الأربعاء 18 سبتمبر 2019 م - ١٨ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / أشرعة / الباحث والناقد خالد التوزاني يتحدث لـ “أشرعة”

الباحث والناقد خالد التوزاني يتحدث لـ “أشرعة”

- الفائز بجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي للعام 2016
- لرحلة الصوفية هي انتقال من حضيض الرغبات والأهواء إلى مدارج التكمّل بالإيمان والتجمّل بفضائل الأخلاق العجيب ظاهرة تتجاوز ما هو أدبي إلى ماهو نفسي واجتماعي وتتأثر باللغة والثقافة والفكر

حاوره ـ وحيد تاجا :
يؤكد الباحث والناقد المغربي الدكتور خالد التوزاني أن العجيب ظاهرة تتجاوز ما هو أدبي إلى ماهو نفسي واجتماعي، وتتأثر باللغة والثقافة والفكر.. وكل ما له صلة بالقارئ في تفاعله مع العجيب. ويضيف “التوزاني”، الحائز على جائزة ابن بطوطة لعام 2016 ، في حواره مع ” أشرعة ” : انه إذا كان هدف العجيب في الأدب عموما هو فضح الواقع وتعرية المعاني المختفية في شقوقه وتخومه، فإنه في نموذج أدب الرحلات محاولة لتغيير لذلك الواقع من خلال اقتراح حلول بديلة تعيد التوازن المفقود.
الباحث والناقد المغربي الدكتور خالد التوزاني، من مواليد فاس سنة 1979. له جملة من المؤلفات المنشورة منها، كتاب ” الرحلة وفتنة العجيب بين الكتابة والتلقي” الحائز على جائزة ابن بطوطة عام 2016. و “أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية”، وكتاب “جماليات العجيب في الكتابات الصوفية” وكتاب “التراث المغربي: التحديات والأبعاد التنموية” وله عدة مقالات منشورة في مجلات علمية محكمة، كما حصل على جوائز في النقد الأدبي منها: جائزة أحمد مفدي للدراسات النقدية بالمغرب، وجائزة الاستحقاق العلمي من مؤسسة ناجي نعمان العالمية للأدب بلبنان..

*لعل العنوان كـ ” عتبة وكنص موازٍ ” هو أول ما يلفت النظر في جميع إصداراتك (جماليات العجيب في الكتابات الصوفية. أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية. الرحلة وفتنة العجيب بين الكتابة والتلقي.. ) فما هو مفهومك للعجيب..وما الذي يجعل من نص ما نصا عجيبا؟ هل الكاتب هو من يحكم على نصه بالعجب أم المتلقي؟

لا شك أن العجيب في كل وقت يحظى بإقبال القراء ويثير عددا من التساؤلات، تبدأ باستنطاق خبايا هذا المفهوم، فالعجيب كما عرّفته في كتابي “أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية” يدل على حالة نفسية مظهرها الحيرة والاستفهام، تنتاب المتلقي أمام شيء غير مألوف لديه ولا معتاد عنده، قد خفيت أسبابه أو كيفية تأثيره. كما يحمل معنى استحسان الشيء أو استعظامه، ويؤدي التفاعل معه، تأملا وتأويلا.. ثم قبولا أو رفضا، إلى نتائج على مستوى وجدان المتلقي وسلوكه، من أبرزها تحقيق الإمتاع إلى جانب المؤانسة وتحصيل المعرفة، ولا يزول مفعول العجيب إلا بطول الأنس والمشاهدة، أما معرفة السبب فقد تكون بابا لمزيد من العَجب وبعض من القلق الذي يوّلد فضول العلم، ويرفع وتيرة عمل العقل والوجدان، بحثا عن مخرج من حالة الحيرة؛ الحيرة اللذيذة التي تقود إلى أنوار القرب من الحق وهي رسالة العجيب في الثقافة العربية الإسلامية.
وتبعا لهذا المفهوم فإن ما يجعل من نص ما نصا عجيبا هو المتلقي الذي يقف أمام الظاهرة الخارقة للعادة متعجبا ومستغربا، وبذلك يظل العجيب خاضعا لرؤية المتلقي ونظرته، ما دامت دلالات هذا المفهوم مرتبطة بردود أفعال الشخصية المتعجبة: استحسانا أو استنكارا، الشيء الذي لا يحدث إلا تبعا لعوامل نفسية وذاتية ترتبط بالذات المتفاعلة مع الموضوع أكثر من وجود “معنى مستقل” خارج عن الذات، وهو ما يفرض على الباحث أن يضع “نسبية العجيب” نصب عينيه عند أي تحليل أو مقاربة للنص العجيب، وبذلك، يمكن القول إن العجيب ظاهرة تتجاوز ما هو أدبي إلى ماهو نفسي واجتماعي، وتتأثر باللغة والثقافة والفكر.. وكل ما له صلة بالقارئ في تفاعله مع العجيب.

