الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / المخرج محمود عثمان : مسرح العرائس هو الأقرب إلى عالم السينما

المخرج محمود عثمان : مسرح العرائس هو الأقرب إلى عالم السينما

في تجربته العرائسية الأولى “سكان البحر
دمشق ـ “أشرعة”
لم يخطر ببال المخرج محمود عثمان أن يعمل في مسرح العرائس على الرغم من تجاربه المتعددة في مسرح الطفل إلا أن قراءته لنص “سكان البحر” لكمال بدر في هذا المجال حرَّضه على الخوض فيه في أول تجربة إخراجية له، التي عرضت مؤخراً على خشبة مسرح العرائس، مبيناً في لقائنا معه أن نص “سكان البحر” هو الذي أغراه لأن يقدم على هكذا خطوة صعبة بعد أن رأى فيه نصاً جيداً يخاطب جمهور هذا المسرح بشكل صحيح، وقد أوحى له من القراءة الأولى تصورات فنية كثيرة لتنفيذها وإن كان يعترف أن معظمها لم يُنفَّذ حيث اكتشف بعد الدراسة أنها تكلف الملايين فكان البحث عن بدائل أخرى يتمنى أن تنال إعجاب الجمهور.
ولا ينكر عثمان أن هذه التجربة بيَّنت له أن مسرح العرائس بشكل خاص يحتاج من المخرج وكل العاملين فيه لخيال واسع حيث لم يعد طفل اليوم يكفيه أن يشاهد في هذا المسرح دمى تتحرك وتتكلم وترقص مؤكداً أن مسرح العرائس يحتاج في عصرنا الحالي للكثير من البذخ على صعيد الديكور والإضاءة والموسيقى والدمى لإقناع الطفل بما يراه، وهذا يبدو كما يوضح عثمان مختلفاً عما هو الأمر في مسرح الكبار حيث يمكن للمخرج أن يقدم مجموعة من الرموز فيتواطأ الجمهور معها كما يريد في حين أن الطفل لا يقتنع بذلك، وبالتالي عندما يتم الحديث في مسرحية “سكان البحر” عن البحر فهو كمخرج مطالَب بأن يبذل كل جهده لتجسيده كما يعرفه الطفل شكلاً ومضموناً، ولهذا يرى أن مسرح العرائس هو الأقرب إلى عالم السينما المليء بالسحر، وبالتالي فإن خشبة مسرح العرائس يجب أن توازي شاشة السينما بسحرها، وهذا يعني بالدرجة الأولى أننا يجب ألا نستسهل العمل فيه.. وانطلاقاً مما ذكر حاول عثمان في هذه المسرحية أن يهتم بالشكل الفني كثيراً ولم يخفِ أن تصورات فنية وتقنية عالية المستوى كان يتمنى أن ينفذها إلا أن ضيق خشبة مسرح العرائس حال دون ذلك، أما الموسيقى التي يعتبرها عنصراً أساسياً في هذا النوع من المسرح فيشير عثمان إلى أن اهتمامه بها في عروضه عامةً و”سكان البحر” خاصة كان مضاعفاً لقناعته وإيمانه بأن الموسيقى في العرض العرائسي ليست عنصراً تزيينياً بل هي عنصر فاعل ومؤثر وهي الضابط الأساس للعمل ككل بحيث أن حركات وخطوات الممثلين تكون وفقاً للموسيقى المرافقة، وهذا يعني أن الممثل يجب أن يكون متيقظاً ودقيقاً في كل حركة يقدم عليها.. ولرغبته وميله لتحقيق أعلى درجات التواصل بين العرض والجمهور يشير عثمان إلى ميله في مثل هذه العروض إلى كل ما هو حيّ ومباشر ولذلك كان ضد فكرة تسجيل الأصوات إلا أنه عاد واقتنع بفكرة التسجيل لتفاوت قدرة محركي الدمى في التكلم المباشر وتحريك الدمى في الوقت ذاته فاحترم هذا الأمر حفاظاً أيضاً على وضوح الصوت في ظل ضجيج الأطفال.
مهرجان لمسرح العرائس
وفي الحديث عن النص ثانيةً يؤكد عثمان أن مسرح العرائس يحتاج لنص يُكتَب خصيصاً له وأنه من الخطأ الاعتماد على نصوص طفلية وتحويلها إلى نصوص عرائسية وإن كان هذا ما يحدث في كثير من الأحيان لندرة النصوص المكتوبة في هذا المجال، ولا يعرف عثمان أسباب ندرة كتّاب هذا المسرح إلا أنه يؤكد على أن تنشيط هذا المسرح والحرص على استمرار عروضه –وهذا ما تسعى إليه مديرية المسارح- قد يشجع البعض على التوجه للكتابة له، متمنياً إقامة مهرجان خاص به أسوة بالعديد من المهرجانات التي تقام، مذكِّراً أن مسرح العرائس مسرح قديم في سورية وقد ترافق تأسيسه مع تأسيس المسرح القومي وعملت فيه مجموعة من الأسماء الهامة التي أسسته