السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في ذكرى النكبة… وحين يقرع بيريز جرسه!

في ذكرى النكبة… وحين يقرع بيريز جرسه!

عبد اللطيف مهنا

ستة وستون عامًا من النكبة… النكبة العربية في فلسطين العربية السليبة… عقود ستة بالكمال والتمام ونحن الآن فيما هو المابعد منتصف سابعها، وها هو الغازي الغاصب المستعمر يلاقيها ويودِّعها بضجيج احتفالاته على امتداد أيامها الأخيرة، ليذكِّرنا، وكأنما حتى لا ننسى، ببلوغها مثل هذا الرقم الموجع الباغي من أعوامها النكبوية المتواصلة…
… وإذ تقترب النكبة من مشارف الثلاثة أرباع من القرن بأعوامه النكبوية، هذه التي رحلت عبر نضالها وتضحياتها وأتواقها وانكساراتها أجيال وجاءت أخرى، واستمرت ليرث القادم من بعد الآتي مزمن جرحنا الغائر، يأبى جرحنا المزمن المتوالي النزف، والذي تلازم ضفافه الراعفة معاناتنا الفلسطينية جدًّا وتتواصل عذابات مداراتها فصولًا، على أن تظل حكاياته الدامعة تترى وتترى… ومنها:
قبيل مغادرته الوشيكة، والتي لم يتبقَ لها أكثر من شهرين، لمهمته الراهنة كرئيس للكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، فجَّر داهية الصهاينة الأشر شمعون بيريز قنبلته التي باتت أصداؤها تتردد حتى لتكاد أن تعلو على ضجيج احتفالات الغزاة بمرور الستة والستين عامًا من النكبة العربية الفلسطينية في فلسطين العربية السليبة.
قال بيرز إنه، وقبل ثلاث سنوات، وعبر لقاءات تفاوضية سرية جرت في العاصمة الأردنية دارت بينه وبين رئيس سلطة الحكم الذاتي الإداري الفلسطيني المحدود، وبتفويض له من بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان، قد سبق وأن توصَّل إلى اتفاق “كان جاهزًا” وشاملًا لكافة النقاط المتفاوض عليها، ومن بينها الإقرار الأوسلوي بـ”يهودية” الكيان الصهيوني، و”حل مسألة اللاجئين”، و”استبدال الحديث عن حدود 67 مقابل الحديث عن مساحة الدولة الفلسطينية”، لكن نتنياهو، و”رغم أنه كان شريكًا في كل خطوة وكل شبر” مما آلت إليه هذه المفاوضات، أحبط الاتفاق في اللحظة النهائية عندما طلب التأجيل لعدة أيام”، بحجة أن “توني بلير يستطيع أن يقدم عرضًا أفضل”… ومضى بيريز مدافعًا عن شريكه في المفاوضات داحضًا لمزاعم واتهامات نتنياهو التي تحاول تحميل رئيس السلطة ظلمًا وبهتانًا مسؤولية إفشال حركة كيري التصفوية، فقال إنه يعرفه منذ ثلاثين عامًا، “لذا ينبغي أن نقول الحقيقة، إنه “يكافح الإرهاب (ويقصد المقاومة) بالقوات التي لديه”، وإنه “لا يزال الشريك الوحيد للتسوية”، منوهًا بما عدها شجاعةً من شريكه هذا “الذي أعلن أمام الجمهور العربي أنه ولد في صفد لكنه لن يعود إليها”!!!
وإذا ما نظرنا لما كشفه بيريز وهو المعروف بأنه يظل الأذكى والأدهى والأخبث فيهم، وما ذكره ما كان منه إلا لإشفاق على ضياع لفرصة تصفوية سانحة، لا سيما من زاوية إدراكنا لكون ما كشف إنما هو كان المنسجم تمامًا مع منطق ونهج وخيارات أصحاب المسار الأوسلوي، الملغي لكافة البدائل الماعداه، والمتمسكين به وحده منذ ما ناف حتى الآن عن العقدين… وبالمقابل نظرنا من زاوية أخرى هي إدراكنا لحقيقة الحقائق التي تقول بأن هذا العدو المغتصب لفلسطين لا تعني له المفاوضات إلا كسبًا للوقت، وكسبيل مجرب لاستدراج التنازلات وباتجاه واحد هو استسلام من يفاوضونهم، فإننا في الحالين لا نجد فيما كشفه بيريز جديدًا سوى الإعلان الصهيوني الصريح بانسداد هذا المسار والتأكيد الواضح الجلي على حقيقة رفض الصهاينة مسالمة حتى الأوسلويين، وحتى لو اعترفوا لهم “بيهودية” الكيان، وتخلوا لهم عن حق العودة، وعن حدود 67… ومع هذا نجد واحدًا من مثل ياسر عبدربه يؤكد على عزيز التمسك الأوسلوي، وبماذا؟! إنه بالوساطة الأميركية، وقبلها وبعدها، ما زال رئيس السلطة يؤكد على ذات النهج ويصر على ذات المسار، هذا الذي أوصل القضية إلى ما وصلت إليه على أعتاب الـ66 عامًا مرت على النكبة المستدامة، هذه التي يحتفل الصهاينة هذه الأيام بمرور سنيها النكبوية!!!
…ستة وستون عامًا من النكبة، قالت وتقول لنا انكسارات وكبوات وهنَّات ومهانات أعوامها الثقيلة المشينة والمتلاحقة، إن هذا الغازي الدخيل الغاصب إنما يستمد، على هشاشته، من عجزنا اللامعقول تجذرًا، وضعفنا اللامنطقي توطّدًا، ووهننا المقيت واللامبرر قوةً، وتهاوننا المشين رسوخًا وتثبيتًا… تثبيتًا في سويداء القلب من خارطة أمة تلفظه، لكنها أمة غُيبت وتزاحمت أولوياتها فانشغلت، بل غفلت، عن هذه المتربعة على سنام هذه الأولويات، عن بوصلتها، ومكمن السر في قدرتها على تحقيقها لانعتاقها ووحدتها ونهضتها من عدمه، ألا وهي تحرير كامل فلسطينها غير منقوصة من نهرها إلى بحرها…
… ستة وستون عامًا من النكبة، وما خلا المساومين والمتساقطين والمفرطين ونافضي أيديهم سرًّا وعلانيةً من هموم الأمة وخاذلي قضية قضاياها في فلسطين، يقول لنا تاريخنا، وتؤكد لنا جغرافيتنا، ما تجزم به فداحة واقعنا وهزيل وقائعنا، ويوحي لنا به ضمير ووجدان أهلنا وأمتنا، وزكته وتظل تزكيه وتنقشه في وجه حاضنا ومستقبلنا دماء القوفل من شهدائنا، وهو أن للباطل جولة، وما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها، وإنه ما ضاع حق ومن ورائه مطالب…
ولهذا يضطر داهية أشر من مثل بيريز لأن يقرع علنًا جرس إنذاره في وجه غلاة صهاينته محذرًا من خطيئة إضاعتهم لفرصة تصفوية سنحت وكاد أن يهبها لهم التفريط الأوسلوي الفلسطيني، وأن تخلعها عليهم مباركة أطراف التبعية العربية الرسمية… ستة وستون عامًا من النكبة وحقائق الصراع ستظل: تقول إما فلسطين أو فلسطين…

إلى الأعلى