الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (124)

نافذة لغوية (124)

من خصائص العربية النادرة
يرى عدد من فقهاء اللغة قديماً وحديثاً أن الألفاظ العربية تقوم على الدلالة المركزية للأصول المتقاربة فهي ترجع في منشئها التاريخي القديم إلى أصول ثنائية زيدت حرفاً ثالثاً في مراحل تطورها التاريخي، وقد جاء هذا الحرف الثالث منوِّعاً للمعنى العام الذي تدلّ عليه تلك الأصول الثنائية.
ومن هنا كان المقياس الذي جاء به علماء الصرف لمعرفة أحوال أبنية الكلمة مكوَّناً من ثلاثة أحرف أصلية هي : الفاء ، والعين ، واللام ” ف ع ل ” وجعلوه مقابل الكلمة المراد وزنها ، فالفاء تقابل الحرف الأول ، والعين تقابل الحرف الثاني ، واللام تقابل الحرف الثالث ، على أن يكون شكل الميزان مطابقاً تماماً لشكل الكلمة الموزونة من حيث الحركات والسكنات .
وقد اختار الصرفيون كلمة ” فَعَلَ ” لتكون ميزاناً صرفياً لأسباب نجملها في الآتي :
1 ـ لأن كلمة ” فعل ” ثلاثية الأحرف ، ومعظم ألفاظ اللغة العربية مكوَّنة من أصول ثلاثة ، أما ما زاد على الثلاثة فهو قليل .
2 ـ أن كلمة “فعل” عامة الدلالة ، فكل الأفعال تدلّ على فِعْل ، فالفعل : أكل ، وجلس ، ومشى ، ووقف ، وضرب ، وقتل ، ونام ، وقام ، وغيرها تدلّ على الحدث بمعنى فَعَلَ الشيءَ .
3 ـ صحّة حروفها ، فليس فيها حرف يتعرّض للحذف ، كالأفعال التي أصولها أحرف علة كالألف ، والواو ، والياء ، فالأفعال المعتلة قد تتعرّض للإعلال بقلب ، أو نقل ، أو حذف .
4 ـ أن كلمة ” فعل ” تشتمل على ثلاثة أصوات تشكل أجزاء الجهاز النطقي ، فهي تضمّ الفاء ومخرجها من أول الجهاز النطقي وهو الشفتين ، والعين من آخره أي من آخر الحلق ، واللام من وسطه .
وللميزان الصرفي فائدة كبرى ، فهو الذي يحدد صفات الكلمات ، ويبيّن إنْ كانت الكلمة مجرّدة ، أو مزيدة ، أو كانت تامة ، أو ناقصة ، وباختصار فهو يبيّن لنا : حركات الكلمة ، وسكناتها ، والأصول منها ، والزوائد ، وتقديم حروفها ، وتأخيرها ، وما ذكر من تلك الحروف ، وما حذف ، ويبيّن صحّتها ، وإعلالها .
إن أصل المواد اللغوية في العربية ـ كما أسلفنا ـ مؤلّفة في الغالب من ثلاثة أحرف هي مدار المعنى بوجه عام ، وإبدال الحرف الثالث منها بغيره يعني ضرباً من التغيير أو التبديل اليسير يطرأ على دلالة الأصل ، لكن مع الإبقاء على الروح العام للدلالة المركزية . وقد شغلت هذه الظاهرة بال بعض العلماء وإن لم يكن لها صفة الاطّراد والشمول.
ومن الأمثلة على ذلك في العربية الأصل اللغوي المكوّن من (الكاف والميم المشدّدة) ومحور الدلالة المركزية له معقود على فكرة السّتْر والتّغطية ، فكُمّ القميص سمي كذلك لأنه يغطي اليد ، والقَلَنْسُوَة المدوّرة سميت كُمَّة لأنها تغطي الرأس ، وكُمّ الزهر وأكمامه من هنا أخذت تسميتها لأنها تغطي الزهر الكامن قبل أن يتفتّح وينتشر … ومن هذا الأصل أخذوا اسم هذا الاختراع الحديث الكَمَّامَة الذي يغطي الرأس ويمنع تسرب الغازات السامة إلى المنافذ الموجودة فيه كالفم والأنف والأذنين ، ومنه أيضا الكناية المشهورة في قول المحدثين على الطاغية: كَمَّ الأفواه ، أي حرم الناس من حرية الكلام.
فإذا ما أضفنا إلى هذا الأصل حرفاً بديلاً من الثالث فيه وقلنا كَمَنَ مثلاً ، نجد أن معنى الاستتار والتغطية ما يزال قائما في الدلالة المركزية العامة ، فالكُمُون ينطوي على معنى الاختفاء وعدم الظهور ، وكَمَنَ فلان: أي استخفى في مكان أو مكمَن ، لا يفطن له. ولكل حرف من الحروف التي تنطق بها مكمَن إذا مرّ به الصوت أثاره.
وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر جاءا فكمنا في بعض حِرار المدينة ، أي استترا واستخفيا . ومنه الكَمِين في الحرب ، وله معنيان ، تقول: نصب الثوّار كميناً للعدو ، أي اختاروا موضعاً غير مكشوف ربضوا فيه ليباغتوا العدو بالهجوم عليه. كما أن الكَمِين: الجماعة في الحرب يكمُنون ، بمعنى الكامِن ، كما تقول: القوم قَطِين في الديار ، أي قاطنون ، ومن ذلك أخذت دلالة المُكْتَمِن ، أي الحزين ذي الحزن الخافي المضمر.
فإذا أردت أن تضع حرف الدال عوضاً من النون في هذه المادة فإنك ستجد أيضا معنى الاستتار والتغطية ما يزال قائما ، فالكَمَد: الحزن المكتوم الدفين ، والكِمَادة: كالكِمَامة تحمل معنى التغطية والستر على ما ينطق الناس بها هذه الأيام ، وهو نطق صحيح للكلمة إلا في لفظ الكِمادة وهي على حدّ تعبير الأزهري في تهذيب اللغة : (خِرْقَة دَسِمَة تُسَخَّن وتُوضع على موضع الوجع ).
ولو استغنيت عن الحروف السابقة ، ووضعت عوضاً منها الياء حرفاً ثالثاً في هذه المادة نفسها لرأيت المعنى يدل على خفاء أيضا ، يقولون منها: كَمَى فلانٌ الشهادةَ إذا كَتَمَها ، ولذلك سُمِيَّ الشجاع الكَميّ ، وجمعه الكُمَاة ، قالوا: هو الذي يتكمَّى في سلاحه ، أي يتغطّى به ، وتَكَمَّت الفتنةُ الناسَ: إذا غَشِيَتْهم .
وتبقى في هذه المادة اللغوية دلالة الخفاء والاحتجاب لو وضعت الهاء حرفاً ثالثاً كذلك ، فالكَمَه يعنى العَمَى ، ومَن يُولد أعمى يُسمّى الأَكْمَه. وفي ذلك كله يبقى المعنى المركزي معقوداً على الاختفاء والستر والتغطية.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
استاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى