الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / استعراض لعروض مهرجان جامعة صحار المسرحي الثاني ( 2 – 2 )

استعراض لعروض مهرجان جامعة صحار المسرحي الثاني ( 2 – 2 )

“السحارة” و” ثامن أيام الأسبوع” و”حاويات بلا وطن”
تألقت في مهرجان صحار المسرحي خمسة عروض لجماعة المسرح ، والتي تنافست للحصول على المراكز المتقدمة، وسوف نتابع في هذا الجزء المتبقي، فنتطرق إلى مسرحيات “السحارة” و” ثامن أيام الأسبوع” و”حاويات بلا وطن”.
السحارة
مسرحية من تأليف بدر العوفي وإخراج مازن المحرمي، وهي مسرحية تقوم على طرح أسئلة وجودية وإنسانية غاية في الأهمية. كما حرصت على التوغل في ذات الفرد الباحثة عن كنه الحياة وسر الوجود في حالة أننا حاولنا الإجابة عليها، مما جعلنا نقع في إشكالية البحث عن أسئلة وجودية طالما الفلاسفة والمفكرون بحثوا فيها.
تميل مسرحية “السحارة” نحو الرمزية المتخمة بالإحالات والاستعارات المادية ، وخاصة أن شخوص العمل هي مجرد “دمى” ، في محاولة للهروب من الواقع البائس في اللاوعي الجمعي، وكأن لسان حالنا يقول إننا مجرد دمى تحركها الأيادي الأخرى، وفي نفس الوقت فهي لا تملك حتى حق تقرير مصيرها. وهناك جدليات متعددة المعاني حاول عرض مسرحية “السحارة” البحث عنها في محتويات “السحارة أو الصندوق”، ولكن هل تم العثور عليها بالفعل أم لا ؟! تبدو الإجابة على ذلك التساؤل، واسعة وفضفاضة، خاصة في ظل “السوداوية” التي ظلت تلاحق الشخصيات منذ نشأتها.
اللعبة : حالتنا صعبة راح انفجر، مكتوب علي أني أصير تعيس طول حياتي”.
“اللعبة 1: زين أنك تعرف هالشيء، انته مجرد لعبة من الآخر، انته جماد تنفذ الذي تؤمر به بدون لا تناقش أو تجادل”.
ورغم انتفاء الصفات البشرية عن الشخوص الظاهرة، إلا أن الكاتب حاول أنسنتها، على افتراض أنها تمر بجميع مراحل الحياة منذ الطفولة وحتى سن الشيخوخة، فالدمى الشابة تحيلنا إلى “أطفال شوارع” ممن يجهلون الكثير عن شخصياتهم . كما ظهرت شخصية “الرجل” الذي يتحكم بمصير بقية الأفراد: ” أنا بدايتي كانت فشارع قذر رمي بي فيه، كانت لي عيلة، بس تفككن، صار الشارع نصيبي، ظليت أيام وشهور”
وتتوالى الأسئلة القدرية بغية رسم واقع الشخصيات المؤلم والحزين، بعد محاصرتها بمجموعة من الأسئلة المفتوحة : ” تخيل أنك تفتح عيونك على هذه الدنيا وأنته ما تعرف من أنته ومنين جيت أصلا” .
وينتقل المؤلف من وجع الشخصيات الذاتي حول أصلها ونسبها ، للبحث عن قدرها السياسي الذي توارثته ، وبالتحديد منذ كانت أسيرة “السحارة” المغلقة . فهناك أياد أخرى “مستترة” كانت تخطط بإحكام ، ونشاهد مدى مقدرة الممثلين على التمسرح، وتقمص الأدوار عندما يقوم “العجوز” بممارسة طقوس “ديكتاتورية” بغية السيطرة على الآخر، والحد من حرية تفكيرها، فهو الذي يتحكم بها: ” كيف تتجرأ على التفكير أمام ملكنا العظيم” .
وظلت ظلال الماضي تلاحق شخوص العرض الحالمة بغد أفضل:
” اللعبة 2: عروفها منك، لمتينا من الشارع ، وشغلتنا عبيد لك، صرنا دمى لك تحركنا كيف ما تريد ” .
ومن ناحية أخرى، شكلت اللهجة العامية” المحلية وعاء حاويا ساعد على إيصال رسالة العرض بكل سهولة وسلاسة ، مع الحرص على تسلسل الأفكار، وطرح القضية التي بدت إنسانية في جوهرها والتي سعت إلى رسم الابتسامة في وجوه الحضور ، كما أنها تفاعلت مع جمالية المنصة وعبرت عن روح شخصياتها التي مزجت بين الواقع والحلم .
