السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ماركيز

ماركيز

على المستوى الذاتي وشديد الخصوصية أشعر مع رحيل الكاتب الكولومبي الكبير جارثيا ماركيز يوم 17 أبريل بفقدان رافد سخي وكريم غذى وجداني بجماليات في الحكي ندر أن تمتعت بمذاق شبيه لمذاقها في أعمال غيره من كبار البنائين شرقا وغربا، أهي الواقعية السحرية التي بانت باقتدار في عمله الأعظم “مئة عام من العزلة”؟ والتي خلبت لبي وعشرات الملايين من المتلقين حول العالم ؟
وحكايتي كقارئ مع ماركيز بدأت متأخرا وبهذه الرواية، رواية مائة عام من العزلة، وكما نشر فالمحطة الأولى في رحلة ماركيز مع الحكي كانت عام 1947 حين نشر قصته الأولى “الإذعان الثالث” في صحيفة الإسبكتادور، لكن العالم لم يعرفه إلا من خلال رائعته “مائة عام من العزلة” التي نشرت في يونيو عام 1967.
وفي الأسبوع الأول بِيع ثمانية آلاف نسخة من الرواية، وفي كل أسبوع تصدر طبعة جديدة من الرواية التي ترجمت لأكثر من عشرين لغة، حتى بلغ حجم المبيعات عبر قارات العالم خلال ثلاث سنوات نصف مليون نسخة.
واعتبرت الرواية أفضل عمل أجنبي في فرنسا، واختيرت ضمن أفضل اثني عشر كتابا في الولايات المتحدة الأميركية ، وأصبح ماركيز أحد أشهر كتاب أميركا اللاتينية في العالم ، وفي عام 1971 قام ماريو بارغاس يوسا بنشر كتاب عن حياة ماركيز ، ومع هذا النجاح المستحق الذي حققه الكاتب الكولومبي بفضل مائة عام من العزلة انتقل للعيش وأسرته في أسبانيا ، وفي عام 1982 منحته الأكاديمية الملكية في استوكهولم جائزة نوبل في الأدب ، وأيضا كانت مائة عام من العزلة في مركز اهتمام أعضاء لجنة نوبل ، حين قرروا منح الجائزة لماركيز.
وفي عام 2007 أصدرت كل من الأكاديمية الملكية الإسبانية ورابطة أكاديميات اللغة الإسبانية طبعة شعبية تذكارية من الرواية، باعتبارها جزءًا من الكلاسيكيات العظيمة الناطقة بالإسبانية في كل العصور. وتمت مراجعة وتنقيح النص من قبل ماركيز شخصيًا.
لكني كقارئ لم أبدأ في التماس ، فالتوحد مع عالم ماركيز إلا في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، في ذلك الوقت كانت “مائة عام من العزلة” تتداول بين أيدي النخبة المثقفة في سلطنة عمان التي كنت أشرف بالإقامة فيها ذلك الحين كمدير تحرير مجلة الأسرة ، وربما كان الشاعر محمد الحارثي من أعارني الرواية هي وكتاب “لعبة الأمم” لمؤلفه عميل المخابرات المركزية الشهير مايلز كوبلاند، قرأت الرواية لتفتنني بعوالمها شديدة المراوغة ما بين ما هو واقعي صادم وسحري مبهر، وكان نقاد الأدب عبر العالم منهمكين في ذلك الوقت في فك طلاسم عالم ماركيز ليقولوا لنا: إن هذا الذي قرأناه نزعة في القص برع فيها أدباء أميركا اللاتينية تعنون بـ”الواقعية السحرية” ، لكن ماركيز بلغ ما لم يبلغه غيره في تضفير ما هو عجائبي وما هو واقعي في روايته تلك.
