الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حَلٌّ لا تفاوضي!

حَلٌّ لا تفاوضي!

جواد البشيتي

مفاوضات السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، والتي ترعاها وتتوسَّط فيها الولايات المتحدة دائمًا، ووحدها، ما هي حالها الآن؟
لا إجابة واحدة، أو مُجْمَع عليها، عن هذا السؤال؛ فالإجابات تتعدَّد، وتتبايَن، وتتناقَض؛ وهذا ما يجعلها “نسبية”؛ فَكُلٌّ يُقَدِّم ويعطي الإجابة الصحيحة نسبيًّا، أيْ نِسْبَةً إلى ما يراه بعَيْن مصالحه ودوافعه ومآربه وغاياته، أو إلى ما بين يديه من معطيات؛ وعليه، نسمع إجابات من قبيل: “لقد فَشِلَت”، “لم تنجح”، “انهارت”، “توقَّفَت”، “أَثْبَتَت عجزها”، “ماتت”، “هي ميتة منذ زمن بعيد؛ لكن محاولات ومساعي إحيائها هي التي فَشِلَت”.
ومع ذلك، ثمَّة “مُنْتَظِرون”، وثمَّة ما “يُنْتَظَر”؛ وأحسبُ أنَّ “المُنْتَظَر” هو “تغيير كل قواعد اللعبة السياسية”؛ فالمفاوضات التي يمكن أنْ تكون مُجْدية ليست المفاوضات التي تَسْبِق قيام “دولة فلسطينية”، وتَقود إليها؛ وإنَّما المفاوضات التي تعقب قيامها، ويكون مدارها حل وتسوية المشكلات بينها وبين إسرائيل، وجَعْل تلك الحلول والتسويات في شكل “اتفاقيات”.
الآن، لا بدَّ من إنهاء النزاع، وعقد المصالحة، بين الفلسطينيين أنفسهم، أيْ بين السلطتين الفلسطينيتين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن تَرْجَمة ذلك بهيئات ومؤسسات حُكْم مشْتَرَكة، وبضَمِّ “حماس” إلى منظمة التحرير الفلسطينية، بصفة كونها الهيئة المُعْتَرَف بها، عربيًّا ودوليًّا، على أنَّها الممثِّل الشرعي للشعب الفلسطيني؛ ولا بدَّ، أيضًا، في هذا السياق، من الاتِّفاق على “حلول” تَقِي الفلسطينيين شرور “فراغٍ محتمل” في رأس الهرم القيادي الفلسطيني (في “السلطة”، و”المنظَّمَة”).
دبلوماسيًّا، خيار الفلسطينيين الآن هو المضي قُدُمًا في سعيهم إلى أنْ يَسْتَثْمِروا على خير وجه، وعلى جناح السرعة، وإلى أقصى حدٍّ ممكن، “الميزة القانونية (والسياسية)” لاعتراف الجمعية العمومية للأمم المتحدة بفلسطين على أنَّها “عضو مراقِب” في المنظَّمة الدولية، غير مكترثين للضغوط والعقوبات الإسرائيلية (وغير الإسرائيلية).
وعلى الفلسطينيين (الذين تقدَّموا في هذا المسار الدبلوماسي الدولي، وفي التسوية النهائية للنزاع بين سلطتيهما في الضفة والقطاع) أنْ يتصرَّفوا بما يوضِّح للمجتمع الدولي صُورة إقليم (أو أراضي) دولتهم، التي هي في وَضْع “العضو المراقب”؛ فهذا الإقليم يجب أنْ يَبان على حقيقته، إقليم دولة تحت الاحتلال الإسرائيلي؛ وتوصُّلًا إلى ذلك، لا بدَّ من إسقاط “قِناع السلطة (الفلسطينية)” عن وجه الاحتلال الإسرائيلي.
وتستطيع منظمة التحرير الفلسطينية، المُوسَّعة، والتي دَبَّت فيها الحياة، ويحقُّ لها، أنْ تَحْتَجَّ بفشل المفاوضات، واستمرار الاستيطان والتهويد، وعدم إفراج إسرائيل عن أسرى فلسطينيين لديها، واشتداد معاناة الفلسطينيين جميعًا من الضغوط والعقوبات (المالية والاقتصادية) الإسرائيلية، لإعلان حلِّ السلطة الفلسطينية، التي أقامتها “المُنَظَّمة”، فِرْعًا لها، عملًا باتفاقيات مع إسرائيل، تَقادَم عهدها، وانتهت “جداولها الزمنية” منذ زمن بعيد، من غير أنْ يُنفِّذ الإسرائيليون منها ما يُسوِّغ استمرار التزام الفلسطينيين لها.
وفي موازاة ذلك، تبدأ، وتَتَّسِع، “مقاوَمة شعبية فلسطينية منظَّمة سلمية”، مِنْ غاياتها، حَمْل “المجتمع الدولي” على التَّدَخُّل لرَفْغ الاحتلال الإسرائيلي عن إقليم “دولة فلسطين”.
وفي مواجهة ذلك، تَشْرَع إسرائيل تُغيِّر بعضًا من القواعد الأساسية للعبة السياسية، مُنَفِّذةً، مع شيء من التعديل الضروري، “حَلَّ غزة”، الذي لجأت إليه مِنْ قَبْل؛ فَتَتْرُك للفلسطينيين في الضفة الغربية كل الأراضي التي يُمْكنها التَّخلِّي عنها الآن، وإلى الأبد، مُغْلِقَةً تمامًا “الحدود (المؤقتة)” بينها وبينهم، تاركةً لهم ما يشبه “مَعْبَر رفح” بينهم وبين الأردن، حتى يُؤسَّس لصلات متبادلة قوية بين هذين الطَّرفين. وهذا “الحل”، الذي فيه، وبه، تُقام “دولة الأمر الواقع الفلسطينية”، سيأتي مُحمَّلًا بكثيرٍ من المشكلات الواقعية الضَّاغِطة، والتي بعضها يَخْتَص بحياة الفلسطينيين اليومية في الضفة والقطاع معًا، فتشتدُّ الحاجة إلى مفاوضات من نمط جديد.

إلى الأعلى