الأربعاء 22 مايو 2019 م - ١٦ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الرياء داء خطير

الرياء داء خطير

إذا خلا العمل من الإخلاص فلا قيمة له ولا ثواب في الدنيا والآخرة والقلوب لا تطمئن إلا بالله تعالى السعي في طلب الشهرة يغلق أمام العبد باب القبول ويصبح أسيراً لنظر الناس إليه
أنس فرج محمد فرج
عن جندب بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم):(من سمَّع سمَّع الله به ومن يرائي يرائي الله به) ـ رواه البخاري ومسلم وغيرهما، ومعناه من أظهر عمله للناس رياء أظهر الله تعالى نيته الفاسدة في عمله يوم القيامة وفضحه على رؤوس الأشهاد وروى الطبراني عن معاذ عن النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) قال:(ما من عبد يقوم في الدنيا مقام سمعة ورياء إلا سمَّع الله به على رؤوس الخلائق يوم القيامة)، وقال ابن مسعود: من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حين يخلو بنفسه فتلك استهانة استهان بها ربه تبارك وتعالى، وقال أبو الدرداء موضحاً ومحذراً من خطر الرياء:(إن من فقه العبد أن يعلم نزعات الشيطان) أي: يعلم متى يأتيه ومن أين يأتيه فإذا فقه العبد عن الله عز وجل أنه لا يقبل من العمل إلا ما خلص وصفا لوجهه الكريم دون خلقه فإن نفسه وعدوه إبليس لعنه الله يدعوانه إلى ما يحبط عمله خاف وحذر، فعلم حينئذ أن نزغة الشيطان تأتيه من قبل الرياء وغيره، وقال الحسن البصري: لا يزال العبد بخير ما علم الذي يفسد عليه عمله، فليس للعبد غنى عن معرفة ما أمرنا باجتنابه من الرياء وغيره، ولا سيما الرياء الذي وصفه رسول الله بأنه شرك خفي أخفى من دبيب النمل.

تحقيق العبودية لله
فالإخلاص في العمل من أهم الواجبات ومن أبر الطاعات وهو أساس لكل عمل صالح إذا خلا العمل من الإخلاص فلا قيمة له ولا ثواب له في الدنيا والآخرة والقلوب لا تطمئن إلا بالله تعالى ولا يكون العبد غنياً إلا بطاعة ربه والإقبال عليه والدين الحق هو تحقيق العبودية لله وعليه فإن البذرة الصالحة لا يرجى نباتها إلا بعد دفنها ولو بدت على ظهر الأرض لفسدت وما خرج منها خير أبداً وكذلك الصادق البصير هو الذي يستر نفسه عن عيون الخلق حتى لا تفسد أعماله بالتصنع والمراءاة والتزين لهم فإن هذا مما يضيع معه الوقت والجهد ولا يجنى من وراءه غير الحسرة والندامة يوم القيامة وهذا كخادم عمل لغير سيده فهل له أن يطلب الأجر من سيده وهو قد عمل لغيره.

العزيمة الصادقة
إن الإخلاص سر عظيم يقذفه الله في قلوب من اصطفى من عباده ليقودهم به إلى جلائل الأعمال ويحببهم في أحسن الفعال يبعث فيهم الهمم العالية، والعزيمة الصادقة، والإرادة القوية ويربي فيهم روحاً طيبة طاهرة وضميراً سليماً حياً، فهو الذي يبرئ العمل من العيوب ويخلصه من المساوي والذنوب وهو عماد الأعمال وسر النجاح فما نهضت أمة من الأمم إلا على أساس الإخلاص الذي يملك قلوبها فيوحد صفوفها ويجمع كلمتها، ويكسبها سداداً في العمل وإحكاماً ويورثها نصراً على الأمم ونجاحاً، وقد حذر النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) من الرياء فقال:(أيها الناس إياكم وشرك السرائر) قالوا: وما شرك السرائر يا رسول الله؟ قال:(يقوم الرجل فيصلى فيزين صلاته جاهدا لما يرى من نظر الناس إليه فذلك شرك السرائر)، وروى الترمذي أن كعب بن مالك قال سمعت رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) يقول:(من طلب العلم ليجارى به العلماء أو ليمارى به السفهاء ويصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار)، قال ابن قدامة: هذه الشهوة الخفية يعجز عن الوقوف على غوائلها كبار العلماء فضلاً عن عامة العباد وإنما يبتلى بها العلماء والعبَّاد المشمرون عن ساق الجد لسلوك سبيل الآخرة فإنهم لما قهروا نفوسهم وفطموها عن الشهوات وحملوها بالقهر على أسباب العبادات فلم تطمع نفوسهم في المعاصي الظاهرة الواقعة على الجوارح فاستراحت بالتظاهر بالعلم والعمل ووجدت مخلصا من شدة المجاهدة في لذة القبول عند الخلق ونظرهم إليها بعين الوقار والتعظيم فأصابت النفس لذة عظيمة في ذلك فاحتقرت فيها ترك المعاصي فأحدهم يظن أنه مخلصا لله عز وجل، وقد أُثبت في ديوان المنافقين وهذه مكيدة عظيمة لا يسلم منها إلا المقربون ولذلك قيل آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة، وقال الزهري: ما رأينا الزهد في شيء أقل منه في الرياسة نرى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والملبس فإذا نوزع الرياسة حامى عليها وعادى، وقال آخر: لا يفلح من شُمت منه رائحة الرياسة، وقال غيره: ليس بين العبد وبين أن يهلك إلا أن يُعرف، وقال رجل لبشر الحافي: أوصني قال: أخمل ذِكرك وطيب مطعمك قال: نعم فإنه لا يجد حلاوة في الآخرة رجل يحب في الدنيا أن يعرفه الناس، ويظهر من ذلك كله أن السعي في طلب الشهرة يغلق أمام العبد باب القبول ويجعله مطروداً من ساحة العبودية ويصبح أسيراً لنظر الناس إليه فقد جعل المقصد من وراء عبادته أن يكون مشهوراً معلوماً يشار إليه بالأصابع وهذا هو حظه من سعيه وتعبه وكده ونسى هذا الغافل أن كل مشهور بين الناس ربما لا يكون محبوباً ولا مقبولاً عند الله تعالى.

فتنة على الضعفاء
فالمذموم هو طلب العبد للشهرة وسعيه لها وحرصه عليها أما وجود هذه الشهرة من قبل الله تعالى دون أن يطلب العبد ذلك فليس بمذموم حيث أنها جاءته ولم يسع إليها غير أن في وجودها فتنة على الضعفاء فإن مَثل الضعيف كالفريق الذي لا يعرف أفراده جميعا السباحة فإذا تعلق واحد منهم بالآخر غرق وأغرقه معه، فأما السابح الماهر فإذا تعلق الغرقى به كان سبباً في نجاتهم وخلاصهم من الغرق فأي شهرة أكثر من شهرة الأنبياء وأئمة العلماء والدعاة المخلصين ولكنها كانت شهرة من عند الله تعالى ليس لأي منهم دخل فيها ولا ترتيب لذلك جعلها الله تعالى لهم في الدنيا عاجل بشرى وتثبيت وتأييد ونصرة.
.. هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

إلى الأعلى