*ولكننا لاحظنا انك تبنيت في (أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية.) مصطلحا جديدا أسميته ” أدب العجيب” ..فما هي مقومات هذا ” الأدب” .. وأين هو من مصطلحات مثل العجائبي والفانتاستيك ..؟

إذا كان الأدب لا يحيا إلا داخل ما تسميه اللغة اليومية، من جهتها بالتناقضات، فإن اقتحام ما هو عجيب وغريب للأدب سيزيد الإبداع الأدبي قوة وجمالا وتشويقا. وهكذا، يصبح “أدب العجيب” ذلك النمط الإبداعي الذي يتخذ من كل خارق للعادة والمألوف موضوعا له، ويبحث في الغريب والغامض والمجهول والنادر..، بغية إدهاش المتلقي وإرباكه ودفعه للتأمل وإعمال ملكاته العقلية والذوقية في التفاعل مع هذا الخارق والمدهش.
أما لفظ “العجائبي” فهو ترجمة لمصطلح غربي وافد على الثقافة العربية من الآداب العالمية، هو(fantastique = الفانتاستيك)، حيث يحيل هذا المصطلح على اتجاه نقدي في الأدب الغربي، ينصب اهتمامه على تحليل نوع من النصوص الأدبية التي تتخذ من كل عجيب وغريب مادة خام في بناء ذاتها وتشكيل فسيفسائها، ولذلك فإن لفظ “الفانتاستيك” أو “العجائبي” بوصفه جنسا أدبيا أو تقنية في الكتابة، أنتجته ظروف تاريخية وقيم ثقافية غريبة عن واقع الإنسان العربي وتاريخه،إلى درجة يمكن القول معها بانعدام الفانتاستيك في التراث العربي، فأدب العجيب بالمفهوم الغربي غير موجود في الإنتاج الأدبي العربي القديم، لأن طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان العربي مختلفة تماما عن مواصفات مجتمع الإنسان الغربي وظروفه الاجتماعية والنفسية، فالأول لم يختر العزلة والانفراد عن الخلق بعيدا في الصحراء أو الجبال بل أُجبر عليها بفعل نمط حياته القائم على الترحال وكثرة الأسفار والتنقلات في الصحاري والفيافي وساحات الحروب والأزمات، فهو دائم البحث عن الماء أو الكلأ أو الحبيبة، وفي بحثه عن ذلك يحاور الصحراء ويحدث نفسه ويخاطب ما يتراءى له على أنه سعلاة وغول وجن وشيطان.. أما الثاني فإنه قد اختار الانعزال والانفراد طواعية، فأصبح خائفا، فاقدا الثقة من نفسه في نفسه وفي غيره. كما أن الإنسان العربي لم يعش ذلك الصراع بين الدين والعلم الذي عاشه الإنسان الغربي، بل كان الدين الإسلامي كثيرا ما يلح على استعمال العقل وتدبر الكون وتأمل الذات والوجود وطلب العلم واكتشاف آفاق من المعرفة والإدراك، إلى حد اعتبار طلب العلم فريضة وواجبا لا ينبغي تركه، بخلاف تعاليم المسيحية التي اصطدمت مع تحرر العقل الغربي في حقبة النهوض العلمي والفلسفي وكانت حجرة عثرة أمام اكتشافات بعض العلوم مثل علم الفلك والفيزياء مما جعل الإنسان الغربي يثور على الكنيسة ويرفض الدين ليطالب بالعلمانية والتحرر من كل القيود. فمن الطبيعي إذاً أن تختلف رؤية الإنسان العربي للعجيب عن رؤية الإنسان الغربي، ولذلك فقد اقترحتُ مصطلح “أدب العجيب” بديلا لمصطلحات الفانتاستيك والعجائبي والخوارقي وغيرها.

