الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / هياكل مسيسة … أجندات مشبوهة

هياكل مسيسة … أجندات مشبوهة

اسامة بن كريم الحرمي كاتب عماني

” لا يجب أن ننخدع بالشعارات الطنانة حول رفع المظالم والمساواة واحترام حقوق الإنسان والعدالة والشفافية، وحقوق المرأة والطفل وحقوق المساجين وغيرها مما تطالعنا بها تقارير المنظمات الإقليمية والدولية المعنية بحقوق الإنسان، والتي باتت بارعة للغاية في تسييس هذه الحقوق خدمة لأجندات الدول الكبرى.”
ـــــــــــــــــــــــ
في مقالي السابق تحت عنوان “النشطاءالحقوقيون ماذا يريدون وما هي أهدافهم” انتقدت الخطاب الحقوقي المسيَّس والأجندات التي يستميت بعض النشطاء الحقوقيين لتنفيذها، ووجب الآن توضيح حقيقة الجهات التي تقف وراء هؤلاء ينبغي في البداية أن نعلم جميعا إن مسألة حقوق الإنسان ما هي سوى اختراع أوروبي ـ أميركي، وتتلقى منظمات حقوق الإنسان تمويلها في الغالب من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، والتي تقوم بدورها بتقديم الدعم لجمعيات حقوقية محلية وناشطين في الكثير من دول العالم. وسؤالي، هل يعقل أن يقوم الغرب الغارق حتى النخاع في مشاكله الداخلية والاقتصادية بدفع مئات الملايين من أجل تعزيز ثقافة الحرية والديمقراطية والعدالة والكرامة الإنسانية للمواطنين في دول العالم الثالث، أو في الدول العربية أو الخليجية؟ إن الحديث عن عالمية حقوق الإنسان من وجهة نظري ليس سوى خديعة كبرى، حيث إنه في واقع الأمر، تطغى المصالح والأهداف الخاصة على كل المبادئ والمواثيق والاتفاقيات الدولية. لم يعد مستغربا رصد سيل الاتهامات الموجهة ضد منظمات حقوقية دولية كونها مسيسة ولها أجندات سياسية واضحة، بل وترتبط بمصالح وعلاقات فاضحة بقوى كبرى لها مخططاتها السوداء في مناطق وأقاليم بأكملها. يراود الكثيرين للأسف الشديد اعتقاد خاطئ بأن دول الغرب هي بمثابة جنة الدنيا لحقوق الإنسان، وأنها بلاد لا يمكن أن تقيد أو تمنع فيها حرية الأفراد ولا أن تنتهك وتصادر حقوقهم الإنسانية والقانونية حتى لو أجرموا في حق المجتمع، وهو أبعد ما يكون عن الحقيقة.
لم تكن منظمات حقوق الإنسان الدولية يوما مستقلة تماماً، فهي تقوم بتنفيذ أجندات خاصة متصلة بشكل مباشر بجماعات التأثير السياسي داخل دائرة صنع القرار الأوروبي والأميركي، وبما يخدم مصالح هيئات على صلة وثيقة للغاية بالمؤسسات الرسمية العديدة في الدول المانحة للمعونات والتمويل. ومن المستغرب جداً أنه وعوضاً من اهتمام هذه المنظمات في أعمالها وتقاريرها بالجوانب الإنسانية إذ بالجانب السياسي يطغى على عملها، وهو ما يهدد على نحو كبير ومقلق للغاية الاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي في أي دولة تكون محل انتقاد، نظراً لكونها تشجع بذلك على تفاقم النزاعات وحدة التوتر والاحتقان الداخلي بدلاً من العمل على تهدئة الأمور. أهداف خفية مشبوهة أخرى تحققها هذه المنظمات لصالح الحكومات الممولة، تلك الهياكل التي يمتد نفوذ بعضها ليصل إلى حد التأثيرعلى السيادة الوطنية للدول والعبث بأمنها الوطني والتدخل السافر في شؤونها الداخلية.
لا يجب أن ننخدع بالشعارات الطنانة حول رفع المظالم والمساواة واحترام حقوق الإنسان والعدالة والشفافية، وحقوق المرأة والطفل وحقوق المساجين وغيرها مما تطالعنا بها تقارير المنظمات الإقليمية والدولية المعنية بحقوق الإنسان، والتي باتت بارعة للغاية في تسييس هذه الحقوق خدمة لأجندات الدول الكبرى. حينما يتم استغلال هذه الحقوق ويتم التركيز عليها بمبالغة لافتة على دول معينة دون غيرها، مع التغاضي عن خروقات نوعية أكبر لحقوق الإنسان تصل لجرائم في دول أخرى تمر أمام أعيننا بلا حسيب أو رقيب، هنا نعلم يقينا أن الأمر لا يتعلق بحقوق الإنسان وإنما بأجندات سياسية مقيتة أصبحت هذه الحقوق بمثابة ورقة رابحة لتحقيقها. قد تسعى بعض المنظمات إلى إشعال فتيل الأزمات في بعض الدول والأقاليم حول العالم بهدف اقناع الحكومات المعنية وجهات التمويل الأوروبية والغربية بالدفع لها للقيام بدور الوسيط في حل تلك الأزمات المفتعلة أو المساهمة في حلها، في حين أن الدورالأساس يتطلب من هذه المنظمات التركيز في جهودها وتحركاتها على تدعيم السلام وحقوق الإنسان وليس ممارسة كافة أشكال التحريض بهدف تحريض الدول الكبرى على الدول الصغرى بذريعة حماية الحقوق، متناسية أن المصداقية يجب أن تكون أساس عملها.
