الأحد 9 أغسطس 2020 م - ١٩ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / نجمة عراقية!!

نجمة عراقية!!

”هي نجمة قد تكون استمدت حضورها من ملحمة كلكامش في البحث عن الخلود، وقد تكون ملامحها من المعالم الحقوقية والاجتماعية التي ميزت مسلة حمورابي القانونية بكل ما تحتضن من نصوص تمجد إرادة الصبر وقيم التضامن، وشروط النخوة والعيش، في مقاربة روحية جمالية لا حدود لها للحفاظ على الأغصان المثمرة.”

عادل سعد

هي نجمة عراقية بمقياس النجومية الحقيقية الغائبة الآن قسرا ـ مع الأسف ـ من ساحات اهتمامات الرأي العام على صعيد بعض الدول، أو في عموم العالم, هي نجمة ليست مصنعة تجاريا لأهداف التسويق والربح السريع من خلال اللعب على ذقون المستهلكين.
لم يمر اسمها ولا صورتها على الإعلام بضخ دور الأزياء ودكاكين التجميل من شركة ماكس فاكتر الشهيرة إلى شانيل الفرنسية وصولا إلى شركات صناعة مواد التجميل الصينية والتايوانية التي لم تكتفِ بما لديها من معامل من هذا النوع على البر, بل حوّلت بعض السفن القديمة (المتقاعدة) إلى مصانع تنتج ملايين الأطنان من الإكسسوارات ودهان الوجوه والعطور المغشوشة التي ليست سوى أفخاخ من الرائحة الكاذبة، وكذلك ما يحصل من مزاعم تتمثل في وصفات مزورة لتخفيف الوزن ليصل إلى وزن عارضة الأزياء البريطانية السابقة تويغي.
هي نجمة قد تكون استمدت حضورها من ملحمة كلكامش في البحث عن الخلود، وقد تكون ملامحها من المعالم الحقوقية والاجتماعية التي ميزت مسلة حمورابي القانونية بكل ما تحتضن من نصوص تمجد إرادة الصبر وقيم التضامن، وشروط النخوة والعيش، في مقاربة روحية جمالية لا حدود لها للحفاظ على الأغصان المثمرة.
هي نجمة ربما حملت إرادة الامبراطور العراقي القديم نبوخذ نصر وما حفلت به الجنائن المعلقة في بابل من سطوة هندسية مدهشة, هي نجمة تعطرت برائحة النرجس الشمالي والعشب الآشوري, هي نجمة إشراقتها من رذاذ شمس العراق ونسائم جباله ونباهة النوارس عندما تتقاسم نزاهة الشواطئ.
لكي لا أقع بالإسهاب المفرط, الخلاصة أنني أقصد بذلك السيدة العراقية زريفة باكوس مواليد 1939, التقيتها في أربيل وكل ما قيل لي من معلومات عنها إنها بقيت أسيرة المجاميع المسلحة لـ”داعش” عندما احتلت مدينة الحمدانية إحدى إكبر حواضر محافظة نينوى بعد الموصل, وللتعريف بها أكثر لا تمت السيدة زريفة بأية قرابة أو صلة لنجومية سياسيين عراقيين أيدوا قانونا لتحريم الخمور ويلتقون (عليها) في موائد عامرة ليلا!, كما لا تنتمي إلى سياسيين وأنصاف مثقفين، ولا إلى واجهات اجتماعية تتقاسم الشتائم والشكوك من مظلومية أصابتهم وهم يتبارون في فتح أرصدة يسيل لها اللعاب خارج العراق, ويلبسون أفخر ما تنتجه آلة الأزياء الأوروبية، ويتفرجون على (أسمال) بعض العراقيين, لا يتورعون من المهاترات ويصوتون في البرلمان بأوقات قياسية على هبات ومكافآت وأثمان إيفادات تخصهم، كما لا تمت السيدة زريفة بأية صلة أيضا للذين يستعجلون دائما المنافسة من أجل أن يكونوا أمام الكاميرات بكل ما لديهم من (الرسائل) الطائفية والمناطقية والاثنية ويعلنون خطر التجول في عقولهم.
إن ما قالته لي السيدة الناجية زريفة كان منتهى الحكمة التي تكلل عقلا متوازنا زاخرا بالعفوية والشفافية، فقد أفادت أنها تراهنت مع نفسها على إمكانية البقاء في بيتها مهما كانت النتائج مدمرة، بل وقالت إن كل زاوية في هذا البيت الصغير كان هناك كائن جميل يتراوى لي يقول لا تغادري، فشعرت بالخجل من الهروب والفرار على الرغم من أن البيت نفسه تحول إلى قلعة عسكرية بنظر المسلحين يداهمونه بصورة متكررة، وكانت هناك نداءات لمواطنين تحثني على أن أغتنم الفرصة وأغادر ففضلت (غم) البقاء, بل وأسرت إليَّ أن أكثر من مسلح واحد عرض عليها فرصة الهروب والتوجه إلى أربيل مقابل فدية، لكنها بسطت يديها أمامهم لتقول في كل مرة لا أملك مالا ولا ذهبا.
لقد كانت السيدة زريفة رسولة الشجاعة، أعني الخوف المقهور ومنافسة صعبة للشدائد، وتعلم لغة الانتظار الممل والقاسي بجدارة نخلة عراقية، تعرف كيف يكون الوقت تحت رحمتها وليس العكس، هي نسيج التواضع والشموخ والبساطة والخوف القاسي، وهي أيضا نسيج قامة عراقية لا تعرف الانحناء للرياح، تخلت عن تواريخ الأيام والأسابيع والشهور والليل والنهار إلى اليوم الذي فتح الباب أمامها لينادي عسكري عراقي أنها ما زالت على قيد الحياة، كان يوما مشهودا كررت فيه الحمد لله كثيرا، وكانت في تلك اللحظة لا تملك كسرة خبز صغيرة.

إلى الأعلى