Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

أبعاد: فكرة دمج الجامعات الوطنية.. هل ترى النّور؟

ماذا يعني لك أن تحصل على منحة دراسية للالتحاق بإحدى الجامعات الغربيّة؟ بلا شك أنّك ستقبل بهذه الفرصة ضارباً بكل شيء عرض الحائط لأجل الحصول على تلك الشهادة التي ستظل تُفاخر بها أمام الجميع. اسأل أي شاب طموح، بل اسأل أي طفل تلقّى تعليمه في إحدى (المدارس الخاصة) تحديداً، سيقول لك لندن أو أميركا، هو بالكاد يُفرّق بين البلدين أو الثقافتين لكنّهُ يدرك تماماً أنّ هناك شيئاً مميزاً، لا يتوفّر في بلده. أمّا هُنا فالمدارس هي المدارس، والتعليم هو التعليم.. وهذه الثقافة لا تزال تُغرس في أجيالنا بشكل أو بآخر، عن طريق الأسرة، المدرسة، المُجتمع.. الخ.

وأنا أتصفّح المواقع الإلكترونية للجامعات العربية الشهيرة وأقرأ القوائم الطويلة للجامعات المُوصى بالدراسة فيها من قِبل بعض مؤسسات التعليم العالي العربية، وأبدأ العدّ من 1 إلى 400 وربّما أكثر ولا أكاد أجدُ بين القوائم الطويلة جامعة عربية.. هذه حقيقة.. ولكنّها مؤلمة!

انتقلتُ بالمؤشّر لأُطالع التصنيف السنوي للجامعات العالمية على موقع جامعة شانغهاي، إحدى أشهر المؤسسات التعليمية العالمية التي تستخدم المعايير الكميّة والنوعية الدقيقة لتصنيف الجامعات على مستوى العالم، وخلافا لما كان عليه في السابق عندما كانت تُصنّف الجامعات بحسب سمعتها التاريخيّة وعراقتها.

ولا يكاد يختلف اثنان على أهمية الجامعات في رفد سوق العمل والاقتصاد وتحقيق التنمية الشاملة في جميع المجالات. ولكن وفي ذات الوقت لا يزال التساؤل قائما حول جودة التعليم في ظل تزايد أعداد الجامعات في العالم بشكل عام والدول العربية بشكلِ خاص، ومدى انعكاس ذلك على التنمية والاقتصاد.

وذلك يقودنا إلى تساؤل آخر: ما هي الآثار المترتبة على اندماج الجامعات؟ وهل من الممكن أن يؤّدي ذلك لتنمية الموارد المادّية والبشرية بفاعليّة أكبر؟

استشهد البروفيسور جميل سالمي – الذي شغل عدّة مناصب بالبنك الدولي، ويُعدّ كذلك أحد أبرز الخبراء في اقتصاديات التعليم- في كتابه الشهير (تحدّي إنشاء جامعات عالمية متميّزة) بجامعتي ماليزيا وسنغافورة كإحدى التجارب الناجحة في اندماج الجامعات. فقبل الاستقلال كانت سنغافورة جزءا من ماليزيا، وكان هناك فرعان لجامعة ماليزيا، الأول في ماليزيا والثاني في سنغافورة. وبعد استقلال سنغافورة عن ماليزيا اندمجت جامعة سنغافورة مع جامعة ناينيانغ لتصبح باسم (جامعة سنغافورة الوطنية)، والتي أصبحت ضمن أفضل وأميز الجامعات العالمية، وصُنّفت في المرتبة 19 عالميا بحسب تصنيف موقع ثيس الشهير في العام 2008. بينما جاء ترتيب جامعة ماليزيا في المرتبة 192 في ذات القائمة.
وهناك العديد من الأسباب التي أدّت إلى تفوّق جامعة سنغافورة الوطنية على جامعة ماليزيا، وربّما يكون أحد أبرز الأسباب هي السياسات التعليمية الفاعلة البعيدة كل البعد عن التمييز بين فئة وأخرى، حيثُ تندمج الطّاقات والمواهب والكفاءات تحت سقفٍ واحد وفي بيئة علميّة تتسم بالمرونة والإبداع. هذا التمازج الفريد بين الثقافات المختلفة في بلد صغير مثل سنغافورة كانت نتائجه عظيمة في فترة زمنية لم تتجاوز نصف قرن.
في أوروبا وحدها ومنذُ بداية القرن الحالي هناك أكثر من 100 حالة اندماج شملت العديد من المؤسسات التعليميّة في أكثر من 47 بلداً بحسب رابطة الجامعات الأوروبية. هذه الوتيرة المتسارعة لاندماج الجامعات لها أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية عديدة. كالمزيد من النفوذ والسمعة العالمية والحد من الازدواجية الإدارية وتضارب المصالح وغيرها. هذه بعض الأمثلة والنماذج البسيطة وهناك بلا شك العديد من التجارب الناجحة على المستوى العالمي.

يبقى الأمل قائما، وإمكانية التغيير واردة متى ما آمنا بقدراتنا ومواردنا البشرية ووجهناها في مسارها الصحيح. فالتعليم يتطلب الكثير من الجهود والتضحيات، فنحن أمام أمانة عظيمة تُحتّم علينا أن نعمل للمصلحة العامة بإخلاص وإتقان ومصداقية!

عبدالعزيز بن محمد الروشدي
جامعة السلطان قابوس
Abdulazizalroshdi88@gmail.com


تاريخ النشر: 3 يناير,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/163775

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014