الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / السلك الدبلوماسي الاقتصادي .. خصومة المنافسة

السلك الدبلوماسي الاقتصادي .. خصومة المنافسة

عادل سعد

لا يستطيع النشاط الدبلوماسي أن يأخذ فرصته المناسبة في العلاقات بين دول العالم ما لم يأخذ الجانب الاقتصادي فيه حيزه اللازم، وإذا كان الكثير من الدول قد سبقت العرب في هذا الميدان في إطار عنوان (الدبلوماسية الاقتصادية) فإن الوضع بشأنه اكتسب خبرة على درجة من التطور ضمن النشاط الدبلوماسي الأميركي المستند إلى تجارب الألمان والفرنسيين والبريطانيين والإيطاليين، غير أن الصينيين واليابانيين برعوا في هذا النوع من الدبلوماسية امتثالًا للدعوة القائلة (أنر الزاوية التي أنت فيها)، وهذا تحول عمل القناصل التجاريين والاقتصاديين إلى ما يوازي أو يتقدم على العمل الدبلوماسي الذي يقوم به السفير أو القائم بالأعمال أو حتى السفراء المتجولين الذين تضطر بعض الدول لتسميتهم حسب ما يفرضه واقع العلاقات العامة، وما تحمل في بعض الأحيان من سمات للتوتر.
إن الأسبقية التي تعطى الآن للدبلوماسية الاقتصادية تستمد حضورها قطعًا من شدة المنافسة التجارية بين الدول في عالم أقل ما يقال عنه إن المصالح الاقتصادية هي صمام النفوذ، أو الحضور الذي تنشده هذه الدولة أو تلك.
لقد التفتت وزارة الخارجية اللبنانية إلى هذا الموضوع في الأيام القليلة الماضية عندما عقد وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل مؤتمرًا للبعثات اللبنانية الخارجية تحت بند أساسي (الدبلوماسية الاقتصادية)، وإذا كان اللبنانيون ينشدون من وراء هذا المؤتمر إيجاد مفاتيح للازمة الخانقة التي يعاني منها اقتصادهم بفعل تراكم الديون وتراجع الاستثمار مع انكماش قيمة الليرة اللبنانية، فإن هذا التوجه يظل حاجة ملحة للعديد من البلدان العربية التي ما زالت تشكو ضعف أنشطتها التجارية وانكماش الاستثمار فيها، ولكن لا يمكن للدبلوماسية الاقتصادية أن تتولى مسؤولية إنقاذية إلا إذا كانت هناك خبرات متميزة ضمن البعثات الدبلوماسية العربية، غير أن خيارات بعض الحكومات العربية لا تصب في هذا الاتجاه لوجود نقص واضح في مفهوم الدبلوماسية الاقتصادية، ويعود السبب في ذلك إلى أن انتقاء خبرات معينة لشغل هذه المواقع لا يتم بصورة صحيحة وخاصة في العراق الآن، الأمر الذي يكشف عن تعثر واضح للدبلوماسية الاقتصادية العراقية في جذب المستثمرين وتصحيح مسار علاقاته التجارية الخارجية.
إن السلك الدبلوماسي الاقتصادي هو بالضرورة سلك استكشافي عليه أن يعرف تفاصيل اقتصادية للبلد الذي يعمل به لكي يبني بموجب هذه المعرفة ما على بلده من متطلبات في فتح صفحات من العلاقات الاقتصادية والتجارية، بل قد يصل الأمر به أن يكون على معرفة بالحالة النفسية للمستهلك في هذا البلد، أي ماذا يرغب أن يقتني من سلع، ولهذا قيل إن الدبلوماسي الاقتصادي هو النسخة البشرية من مقياس الآيزو لمعرفة مقدار الجودة، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود دبلوماسيين اقتصاديين على درجة متقدمة من المستوى العلمي، إضافة إلى زجهم في دورات لتحديث معارفهم بما يتناسب والمتغيرات التي تحصل في الساحة الدولية من أجل أن يجدوا شركاء اقتصاديين لبلدانهم، أو بالحد الأدنى يتلمسون طرقا تجارية لبلدانهم في المنافسة مع البلدان الأخرى، وهذا بحد ذاته يتطلب شخصية على درجة مـــن الوعــي بالمتطلبات التجارية والاستثمارية.
ومن طرائف ما يقال في هذا الشأن، إن السلك الدبلوماسي الصيني يفوق الآخرين في القدرة على (شم) حاجات البلدان التي يتواجدون فيها، وإن صناعات معينة قامت أصلًا لتلبية طلبات بلدان تأسيسًا على تقارير دبلوماسيين اقتصاديين صينيين، الأمر الذي جعلهم في خصومة دائمة مع الدبلوماسيين الاقتصاديين الأميركيين والأوروبيين واليابانيين والكوريين الجنوبيين، وقد شهدت العلاقات الدبلوماسية الاقتصادية بين بكين وتلك الدول توترات متكررة إلى حد الاتهام بالتجسس الاقتصادي، بل واتهامات في سرقة أسرار ماركات معينة.
وبالعودة إلى السلك الدبلوماسي الاقتصادي العربي، نقول إنه فعلًا بحاجة إلى مثل هذا (الإبداع) الذي يتميز به دبلوماسيون (حملوا) على رؤوسهم بضائع بلدانهم على غرار ما يقوم به تجار (الحقائب).

إلى الأعلى