*أيضا ، قدمت في كتابك الأخير(الرحلة وفتنة العجيب بين الكتابة والتلقي) تعريفا مغايرا وجديدا لمفهوم الرحلة .. حيث اعتبرت “الرحلة انتقالا من حضيض الرغبات والأهواء، إلى مدارج علوية من الجهاد الروحي والفكري والحضاري” ..هل يمكن إيضاح الفكرة ..؟

تناولتُ في كتابي: “الرحلة وفتنة العجيب بين الكتابة والتلقي” أنواعا كثيرة من الرحلات حسب هدف كل نوع وخصوصياته، ومن أبرزها رحلات الصوفية، حيث الرحلة انتقال من حضيض الرغبات والأهواء إلى مدارج التكمّل بالإيمان والتجمّل بفضائل الأخلاق، ولا يتحقق ذلك إلا بجهاد روحي وفكري وحضاري ترتقي من خلاله النفس البشرية وتسمو، ولذلك لم يكن غريبا، أن يجمع المتصوف في رحلاته بين سفر القلوب ورحلة الأبدان، وخاصة في نمط من الرحلات عُرفت بالرحلات الحجازية، فيحقق الرحالة نوعا من الكمال في سفره المقدس؛ ذلك أن الرحلة عند الصوفية، وإن كانت سفرا محسوسا في بعض الأحيان، إلا أن الصوفي يجعل منها رحلة في منازل العبادة والتمكين، فيرتقي مع تقدمه في المسالك الحسية والمعنوية، ويطوي كل مسافة بينه وبين الحق، كما يقول ابن عجيبة الحسني: “لا مسافة بينك وبينه، حتى تطويها رحلتك، ولا قطعة بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك”، وهو ما يُبين أهمية الرحلة ولزومها عند من اشتغل بعلوم الحقائق.
ولذلك من الطبيعي أن يحفل منجز رحلات المتصوفة بالعجيب، إذ ليس هناك ما هو أعجب من مخالفة هوى النفوس وكسر مألوفها وإلزامها الاستقامة على الطريقة المثلى، وتبقى مظاهر العجيب الأخرى تابعة لهذا الأصل، فعين الرحالة المتصوف، لا تشاهد إلا ما يرفع همتها في السلوك، ويزيدها يقينا في صواب وجهة المسير، ولذلك، فهو يتعجب من أمور قد تبدو عادية عند بعض الناس، فيلتقط الإشارات التي يُبصر من خلالها ما لا يشاهده غيره، وإذا أراد البوح بما أبصر فلغة العبارة المألوفة قد لا تطاوعه، ليفرَّ إلى لغة الإشارة والرمز، لعل اللبيب يفهم فيلزم أو يذق فيعرف، فتصير الرحلة ترقيا وارتقاء، ثم جُودا بالأشواق والحقائق لينتفع بها القارئ.