ورغم أبعاد العمل المنسجمة مع الرؤى الفلسفية على هذا العرض، إلا أن المخرج سعى إلى تحويله إلى عرض بصري ، يترجم الكلمة إلى فعل على الخشبة، ابتداء من “الأزياء” التي حافظت على اللونين الأبيض والأسود، للتعبير عن واقع الإنسان الخير والشر، وفي نفس الوقت ظل اللونان عنصرين جماليين، استطاعا التعبير بشكل بصري عن ذات الشخصيات وترجمة ردود أفعالها بصورة واقعية .
كما استطاع المخرج الفارسي، تعقب أداء شخصياته التي كانت تتقمص الادوار التي تؤديها الدمى . كما برز في هذا العرض “ديتو” رائع اقترن بالممثلين عبدالله البلوشي وحمود المعمري، اللذين مثلا دور اللعبة 1، و 2 ، وكانا يؤديان ادوارهما ويتقمصان الشخصيات برشاقة عالية، جعلت المنصة تتفاعل معهما وتصفق لهما بحرارة. ناهيك عن دور “العجوز، الحاكم” الذي كان يتمسرح ويؤدي دوره بخفة ظل جمعت بين الحركة والتعبير الحر ، الأمر الذي مكنه من أداء دوره بفعالية شديدة. أما الشخصيات الأخرى “الكومبارس” فقد ظلت ثابتة في الخلف، ولكن لم يقتصر دورها على ذلك فحسب، وإنما استخدمت أجسادها كديكور قابل للحركة والتغيير، بحيث يمكن مشاهدتها، وهي تتحول إلى قضبان حديدية تارة وتارة أخرى تتحول إلى أشكال أخرى حسب الأحداث المتسلسلة للعرض . إضافة إلى ذلك فقد قامت “الإضاءة ” بدور مهم في نحت ملامح الشخصيات وتبيان أبعادها النفسية والجسدية، مع تدرج الإنارة اللونية، بغية تكثيف الحدث وإبراز الصراع القائم بين الشخصيات وسرد الأحداث المقدمة. وفي نفس الوقت لم يوفق المخرج في التركيز على المواقف الأخرى، خاصة في ظل “توظيف الإضاءة الملونة” فهو بحاجة إلى دراسة “الألوان” ذات الدلالات المختلفة، حيث أن لكل لون دلالة معينة، تعبر عن واقع الشخصيات وذاتها الجانحة نحو الإبداع والتعبير. كما امتزجت “الموسيقى” التصويرية مع ملامح الشخصيات ومواقفها الصعبة في الحياة، التي قادتها إلى حقيقة مفادها أنها مجرد دمي لا غير ، وإن عليها أن تتعايش مع واقعها الصعب، وتنفذ ما يطلبه الآخرون منها وهي في ذلك تتقارب مع بطل قصة “سيزيف” الذي ظل يحاول رفع الصخرة من أسفل إلى أعلى، فشخصيات “السحارة” حاولت التمرد، ولكنها في النهاية طمست ذاتها ، وعاشت في دوامة لا متناهية من الألم وضياع الأحلام التي دفنت مع بقية الأحداث في “السحارة”.
ثامن أيام الأسبوع
مسرحية عبثية المعنى والمضمون، واقعية الشكل والشخصيات، سوداوية في مضمونها وأهدافها، استطاعت أن تنقلنا إلى عالم الموتى، حيث مدينة ” الأموات” من خلال ” المقبرة” التي تعيش تحت سيطرة “الدفان”، كما يظهر ” موظف الاستقبال” للمساعدة في ضبط النظام العام في المقبرة !
وتبدو فلسفة هذه المسرحية غريبة في طابعها المأساوي أو التراجيدي العبثي، حتى الرجل “الحي” الذي قام بدور “الدفان” فرض عليه عبور برزخ الأحياء – وهو بكافة قواه العقلية – إلى عالم الأموات!