وأبدعت فيه كعبد الوهاب الحسكي الذي كان المختص الوحيد بدمى الماريونيت، مشيراً إلى أهمية وجود دمى الماريونيت في مسرح العرائس، خاصة وأن معظم عروضنا العرائسية تعتمد إما على دمى الجاوة أو القفازية، وهذا برأيه لا يكفي، وبالتالي يتمنى عثمان السعي إلى جلب خبراء أو إرسال كوادر مسرح العرائس في بعثات للاطلاع على أحدث ما توصل إليه مسرح العرائس، مبيناً أن هذا المسرح يضمّ فنانين موهوبين يعملون بجد ونشاط وإخلاص ولا ينقصهم حالياً إلا دورات أو بعثات يستطيعون من خلالها تطوير معارفهم وأدواتهم في هذا المجال، ويشير عثمان إلى أن هناك نوعين من العاملين في هذا المسرح عادةً: الأول يعمل فيه كواجب (مهنة ووظيفة) والثاني يعمل فيه مقتنعاً به كفنٍّ له جمهوره ويحمل رسالة دون النظر إلى مردوده المالي (غير المشجع) وهذا ما يحتاج إليه مسرح العرائس بالدرجة الأولى، وهذا ما ينتمي إليه معظم العاملين في مسرح العرائس في سورية، مذكراً بتجربة الفنان عدنان سلوم الذي قدم عدة تجارب هامة فيه.
وعن رأيه بالأشكال المختلفة التي بات يقدمها المخرجون في تقديم مسرح العرائس في طريقة التعامل مع الدمى يبيّن أنه ليس ضد هذه الأشكال، حيث البعض يرغب في أن تكون الدمية هي البطلة في العمل دون أي ظهور للمحرك، في حين أن البعض الآخر بات يحرص على ظهور الدمية والمحرك معاً على خشبة المسرح، وبالتالي يعتقد عثمان أن كل مخرج يختار الشكل المناسب لما يخدم أهدافه وفكرته الأساسية.
وعن إمكانية إعادة التجربة يؤكد عثمان أنه خطا خطواته الأولى في مسرح العرائس من خلال “سكان البحر” وإن تأكد له نجاح هذه الخطوة سيقدم على تكرارها وهو مدرك تماماً أن هذا يتطلب منه الكثير من الجهد.
شح في النصوص
ويعبّر الفنان أسامة تيناوي وبعد عشر تجارب عرائسية له عن سعادته الكبيرة لوجوده ضمن مسرحية “سكان البحر” من خلال دور الغوّاص، مشيراً إلى رغبته الدائمة بالتواجد في هذا المسرح الذي يحبه، مبيناً أنه سعيد الحظّ لأن عروضاً تُقدَّم إليه في هذا المجال بشكل دائم، كما لا يخفي صعوبة العمل فيه لحساسيته وأهميته، مؤكداً أن كل من يعمل في هذا المسرح يجب أن يدرك تماماً أنه يتوجه إلى شريحة عمرية معينة، وبالتالي عليه أن يفكر كثيراً في الطريقة التي سيُقدِّم فيها بشكل سلس وجميل وممتع الفكرة البسيطة المفعمة بالقيم التربوية والأخلاقية، مع الأخذ بعين الاعتبار شرط المكان المتواضع (خشبة مسرح العرائس) ويحيي تيناوي كل العاملين الذين يتحدون هذا المكان فيبتكرون دائماً كل ما هو جديد حتى لا تبدو العروض مكررة، مع تأكيده على أن من يعملون فيه يملكون كل الإمكانيات المطلوبة وهم يشتغلون بأقصى طاقاتهم ويقدمون نتائج مبهرة ضمن ظروف ليست سهلة على الإطلاق، مشيراً إلى أهمية مسرح العرائس بالنسبة للطفل، فرغم ما يُقدَّم لطفلنا في عصرنا الحالي من تقنيات وتكنولوجيا مغرية إلا أن مسرح العرائس برأي تيناوي هو الذي يحرض خيال الطفل وتفكيره حيث أثبتت الدراسات التي أجريت أن الطفل يمكن أن يتعلم من خلال هذا المسرح بصورة أكبر من أية وسيلة أخرى بحيث يجعله يلتقط المعلومة ويخزنها ويستوعبها أكثر بكثير من أية طريقة أخرى، ولذلك يأسف تيناوي لأن هذا المسرح يعاني من شح في نصوصه وأن مخرجيه غالباً ما يلجؤون إلى نصوص الأدب العالمي أو قد يستفيدون من فكرة واردة في نصوص مسرح الأطفال أو قد يلجأ بعض المخرجين لإحدى القصص الشعبية لتحويلها لنصٍّ عرائسيّ.. وبالعموم يؤكد تيناوي أن هذا المسرح يحتاج لممثل صاحب خبرة قادر على التأقلم مع جمهوره.
وعن واقع هذا الفن في سورية يرى تيناوي – وهو الذي شاهد العديد من التجارب الأوروبية – أن مستواه جيد ولا فرق يُذكَر بينهما باستثناء طريقة التفكير وتقنيات التحريك والإمكانيات المادية الموظفة له

إلى الأعلى