*في ذات الاتجاه نراك تسعى لترسيخ مفهوم آخر لأدب الرحلات حيث تقول ” إذا كان هدف العجيب في الأدب عموما يعمل على فضح الواقع وتعرية المعاني المختفية في شقوقه وتخومه، فإنه في أدب الرحلات محاولة لتغيير ذلك الواقع..” كيف ذلك.. وما هو مفهومك لأدب الرحلات..؟
إن وظيفة العجيب في أدب الرحلات تتجاوز ما هو مألوف في “الأدب العجيب”؛ فإذا كانت العناصر العجائبية داخل النصوص السردية تفزع المتلقي وتثير انفعاله أو تذكي فضوله، لأنها رؤية مغايرة للأشياء تهز كيان القارئ، فهي في أدب الرحلات ذات أبعاد تربوية ومعرفية وعرفانية خادمة لسمو الإنسان وجماله الخُلقي وبنائه النفسي المتوازن، وهي إظهار لقدرة الله رغما على أنوف المتكبرين، وهي بشارة لقلوب السالكين وأنسا لقلوب الواصلين. وإذا كان هدف العجيب في الأدب عموما هو فضح الواقع وتعرية المعاني المختفية في شقوقه وتخومه، واستدراج الظواهر المهملة في الزوايا إلى الحديث عن نفسها، فإنه في نموذج أدب الرحلات محاولة لتغيير لذلك الواقع من خلال اقتراح حلول بديلة تعيد التوازن المفقود، وتعين المرء على تجديد حياته وصناعة واقع مغاير ينسجم مع تطلعاته وأحلامه في قوة التمكين وامتلاك مصيره، انسجاما مع ضرورة الهجرة والرحيل من مكان الاستضعاف إلى مواطن القوة والتمكين، كما جاء في قوله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا” (سورة: النساء، الآية: 97). لتشكّل الرحلة بذلك بوابة للتغيير الإيجابي، عبر تحويل العجيب إلى مألوف، والمستحيل إلى ممكن، ولذلك لم يرتق من لم يرحل ولم يتطور من لم يذق عجيب المشاهدات.

* قاربت في كتابك أشهر الرحلات العربية العجيبة التي يحفل بها التراث العربي. ما “العجيب”الذي استوقفك في أشهر هذه الرحلات.. وأين “العجيب” في أدب الرحلات اليوم في عالمنا العربي .. ؟
حاولتُ في كتابي “الرحلة وفتنة العجيب” تقديم قراءة لعجيب أشهر الرحلات العربية وكشف جمالياتها وأبعادها والآفاق التي تفتحها تلك الرحلات، حيث استوقفني حضور “العجيب” الذي احتل بؤرة اهتمام كل الرحالين، ومارس فتنته على الرحالة والمتلقي معاً، وأسهم في بناء النص الرحلي بناء مغايرا لنصوص باقي الأجناس الأدبية الأخرى، حيث شكَّل بؤرة للجمال وموطنا للفكر الخلاق الذي ينظر إلى المواقف والأحداث والمشاهد نظرة الطفل الذي يراها لأول مرة فيندهش أمام التفاصيل ويطيل النظر في الجزئيات وقد يبالغ في الوصف ويطيل الحديث في ذكر مشاعره تجاه ما يراه، ليبني الرحالة بهذا المنهج نصا عجيبا وجميلا ينهل من عجائب الكون وغرائب الموجودات ما يؤسس بهِ تفرده وريادتهِ ضمن فنون القول وأجناس الأدب.
وبالنسبة للعجيب في أدب الرحلات اليوم في عالمنا العربي المعاصر، فقد انطبع بسمات عصرنا، وشكّل بوابة حوار الثقافات والحضارات بامتياز ومجالا خصبا للتقارب الإنساني والتعارف دخل نوع من احترام للخصوصيات وإدراك للاختلافات ومراعاة لاختيارات الإنسان مهما كانت غريبة وعجيبة.