والواقعية السحرية، اتجاه بشر به الناقد الألماني فرانز روه في منتصف عشرينيات القرن الماضي ، أي قبل ميلاد ماركيز بسنوات ثلاث، وكان المعني به شكل من أشكال الرسم التعبيري الذي يتم من خلاله الربط بين الأشكال الواقعية بطريقة لا تتطابق مع الواقع اليومي ، ويبدو أن تلك النزعة راقت كبار كتاب الرواية في أميركا اللاتينية ليمنحوا هذا الجنس الأدبي شكلا فريدا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي خاصة على أيدي ماركيز في “مائة عام من العزلة”، وبفضل هذه الرواية شاع المصطلح في أرجاء الدنيا، وحاول عشرات الروائيين توظيفه في أعمالهم، وبالطبع ثمة من يتساءل : لماذا ارتبط المصطلح بماركيز بصفة خاصة وأدباء أميركا اللاتينية بصفة عامة ؟
خلال الرحلة التي رافق فيها ناقدنا الكبير الدكتور حامد أبو أحمد الروائي الكولومبي العالمي ماريو بارجس يوسا إلى الإسكندرية في أول فبراير عام 2000 تطرق الحوار بينهما إلى هذه النقطة، وقال يوسا: إن الواقعية السحرية جمع بين عنصرين مهمين ، الواقع والفانتازيا ، والتراث العالمي متخم بنصوص تتكئ على العنصرين ، فهي ليست تراثًا خاصًا بأدب أميركا اللاتينية.
وفي إسبانيا ـ يستطرد يوسا ـ نجد في قصص الفرسان فانتازيا كثيرة مثلما نجد عند جارثيا ماركيز، كذلك في الأدب الألماني وفي الأدب الفرنسي، وبالنسبة للأدب العربي نعلم أن بورخيس العارف الكبير بهذا الأدب استخدم كثيرًا من العناصر الخيالية الموجودة في “ألف ليلة وليلة” لصياغة أدبه.
أما لماذا ارتبطت هذه التسمية بأدب أميركا اللاتينية خلال نصف القرن الأخير؟ يجيب ماريو قائلا: لعل ظهور عدد كبير من كتاب أميركا اللاتينية في الخمسينيات هو الذي أدى إلى توثيق هذا الارتباط”.
ويعلق الدكتور حامد أبو أحمد على ما قاله ماريو بارجس يوسا بأنه دليل على أن الخلاف حول الواقعية السحرية كبير جدًّا. وقاد الخلاف إلى درجة أن أحد النقاد وهو أمير رودريجيث مونيجال Emir R. Monegal وصف الجدال حول الواقعية السحرية بأنه يشبه حوار الطرشان، الجميع يتكلمون ولا أحد يستمع، وهذا الاختلاف الواسع يعكسه بصورة واضحة الربط بين هذا التوجه وأشياء أخرى كثيرة مثل الربط بين السحري والعجائبي، أو بين السحري والأسطوري، أو بين الواقعية السحرية والسيريالية. وإذا كان التوسع كبيرًا حول مفهوم الأسطورة، وحول مفهوم السيريالية، وحول مفهوم العجائبي فإننا ندرك إلى أي مدى يكون هذا المفهوم أكثر اتساعًا حول الواقعية السحرية. بل إن الناقد الفرنسي الشهير تيفيتان تودوروف Tzvetan Todorov، في مقال له منشور عام 1978 تحت عنوان “ماكوندو في باريس” قال إن وجود عناصر “فوق طبيعية” يمثل أحد المظاهر البارزة في رواية “مائة عام من العزلة”. ولكن هذا العنصر فوق الطبيعي لا يتم تناوله هنا على نحو ما يحدث في الأدب العجائبي، عالم الحكايات التي تسكن فيها الجنيَّات والحوريات والعفاريت، وذلك لأن كتاب ماركيز يمثل عالمنا المعاصر، وليس أي عالم آخر. كما أن هذا العنصر لا يدخل