الثلاثاء 18 يونيو 2019 م - ١٤ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / الملامح العمانية في المفردات الأدبية واللغوية والثقافية بجزر القمر ( 2 _ 2 )

الملامح العمانية في المفردات الأدبية واللغوية والثقافية بجزر القمر ( 2 _ 2 )

الأزهر معلم عبدالله امدوهوما
المفردات اللغوية القمرية:
التركيب اللغوي القمري:
تمثل اللغة السواحيلية العمود الفقري للغة القمرية، إلا أن نطق القمريين لمعظم الألفاظ المشتركة تختلف عن نطق أهل السواحيلية، حيث يغلب على النطق القمري حذف بعض الحروف أو استبدالها، كحرف الكاف. (فالسواحيلية تنطق الطعام بـ “شاكولا”، بينما القمري ينطقها “شاهولا”، والذهاب: تنطقها السواحيلية: “ناكويندا”، بينما ينطقها القمري: “هويندا)، … إلخ.

وتعتمد اللغة القمرية على السماع أكثر من اعتمادها على القواعد، نظرا لكونها لغة صوتية بالدرجة الأولى. ومع البعد الجغرافي لجزر القمر عن بقية الدول العربية، وعدم كتابة قواعد هذه اللغة، يخشى عليها الذوبان مع مرور الأيام، خاصة وأن المراسلات الشخصية التي كانت الأجيال القديمة تكتبها بهذه اللغة، لم تعد كما هي في زمن الهاتف النقال والإنترنت.

وحيث أن العرب يمثلون ثلث السكان في جزر القمر، وتعود صلة البلد بالعرب إلى فترة ما قبل الإسلام ، كان من المنطقي أن تكون الألفاظ العربية جزءا لا يتجزأ من اللغة القمرية. وقد عزز ذلك التواصل العربي القمري، وكذا التواصل القمري الزنجباري قديما وحديثا.
وهناك جمل عربية يستخدمها القمري كما هي دون تغيير، ومن أمثلة ذلك، عبارة: “خير قريب شر بعيد”؛ ويكون استخدامها مباشرة بعد سماع خبر مخيف أو يتوقع منه أمر سيئ. وأكثر من يستخدمها هو الجنس النسوي؛ وعبارة: “حاشا وكلا” ويقصد بها النفي الجازم.

وبعض الألفاظ العربية لا يفهمها القمري بمعناها العربي منفردا، غير أن تركيبها يعطي معنى معينا للقمري. فمثلا، كلمة “كتاب” لا يفهمها كل قمري. لكن القمري يستخدم هذا اللفظ في عبارة مشهورة تقول “كتاب كوكو” (أي، حكايات الجدة) يرمز إلى الأساطير والسخافات والقصص التي لا تستند إلى منطق أو دليل، وعبارة “صاحب داوا”، أي، من يتصدر دعوى غيره؛ وكلمة “كرم” ليست دارجة، لكنها إذا أضيفت إلى الأبقار “مبي زا كرم” (أي أبقار الكرم) فيفهم معنى الكرم عندئذ، أي الأبقار التي تذبح كرما لإطعام من حضر في العرس.

الألفاظ والمسميات القمرية :
هناك تداخل كبير للألفاظ والمسميات العمانية والقمرية، بعضها حافظت على أصالتها، وبعضها تم تصحيفها ذاتها أو معناها.

أمثلة من الألفاظ والمسميات القمرية الباقية على أصالتها العربية
حسب اللفظ القمري والمرادف العربي (العماني)
مرُ شخص / مرئ
بياشارا تجارة
كير خير
هاروس عرس
باروا (رسالة) باروا (رسالة استدعاء)
ساندوك صندوق
مَشتاك تَشَكِي، شكوى
آشي/ حاشا حاشا / لا.
داوا دعوى
أحسنت، ممتاز

أمثلة من الألفاظ والمسميات القمرية المصحًفة من العربية، حسب اللفظ القمري المرادف العربي العماني
منادا (بيع) بيع المزايدة (حيث ينادى السعر)
مٌولد (رقصة لاستدعاء الجن) مولد
رَملِ عملية تكهن المنجم،
بَرِدِ البرد
حِتِمَ (للدعاء على الجاني) ختمة القرآن
بدري (الدعاء بذكر أهل بدر) أهل بدر
مراد فائدة أو جدوى.
تَفَظَال (لمن يرفض الاستجابة) تفضل
ستريح (ردا على ترحيب المضيف) استراحة
تكاباذ / هاستاكاباذ تسلم، قَبِضَ

المفردات الثقافية القمرية
اللباس القمري:
إن الزي القمري الشعبي والرسمي يدل صراحة إلى عمق التراث العماني في جزر القمر. فالدشداشة، والإزار، والعمامة (المسر)، والطاقية (الكمة) والبشت، والنعل العربي، والعصا والسيف، والتزين بأفخر الأثواب العربية وأثمن الحلي للإناث، كلها معبرة.
وبعض هذه الملابس ـ كالعمامة البوسعيدية، مخصصة لطبقة عليا معينة لا يشاركها غيرها، حيث لا يلبسها إلى من خرج من الطبقة الدنيا (منامجي) إلى الطبقة العليا (منايكوفيا). كما أن هذه الأزياء تعبر عن لابسها من حيث المكانة الاجتماعية ـ وربما المالية ـ حيث تعلو قيمتها عن مثيلاتها العربية .