*تعرضت بعمق إلى الرحلات الصوفية ..وتوقفت مطولا عند الرحلة العياشية المسماة “ماء الموائد” لأبي سالم العياشي، والذي خصصت له كتابا خاصا (جماليات العجيب في الكتابات الصوفية)، والسؤال ما الذي يميز الرحلة الصوفية عن غيرها من الرحلات..وما هي أشهر هذه الرحلات ..؟
إن ما يميّز الرحلة عند المتصوفة هي نظرتهم للسفر وللتجوال في الأرض، حيث يقول عبد الكريم الجيلي: “فهذا سفر أسفر عن محياه، وأظهر ما منحه مولاه، فإذا تحقق الإنسان بهذه الحقائق، واستحضر هذه الطرائق، سافر من معدنه إلى نباته، إلى حيوانيته، إلى إنسانيته، إلى نفسه، إلى عقله، إلى روحه، إلى سره، إلى حقيقة حقيقته وكليته المطلقة”، حيث يشير إلى تفاصيل رحلة الإنسان في مسيرته السلوكية إلى الله، ومعراجه إلى معرفته والتفاني في حبه، فيخرج الإنسان من ضيق النفس إلى فضاء الروح، قبل أن يصل إلى عالم الحقائق، ويدرك حقيقة الحقائق، حيث لا حدود لفوائد هذا النوع من الرحلات، الذي تكون النفس مسالكه وممالكه، ويكون القلب مسافرا فيها، أي منتقلا من مقام إلى مقام. وهكذا، فالرحلة عند المتصوفة أو رحلة القلوب، نوع من “الانتقال عن المقامات، والإنزال في أخرى، كالانتقال من مقام الإسلام إلى الإيمان، ثم من مقام الإيمان إلى الإحسان”، ويقتضي ذلك قطع كل العلائق، والخروج عن الشهوات والعوائد، حيث “لا يتحقق السفر ويظهر السير إلا بمحاربة النفوس، ومخالفتها في عوائدها، وقبيح مألوفاتها وشهواتها”، وحسب همة السالك يكون نوع السفر الذي يطيقه قلبه، وتقدر عليه جوارحه، وقد لَخَّصَ ابن عجيبة أنواع سفر القلوب إلى حضرة علام الغيوب في الانتقال من أربعة مواطن إلى أربعة أخرى، “حيث يسافر أولاً: من موطن الذنوب والغفلة، إلى موطن التوبة واليقظة، ويسافر ثانيا: من موطن الحرص على الدنيا والانكباب عليها، إلى موطن الزهد فيها والغيبة عنها، ويسافر ثالثا: من موطن مساوئ النفوس وعيوب القلوب، إلى موطن التخلية منها والتحلية بأضدادها، ويسافر رابعا: من عالم الملك، إلى شهود عالم الملكوت، ثم إلى شهود الجبروت، أو من عالم الحس إلى عالم المعنى، أو من عالم الأشباح إلى شهود عالم الأرواح، أو من شهود الكون إلى شهود المكوّن”، وبذلك ندرك المهمة الجسيمة التي على السالك إنجازها، وهي بلوغ حضرة الحق، وما تتطلبه هذه الغاية من سير متواصل وجهد مستمر، قد يفوق ما تتحمله أجساد الرحالة أثناء السفر المحسوس، لكن المتصوف قد يجمع في أسفاره بين سفر القلوب ورحلة الأبدان، فيحقق نوعا من الكمال في رحلاته التي تختلف عن رحلات غيره من الناس، ويستمر في الانتقال حتى “يصير سفره وحضره على السوية”.
إن رحلات الصوفية لم تكن “للتنزه في البلدان، أو لكروب الأوطان، بل في رضى الرحمن، لأن مقاصدهم دائرة على الجد والتحقيق والمناقشة والتدقيق، لا ينقلون أقدامهم إلا حيث يرجون رضى الله، ولا يسافرون بقلوبهم إلا إلى حضرة القريب المجيب، بخلاف العامة: أنفسهم غالبة عليهم، وشهواتهم حاكمة عليهم، إن تحركوا للطاعة خوضتها عليهم، فأفسدت عليهم نياتهم، وأزعجتهم في هوى أنفسهم، تُظهر لهم الطاعة وتُخفي لهم الخديعة”، وذلك لأن مدار السفر، على “مجاهدة النفوس ومحاربتها في ردها عن عوائدها ومألوفاتها”، ومن عَجَز عن ذلك، لم يكن مسافرا بالقلب، وإنْ انتقل بالبدن. وهكذا، تنبه الصوفية للمعاني الخفية في الرحلات، فعملوا على تسخيرها في خدمة السلوك العرفاني.
ومن أشهر الرحلات التي قام بها المتصوفة نذكر رحلة ماء الموائد لأبي سالم العياشي، وأيضا رحلة “خطرة الطيف ورحلة الشتاء والصيف” للسان الدين ابن الخطيب، وله أيضا: “نُفاضة الجراب في علالة الاغتراب”، وكذلك رحلة “الشهاب إلى لقاء الأحباب” لأحمد بن قاسم الحجري المشهور بأفوقاي الأندلسي، ورحلة “عذراء الوسائل وهودج الرسائل في مرج الأرج ونفحة الفرج إلى سادة مصر وقادة العصر” لابن أبي محلي العباسي، وتسمى أيضا: “إصليت الخريت في قطع بلعوم العفريت النفريت”، وغير ذلك من الرحلات التي تحدثت عنها في كتابي: “الرحلة وفتنة العجيب بين الكتابة والتلقي”.

