما لا يمكن أن يعلنه “على الهواء” أمام الغرباء: فإليك، يا شبكات التواصل الغجتماعي الشكر الجزيل من أجهزة الغستخبارات والتجسس والتلصص الحكومية وسوى الحكومية عبر الكرة الأرضية على هذه الخدمات المجانية.

إلى الأعلى