وفي البداية ظهر الرجل “الضحية” وهو يبحث عن الماء، ليقع بعد ذلك كضحية سهلة بيد “الدفان ” والذي غرر به وأجبره على حفر قبره بيديه “الدفان: منذ متى لم تشرب الماء؟ الرجل: لا اتذكر. الدفان: أنها حفرتك . الرجل: من تقصد؟ الدفان: لا أحد سواك …الدفان أنها قبرك!”. وتفوح في العرض رائحة الموتى والقبور ، حيث تظهر جميع المفردات التي تحيلنا إلى “الموت” متناثرة بين الخشبة والصالة ، مثل ” أوهام الموت ، الحفرة، القبر…. جحافل الدود، عظامه ” .فضلا عن ذلك تبرز في هذه المسرحية سخرية عالية ، غرسها المؤلف في النص : ” الدفان : الدفاع أنها دعوة إلى المساواة، لا فرق عندي بين كلب وآخر، نحن من أسرة واحدة متماسكة” .ولابد من التأكيد ، بأن هذه المسرحية استندت على فكرة تداخل أزمنة الموت والحياة ، وهناك الكثير من الأعمال المسرحية التي اشتغلت على هذه المنطقة الحساسة. ومنذ البداية يمكن مشاهدة الرجل وهو ينتقل إلى عالم الأموات، فالموت أصبح اجباريا في ظل ظروف لا ترحم ، حيث يخاطبه الدفان بأنه ميت لا محاله : ” كثرت طلباتك أيها الميت” ولم يجعل الكاتب الرجل “الحي” يستسلم للموت بسهولة، ولكنه ظل يقاوم الموت والدفان بكل قوته . وهذا ما يفسر العراك الذي اشتعل بين الرجل والدفان وموظف الاستعلامات. ولقد حاول الرجل “الحي” الهروب ، ولكن محاولاته تلك باءت بالفشل. حيث أصبح الموت مصيرا قسريا لا محاله ! كما أن هناك سخرية عالية في هذا العمل، والتي تمثلت في محاولة قمع الرجل وكبت حريته، وإجباره على حفر قبره بيديه: “الدفان: والآن إلى الحفر، أكمل حفرتك بيديك، الحفرة هي المستقبل ، أنها ملك صرف” . ورغم محاولات الرجل “الحي” للهروب من قدره المصيري ، إلا أن “الحفرة” كانت قدره! مما جعله يعود إلى مثواه الأخير، ويحفر بيده قبره، فهو ميت لا محاله ، رغم أنه لا يزال حيا يرزق! ولقد بدت “الرؤية البصرية” للعرض حقيقة ماثلة للعيان، واتضحت أكثر من خلال العرض الذي تمتع برؤية إخراجية فذة ، مكنته من التفاعل مع كل عناصر الخشبة، بدءا من السينوغرافيا، وانتهاء بالديكور الذي ساعد على تحديد خطوات وحركة الممثلين في أماكن تمركز الحدث على الخشبة ، فهناك القبر الذي يظهر بجانبه “حفار القبور” . كما ظهر “موظف الاستعلامات” جالسا عند مدخل المقبرة، بزيه المثير للرعب ، فيما كان الدفان يتصرف بصورة هستيرية. وهو يحفر التراب ليثير الغبار والضبابية، وهذا بدوره ساعد على الإيحاء بصورة سيريالية عبثية تآزرت جميعا في صنع بيئة خيالية ، طغت عليها ملامح الحزن والخوف. وقد ساعدت الموسيقى التأثيرية في تكثيف الحدث ، ورسم صور جمالية متباينة ومؤثرة ، جعلت المشاهد يعيش حالة من الرعب والخوف نتيجة تداخل عالم الأموات والأحياء!. بالنسبة لأداء الممثلين فقد جاء متقاربا، نتيجة توازي مستويات الاداء لديهم ، وهذا بدوره سهل عملية التواصل مع الآخرين، فعلى سبيل المثال أن الممثلين اللذين قاما بدوري الدفان والرجل (الحي) بذلا جهودا كبيرة للتواصل. ولقد تضمنت الاحداث الكثير من المعاني والقيم التي ساعدت في إثارة الصراع بين الحياة والموت القيم واللا – قيم، الحاضر والمستقبل، الذي استمر حتى نهاية المسرحية، كما غير المخرج النهاية عندما جعل الخير ينتصر على الشر، بعد تمكن الرجل من قتل الدفان، والقضاء على موظف الاستقبال، وجعله يسقط للحفرة بدلا من الرجل، مع تغيير النهاية التي رسمها المؤلف.
كما أكدت مفردات الخشبة حرفية النص ، مع اختزال بعض الحوارات السردية فيه. ولكنها استطاعت أن تنقلنا إلى أجواء استثنائية ، جعلتنا نشعر بالخوف والقلق، ازاء واقع منتظر يخشى الجميع التحدث عنه علنا.