وفي واقع الأمر طالما واصلت دول الغرب على مدى سنوات فن الدعاية والترويج لنفسها أمام العالم كونها واحات للانفتاح والحرية ومراعاة الحقوق الإنسانية ومحاربة التفرقة والتمييز وفق أي اعتبارات طائفية أو اثنية أو غيرها، حتى كدنا نصدق أنها كذلك. وابتدعت هذه الدول ما يسمى بمنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان لتعزيز صورتها المثالية التي تحترم حقوق الإنسان، وأصدرت وزاراتها التقارير السنوية التي تستعرض عبرها الشأن الحقوقي في العالم بصبغة عالمية، لكن الحقيقة تكشف عن الكثير من المآسي التي تعيشها هذه الدول وتغض الطرف عنها ما تسمى منظمات حقوق الإنسان، وخير دليل على ذلك الجرائم التي ترتكب بحق الإنسانية كاستباحة حقوق المعتقلين في أبو غريب وغوانتانامو وغيرها من السجون الخاصة، والتي تتنصت على خصوصيات البشر. لقد تحولت تلك المنظمات وتقارير الخارجية الأميركية إلى سلاح ناعم يصيب الأهداف بمنتهى الدقة محققا مكاسب سياسية أو اقتصادية، وبالطبع، تحت طائلة الضغط والابتزاز.
أتساءل في قرارة نفسي عما إذا كان الغرب قد تخطى بالفعل تفكيره الاستعماري ونزعته الوصولية في تحقيق غاياته اللا شرعية تجاه المنطقة، وإن كان حقا قد انتهى زمن الحروب الصليبية التي بدأت منذ قرون؟ وأتساءل أيضا لماذا تواصل وسائل الإعلام والكتابات الغربية الصراخ محذرة من ما تسميه بالمد الأخضر، وهو ما يجسَّد الإسلام بصورة عدائية كبيرة؟ لا بد للغرب أن يعيد النظر في سياسته وممارساته في الشرق الأوسط بشكل واضح واع يراعي فيها المبادئ والقيم التي يتبناها، وعليه أن يفهم أن وقت الاستعمار قد ولّى منذ ازل بعيد. وعلى الغرب أيضا التعامل وفق معايير موحدة مع الدول التي تقع خارج العالم الغربي وأن يكون صادقا ومباشراً وعادلاً في علاقته معها، وأن يطبق فعليا ما يتغنى به من قيم ومبادئ. ولا بد أن يعلم الغرب إن لكل مجتمع خصوصيته وعاداته وقيمه وثقافته ودينه ومقوماته، وأن لكل دولة ظروفها السياسية الخاصة، وبالتالي، لا يمكن بأي حال من الأحوال تطبيق المبادئ والممارسات المتصلة بحقوق الإنسان على كافة دول وشعوب العالم دون مراعاة الخصوصية الثقافية والحضارية لكل مجتمع.
على الدول العربية عموماً اتباع سياسة الرد المفحم على تقارير هذه المنظمات والعمل على تفنيد كل ما يرد فيها من جهة، ومن جهة أخرى توظيف كافة الأدوات الدبلوماسية الرسمية والشعبية لإيضاح كافة الحقائق وكشف ملابساتها أمام الرأي العام العالمي. من الضروري استمرار التعاطي مع هذه المنظمات الدولية وعدم مقاطعتها على الرغم من معرفتنا يقيناً أنها لا تعدو كونها أدوات ضغط وسلاح للاعتداء على الشعوب الآمنة وإجبارها على الخنوع والخضوع للابتزاز بهدف بلورة السياسات الغربية في المنطقة والعالم، وبذلك يكون دور هذه المنظمات قد انكشف وأصبح عارياً، فهي مؤسسات دولية منحازة تحولت إلى أداة دعائية وبوق في أيدي الدول المستعمرة الكبرى تعكس سياساتها وتترجم مصالحها وليس مصالح الشعوب المقهورة والمستضعفة.‏
أخيرًا، وفي ظل غياب الأمن والاستقرار فإن مجرد الحديث عن الحقوق والحريات يعتبر ترفاً، وإننا لنحمدالله أن فلسفة قيادتنا الرشيدة قوامها احترام وصون حقوق وحريات وكرامة الإنسان دون تمييز على أساس الجنس أو الدين أوالمكانة الاجتماعية أو أي اعتبار آخر ورفض كافة أشكال العنف والتطرف والإرهاب، وهذا هو المهم. لقد أصبحت عمان اليوم على رأس قائمة الدول العربية، ونشكر الله على ما تعيشه سلطنتنا الحبيبة وشعب عمان الأبي من نعمة الأمن والأمان ونعمة الاستقرار في جميع ربوع البلاد.

اسامة بن كريم الحرمي* كاتب عماني

إلى الأعلى