ضمن الفانتازي، وهو هذا العالم فوق الطبيعي Sobrenatural الذي تؤدي مشاهده إلى إثارة الشكوك والتذبذب لدى الشاهد غير المصدق، وذلك لأنه في “مائة عام من العزلة” لا أحد يشك في واقع الأحداث فوق الطبيعية”. أي أن تودوروف يرى، استنادًا إلى براهين تبدو مقنعة، أن الواقعية السحرية عند جارثيا ماركيز مختلفة تمامًا عن الواقعي وعن الفانتازي. ومع ذلك فإن الغالبية العظمى من النقاد في أميركا اللاتينية قد ربطوا بين السحري والعجائبي. ومن هؤلاء خواكين ماركو في كتابه عن ” أدب أميركا اللاتينية .. من الحداثة إلى أيامنا “، حيث رأى أن من بين المفاجآت العديدة التي انطوت عليها رواية “مائة عام من العزلة” التناول الذي حدث لما هو سحري وما هو عجائبي. وهما أمران كان عصر النهضة الأوروبية قد وقف ضدهما واعتبرهما من مخلفات العصر الوسيط عندما نادى بشعار سيادة العقل. ولكن العالم السحري، على الرغم من ذلك، ظل موجودًا في عناصر فولكلورية عديدة استمرت بصورة عملية إلى أيامنا، وبصفة خاصة في الثقافة الشعبية التي احتفت بالسحر، والرقي، والتعاويذ وكانت لها جذورها الممتدة في العصر الوسيط.
ومثل ثلاثين مليون اشتروا “مائة عام من العزلة ” وعشرات الملايين غيرهم قرأوها بالاستعارة ـ فتحت الرواية شهيتي على أدب ماركيز فقرأت سرد أحداث موت معلن وخريف البطريرك، والحب في زمن الكوليرا، ومجموعة قصصية أشبه بالتحقيقات الصحفية ، ومجموعة أخرى على ما أتذكر انتهيت بعد قراءتها الى أن ماركيز على شاكلة أديبنا الكبير نجيب محفوظ ، يكتب القصة القصيرة بنفس الروائي ، لكن تبقى الذاكرة منشغلة ، بل مأخوذة بـ”مائة عام من العزلة” وعالم العقيد أورليانو الذي خاض اثنتين وثلاثين حربا خسرها جميعا ، وقرية ماكوندو الخيالية في أميركا اللاتينية والتي تدور على مسرحها أحداث غريبة تستلب القارئ تماما بعجائبيتها وبمهارة الكاتب اللغوية في سردها، لتتحول في الذاكرة إلى واقع لا يبارحها!
ومع ذلك لم يكن عالم ماركيز الروائي فوق النقد، كثير من النقاد في أميركا اللاتينية وخارجها يقولون إن أعماله الروائية تعاني من العوار ـ أحيانا ـ الجسيم!
بل منهم من اتهمه بافتقاره الخبرة الكافية في الساحة الأدبية، وأنه فقط يكتب عن تجاربه الشخصية والخيال.
وببساطة ينتهي هؤلاء النقاد إلى أن أعماله لا ترقى من حيث قيمتها الأدبية إلى هذه المستويات من الانتشار التي حققتها على مستوى العالم ، إلا أن ماركيز لم يقابل هذه “الانتقادات” بالغضب ، بل تناولها بروح تأملية وأوضح أنه يتفق معهم أحيانًا في كون الإلهام لا يأتي من الكتب ولكن من الموسيقى.
على أية حال لم يكن ماركيز الروائي وحده الذي أثار اهتمام مئات الملايين حول العالم، بل أيضا ماركيز السياسي ؟ وهل كان ماركيز سياسيا؟
معظم أعماله الروائية العظيمة كان مسرحها السياسة ، فساد الأنظمة العسكرية في أميركا اللاتينية والصراعات على الحكم في جمهوريات الموز، لكنه لم يكن بالأديب الذي يكتفي في رؤيته للعالم بما تشي به أعماله الأدبية.