الطعام والشراب:
استخدم القمري القديم الطين في صناعة القدر وما يسمى بـ “مسونجي” وهو إناء لحفظ الماء والعسل والسوائل. ورغم قرب جزر القمر من البلاد الأفريقية، إلا أن طعامها الرئيسي هو الأرز ـ مثل عمان ومدغشقر، وليس السوجي المشهور في البلاد الأفريقية المجاورة لها.
وتعرف الموائد القمرية القهوة العربية ـ باسم “كاهاوا” والحلوى العماني باسم “حالوا”، والسكر بنفس الاسم، إلخ.
وتمثل شجرة النارجيل في جزر القمر حياة كاملة ـ حيث تحتوي على الطعام، والشراب والنعال، والمأوى، والدواء وغير ذلك. ومن هنا، اشتهر من الجيل القديم في جزر القمر بوصف الإنسان الفاضل بأنه “جمنازي” أي كشجرة النارجيل ـ باعتبار أنه كله خير. ولعل العمانيين نقلوا تجربتهم مع النخيل وتعاملهم به واستفادتهم القصوى منه إلى جزر القمر، مما جعل القمري يعامل شجرة النارجيل معاملة العماني للنخيل، خاصة وأن القمريين لا يستغلون أي شجرة أخرى غير هذه الشجرة بهذا الاستغلال. ويعزز هذا المعنى أن مجيئ الوافد إلى جزر القمر غالبا ما يساهم في إيقاظ انتباه القمري نحو الاستغلال الأمثل للأشياء حوله، ومثله مجيئ القمريين من مدغشقر ـ والمسمون بـ “ماسابينا ـ حيث أحدث مجيئهم ثورة في نظرة القمريين إلى المطعومات ـ على سبيل المثال، فبدأ القمري يأكل أشياء لم يكن يأكلها من قبل.

الخلاصة والاستنتاجات
من خلال هذه الورقة البحثية، توصلت إلى نتيجة مفادها أن الإنسان القمري، بلغته وأدبه وثقافته لهو أكبر دليل على أصالة التراث العماني في جزر القمر.
وسأروي لكم مقتطفات من حياة شخصية قمرية شعبية معروفة في الجزر تؤكد هذه الحقيقة، إنها شخصية الراحل/ علي عبدالله .

توفي الرجل سنة 2004م عن عمر يناهز 120 سنة (مما يدل على أنه عاصر كثيرا من البقايا التراثية للحضارة العمانية وثقافتها في جزر القمر أو التاريخ القمري القديم). كما أنه كان متحدثا شعبيا (مما يدل على قربه من الإنسان القمري وكذا التزامه بثقافة أهل البلد، الأمر الذي أكسبه هذه الشعبية). هذا بالإضافة إلى أنه كان مقربا وصديقا حميما لمعظم رؤساء جزر القمر بطلب منهم، بدءا بالرئيس الأول الذي نال البلد علي يديه الاستقلال من فرنسا عام 1975م.

طول حياته وهو يلبس الزي العماني من أوله إلى آخره، ويحب الكد والعمل شأن العماني والأجيال القديمة التي كانت تحب العمل والجدية.

قال لي مرة: “إن اللبسة (أي الفاخرة) في العالم، لبستان فقط، هما: اللبسة العربية، واللبسة القمرية؛ غير أن القمري فقير”. وقصده من اعتبار اللبسة القمرية ما كانت شبيهة للزي العربي العماني، بدليل أنه هو اللباس الذي رأيته يلبسه طول الفترة التي عايشته .

وقد كان الرجل أبيا وعزيزا كعزة العماني، سخيا، مهتما بمظهره كما يفعل العماني . وكان من ذلك أن أوصى بأن تُلبس جنازته بأفضل وأبهى لبسة، كي لا يقول حضور جنازته: “هذه جنازة من” (استخفافا) ؟! ـ على حد تعبيره.

مراجع:

1. “صفحات مطوية من تاريخ جزر القمر”. سليمان المعمري. (مقالة منشورة على الإنترنت).
2. “العادات العربية تموت في بلاد العرب وتحيا هنا” د. محمد المحروقي. (مقالة منشورة على الإنترنت).
3. “العلاقة العمانية القمرية”: محاضرة بمكتبة الندوة العامة ببهلاء، الكاتب والمؤرخ القمري: هاشم محمد علي بن أدهم. (مقالة منشورة على الإنترنت).
4. “عمانيون يتتبعون آثار أجدادهم في جزر القمر” د. محمد المحروقي ـ رئيس الوفد العماني الزائر لجزر القمر. (مقالة منشورة على الإنترنت).
5. “حسن شولي: الشعراء في جزر القمر لا يتجاوزون العشرة” الصحيفة الثقافية الفكرية (The What) الصادرة عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.

• ورقة بحث مقدمة للمؤتمر الدولي الخامس لهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية العمانية الذي اقامته هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية في جزر القمر خلال الفترة من 6 وحتى 8 ديسمبر 2016م

إلى الأعلى