*لفتني إشارة أحد النقاد إلى أن أهم صعوبة واجهتك أثناء تناول النص الصوفي هي: وسم بعض النصوص الصوفية بـ”العجيب”، لأن الأمر لم يكن يخلو من مجازفة، وقد يحمل في طياته رؤية مسبقة، أو أحكاما قبلية. وسؤالي هل استطعت فعلا تجاوز مأزق هذه القراءة التصنيفية.. وكيف..؟
بالطبع إن وصف بعض النصوص بأنها “عجيبة”، إجراءٌ لا يخلو من مجازفة، وقد يحمل في طياته تمثلا مسبقا حول النص، أو أحكاما قبلية، تعكس رؤية نمط معين من التلقي؛ فالقارئ، أي قارئ، يقف من النص موقفا خاصا، تحدد معالمه نوع ثقافته وطبيعة رؤيته، فيُصَدِّق عجائب النص ويُسَلِّم بها، أو يلجأ إلى تأويلها تأويلات شتى أو يرفضها، ومن هنا تختلف زوايا النظر ومناهج القراءة وأنماط التأويل، مع أن النص قد يسهم في منح هذه الإمكانية أو تلك في القراءة بما يوفره من قدرة على التأثير والإقناع والسطو، وبما يتضمنه من قرائن نصية وتناصية.
ولتجاوز مأزق القراءة التصنيفية، عملتُ على ضبط مفهوم “العجيب” وتمييزه عن مفاهيم أخرى مجاورة مثل مفهوم “العجائبي” و”الغرائبي” و”الفانتاستيك”، وقد اقتضت هذه العملية التنظيرية تأليف كتاب مستقل أسميته “أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية” وذلك بغية تعميق رؤيتي للموضوع،من خلال تتبع السياق العام الباعث على الاهتمام بظاهرة العجيب في الأدب، ورصد مناطق نفوذه وسطوته في الإبداع العربي، وخاصة في الكتابات الصوفية وفي أدب الرحلات.