حاويات بلا وطن
مسرحية “حاويات بلا وطن” لقاسم مطرود مسرحية “مينو-درامية” أخرى انضوت تحت مظلة مسرحيات “مهرجان جامعة صحار المسرحي” ، وهي من المسرحيات التي سبق وأن قدمت في أكثر من مناسبة مسرحية طلابية على مستوى الكليات والجامعات تحديدا ، وذلك وفق رؤى إخراجية مختلفة في تصوراتها الضمنية والشكلية . والمتابع لكتابات المرحوم “قاسم مطرود” يجد أنها متأثرة بالأحداث الكارثية في العراق، والتي يتضح فيها جليا مشروع البحث عن الذات التي جبلت على الاحساس بالغربة والضياع وعدم الاستقرار. وفي عرض مسرحية “حاويات بلا وطن” ، حاول المخرج معايشة النص الموجوع بألم مؤلفه ، الساخر من عبثية حياة بطله، والذي عاش طيلة عمره في الحاوية” مكان إلقاء القمامة” وفي رأيه أصبح العالم يفتقد الأمان والوطن الحقيقي، حتى الموتى ، فإنهم لم يسلموا من التفجيرات والقتل والدمار: “الرجل: معه حق فان طريق المقبرة خطر للغاية، فقد تعرضت جثة أحد الأموات إلى أبشع ما يكون” .
هكذا استمر “الرجل البائس” بالعيش في قعر “الحاوية” التي شكلت أحلك أيام حياته ، حيث الجوع والحزن ، كلها مفردات حياة مؤلمة شكلت ملامح شخصيته ، التي عاشها بدون وجود “وطن” حقيقي يمكن أن يوفر له الأمن والاستقرار. الأمر الآخر، سلطت هذه المسرحية الأضواء على الشخصيات الأخرى التي عايشت “وطن الحاويات” : ” الرجل: لا أدري هل أرثي بحالنا، كنا نرى بأم أعيننا ذبولها وهي تنتظر كل يوم عودة زوجها” .
ويفصح النص عن الكثير من المعاني المعبرة عن الحياة وسخرية الموت في مجتمع الحاويات قرب القبور، ويمكن مشاهدة الرجل وهو ينتقل من حفرة إلى أخرى مرددا :” هذه إلى ناصرنا، إلى الذي يحكي حالنا، وهذه للذي قال كلمات طيبة بحقنا”، كما ظهرت في هذا العرض شخصية “صاحب الأرزاق” الذي يتحكم في الرزق ، وهو المسؤول عن توزيع الهبات على سكان الحاويات من البؤساء والمساكين.
“هل سمعتم ما سمعته ، الأكل محدود وقد تموتون من الجوع في وطنكم” ..وهو يتساءل هذه ملابسنا وهذه بيوتنا في الوطن الذي حلمنا به كثيرا، يوزعون علينا الأرزاق في مشاهد لم أر مثلها ، إلا في أفلام الحرب العالمية الثانية”.
كما وصف “المرأة ” التي كان صوتها يستغيث لطلب المساعدة من الآخرين ، فقد ظلت تلك المرأة تعاني الألم والبؤس والفقر والحرمان ، وهي تنتظر الدواء الذي يفترض أن يجلبه زوجها لها، ولكنه هو الآخر لم يأت.
بالنسبة للتشخيص في هذا العرض فقد قام الطالب “طارق اللواتي” بدوري المخرج والممثل في آن واحد، والذي سعى جاهدا إلى تفعيل الفعل المسرحي، متواصلا مع مفردات العرض الأخرى كالحاوية التي كان يقطن الرجل فيها ، والذي عاش على هامش المجتمع بلا وطن، إلا أن العرض كان ثقيل الظل على الممثل الواحد، والذي كان عليه أن يتحمل تبعاته، فليس من السهولة بمكان أن يقوم “الممثل الواحد” بقيادة عرض مسرحي لذلك كان يفترض أنه يمتلك “تجربة ثرية” تسخر أدواته كممثل، بحيث يكون قادرا على تقمص الدور والانتقال من مرحلة إلى أخرى . ناهيك أن المؤثرات الصوتية والإضاءة والتي كانت تظهر وتختفي دون مبرر حقيقي لذلك. و لم يكن حظ المؤثر الموسيقى أحسن حالا من ذلك ، فقد خضع للتقطيع والانتقال السريع، دون محاولة تركيب للصوت والمزج بما يتناسب مع طبيعة الحدث.

عزة القصابية

إلى الأعلى