الخميس 21 نوفمبر 2019 م - ٢٤ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / أين جيلنا وأين جيلهم !

أين جيلنا وأين جيلهم !

زهير ماجد

باختصار

زهير ماجد
لماذا نعاند في زمن هو ليس زمننا، ولماذا نريد ان نصنع من عمرنا المهني المخضرم والعتيق في ادائه رقما مضاء في سماء تجارب اجيال جديدة حصرت اداءها في معطى واضح فارتاحت إليه تماما .. ثم هي تمركزت في فكرة الموجود بين يديها ولم تتفان من اجل فكرة ستتحقق في الغد، في حين تبعثر جيلنا بين السياسة وبين الأحزاب، عاش عمره على افكار وما زال مرهونا إليها. وكلما كان يمر عام، كانت الأشكال قائمة تتكرر في حياته، لكننا لم نملها، وكيف يتخلى المرء عن عقل محشو بصور ومعطيات ازمنة، وكيف يتخلص من هذا القديم الذي تعتق في البال.
لكن عصرنا لم يكن في يومياته مستوعبات دماء كما يجري اليوم .. يندر في ايامنا ان يمر يوم أو ساعة الا وهنالك قتلى وجرحى ومصابين وازمات تزيد ومشاكل لا حد لها وعالم يصرخ فلا يسمع سوى صراخه لأن المجيب مشغول بأنينه ايضا. بالأمس افقنا وفي غمرة افراح العالم بالعام الجديد على شلال دم في تركيا، وقد يتبعه شلال وشلال في امكنة اخرى .. الإرهاب لا يهادن، ولا يعرف معنى لسنة جديدة أو قديمة، الأمر بالنسبة إليه سيان لأن عقله تم توضيبه بما يتناسب مع كل اللحظات التي عليه ان يخدم فيها فكرته الإرهابية.
عالمنا كان فيه بعض التسامح، اما العالم الحالي فموغل في فوضاه وفي لغته التي تهدم .. كنا نتقاتل بالأفكار فلا نرى سوى دماء فكرة لكثرة ما جرحناها، اما عالم الجيل الحالي ، فمشدود الأعصاب من هول ما يرى وما يسمع من تجاوزات انسانية، دون ان يتناهى إلى سمعه ولو فكرة من اولئك القتلة الذين غيروا عالمنا، فصرنا نحن الأقدمين وكل ما هو جيل متجدد امام خوف إذا ما صار مزمنا فستكون له عواقبه، المجتمع لا يتحمل تجمد الخوف زمنا طويلا.
كنا ننام ليلة رأس السنة الميلادية على ما كان كي نصحو على آمال ما سوف يصير .. ومع ان العالم ايضا كان معقدا، لكن تعقيده كان مريحا وليس مخيفا طالما ان المجتمعات تعيش راحة بالها وليس ما ينغص عيشها. ثم ان الصراع الذي كنا نسميه بالحرب الباردة كنا نراه دون ان نشعر تأثيره الا في امكنة محددة، اما اليوم فالعالم كله يرتجف، يكاد ان يكون مصابه واحدا، ومن المؤسف انه لا يعرف من يواجه وكيف يواجه، والأصعب انه يستحيل عليه ان يقرأ ادمغة الناس ليعرف من فيهم الإرهابي وما هي مخططاته، لذللك تكون المفاجأة حين تقع المشكلة المباغتة.
هنالك حنين جارف لذاك الزمن البعيد الذي كان فيه استقرار عالم ولو في ظل صراعات ايديولوجيات يبحث كل منها عن امكنة ليفرخ فيها، حتى وصل الأمر برئيس لبناني هو سليمان فرنجية الجد، بإعلانه فور فوزه برئاسة الجمهورية في مطلع السبعينات من القرن الماضي ان الناس سوف تنام وابواب بيوتهم مفتوحة.
يا لها من ورطة نعيشها، وإلى اين يذهب احدنا خوفا من المشاهد التي لاشك انها ستشبه عملية اسطنبول امس بعدد قتلاها وجرحاها وما خلفته في نفوس من بقي حيا والشعب كله ايضا. ليس من خلاص لأن من يرعى الارهاب ما زال يمده بالحياة، وهو اذا اصابه، ولسوف يصيب ممولين وداعمين آخرين، سيظل يقدم له الاستمرار ولو على حسابه لأنه مأمور اولا، وصاحب فكرة تدمير الآخر يحتاج للخلاص منها زمنا وقد لا يفعلها.

إلى الأعلى