*انطلاقا من كونك باحثا في التصوف الإسلامي. يلاحظ وجود عودة في العالم العربي لإحياء التراث الصوفي وإعادة استخدام مفرداته ومصطلحاته في الرواية أو في الشعر .. ما رأيك.. وما الذي تمثله هذه العودة..؟
من الواضح أن هناك عودة في العالم العربي لإحياء التراث الصوفي؛ فمن خلال تتبع الإصدارات الجديدة لا يحتاج المرء لكبير عناء كي يلحظ كثرة المؤلفات التي اتخذت من التصوف موضوعا لها، كما أن كثيرا من المجلات العلمية اهتمت بنشر مقالات عن التصوف، وهناك دوريات خصّصت بعض أعدادها لبحث قضايا في التصوف وعلاقاته بحقول معرفية متباينة ورصد امتداداته الممكنة وتجلياته في الإبداع الأدبي سواء في الشعر أو الرواية وغيرهما، إلى جانب مناقشة التصوف في ندوات ومؤتمرات علمية عربية وأجنبية يحضرها باحثون متخصصون في التصوف من كل بقاع العالم فيتدارسون تاريخه وإشكالاته وآفاق توظيفه في السياق المعاصر، وقد ولج التصوف الإعلام أيضا فنجده حاضرا في بعض القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية من خلال برامج خاصة تسلط الضوء على جوانب من التجربة الصوفية، فضلا عن الصحافة الورقية والإلكترونية، كل ذلك يعكس العودة القوية للتصوف ليكتسح الساحة الثقافية المعاصرة، ويضاف إلى ذلك أيضا ترميم كثير من المؤسسات الصوفية وخاصة بعض الزوايا والأضرحة والمدارس والمساجد التاريخية التي لعب فيها التصوف دورا رياديا، وكذلك اقتحام التصوف للدراسات الجامعية العليا سواء في مواضيع للدكتوراه أو من خلال فتح وحدات بحث متخصصة في التصوف فكرا وإبداعا، وكذلك إعلان بعض الشخصيات المشهورة في المجتمع عن انتمائها الصوفي أو تعاطفها مع طريقة معينة، وغير ذلك من مظاهر انتعاش التصوف في وقتنا الحاضر والتي تفرض ضرورة تعميق البحث في الظاهرة الصوفية ووضعها تحت مجهر الفحص والتأمل والتحليل من أجل الكشف عن الجوانب الخفية في التصوف ووضع اليد على مواطن القوة والتميز فيه، والتي يمكن أن تخدم تكوين الإنسان العربي المعاصر، وتمده بآليات الاندماج الحضاري الفاعل في عالم الألفية الثالثة بكل ثقة واطمئنان بعيدا عن الانحرافات والشبهات التي قد تعطل مسار النهضة العربية وتعيق الإنتاج العربي في الفكر والصناعة والعمل، وكذلك لا بد من تناول التصوف الإسلامي مدارسة وممارسة بعيدا عن كل المزايدات السياسية والخلفيات الإيديولوجية الضيقة، فيكون الإنسان في جماله وكماله المنطَلَق والموئل ويكون الفناء في المحبة الإلهية غاية سامية تُشَدُّ إليها الرحال وتبذل النفوس في سبيلها كل غال ونفيس، وبالمناسبة فسيصدر لي كتاب قادم يحمل عنوان: “التصوف الإسلامي؛ نحو رؤية وسطية”.
وأمام هذا الحضور القوي للتراث الصوفي في السياق المعاصر، فقد تأثر الإبداع الأدبي بذلك، فنلحظ توظيف مصطلحات صوفية في الشعر أو الرواية، ويدل هذا على محاولة الأدباء التصالح مع التراث العربي والعودة إلى منابع التجديد فيه لإبداع نصوص جديدة مستمدة من روح الأصالة العربية في طابعها العرفاني المتميّز، بدل اقتباس مصطلحات غربية لا تزيد النص العربي إلا غربةً واستلابا وضياعا. وهكذا فإن التراث الصوفي يمكن أن يسهم في تجديد رؤية الإبداع العربي ومدّه بطاقات خلاقة مغايرة للمألوف.

إلى الأعلى