ومنذ خطوه الأول في مجال الأدب كان لماركيز توجهاته السياسية ، وربما أسهم في ذلك تعيينه عام 1959 مراسلا صحفيا لوكالة أنباء بريلا برنسا لا تينافي كولومبيا، وهي الوكالة التي أنشأتها الحكومة الكوبية بعد نجاح الثورة، ومن خلال عمله هذا تعمقت علاقته بالزعيم الكوبي فيدل كاسترو، إلا أن ماركيز لم يكن أبدا شيوعيا ، وهذا ما أكده حين سئل عام 1983: :هل أنت شيوعي؟ فأجاب جازما: “بالطبع لا. أنا غير ذلك ولم أكن كذلك سابقًا. ولم أشكل طيلة حياتي أي جزء من أي حزب سياسي.
يقول الدبلوماسي والصحفي بلينيو أبوليو ميندوثا والذي يعد الأب الروحي لجارثيا ماركيز إن: “غارثيا ماركيز هو صديق كاسترو، ولكن لا أعتقد أنه من المؤيدين لنظامه، لأننا كنا نزور العالم الشيوعي وكنا نشعر بخيبة أمل كبيرة.
لكن ثمة من يستنطق اقتراب ماركيز من ميادين السياسة أشياء تمثل انتقاصا من شخصيته ، حيث يرون أن ماركيز كان مفتونا بالسلطة ، ويرون في صداقاته للزعماء ، خاصة فيدل كاسترو محاولة للاقتراب من غرف صناعة القرار، ومن هؤلاء الكاتب البريطاني جيرالد مارتن، الذي نشر عام 2008 أول كتاب سيرة ذاتية معتمدة لصاحب مائة عام من العزلة ، حيث يقول إن ماركيز يشعر بحالة من الانبهار غير الطبيعي جراء تقربه من زعماء السلطة. ويضيف قائلا: “كان يريد دائمًا أن يكون شاهدًا على السلطة، وتجدر الإشارة إلى أن هذا الانبهار لم يأت محض صدفة، ولكنه كان يتبع أهدافا محددة. أيضًا الكثير من الأشخاص يعتبرون قربه من الزعيم الكوبي فيدل كاسترو أمرًا مبالغًا فيه ، لكن ماركيز ارتبط أيضًا بالعديد من الشخصيات السياسية البارزة كعلاقته مع فيليبي جونثاليث رئيس الحكومة الإسبانية السابق أو بيل كلينتون الرئيس الأميركي الأسبق، ولكن الجميع يحدق النظر فقط في علاقته مع كاسترو، بينما يرى الروائي الكوبي ثيسار ليانتي أن غارثيا ماركيز لديه بعض الولع بالتودد إلى زعماء أميركا اللاتينية. ويقول “الدعم غير المشروط من غارثيا ماركيز إلى كاسترو يندرج إلى حد كبير تحت مجال التحليل النفسي!
ويبدي “ليانتي” قدرا كبيرا من القسوة تجاه ماركيز حين يصفه بأن وضعه في كوبا كان أشبه بوزير الثقافة أو رئيسًا للتصوير السينمائي أو سفيرًا مفوضًا، ليس لوزارة الشؤون الخارجية، ولكن مباشرة لكاسترو، والذي كان يوظفه للقيام ببعض المهام الدقيقة والحساسة التي لا تخضع لنطاقه الدبلوماسي.
لكن أيا كانت الانتقادات التي وجهت لماركيز، فنحن العرب ، وكل القوى المحبة للسلام في العالم لا تخفي إعجابها بالكاتب الكبير جراء مواقفه الشجاعة تجاه النضال العادل للشعب الفلسطيني من أجل إقامة دولته المستقلة وتنديده بقوة للمجازر التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين العزل، حتى أنه وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق آرييل شارون بأنه يستحق أن يمنح جائزة نوبل في القتل !

محمد القصبي

إلى الأعلى