الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / لحظة قرار .. لـ “عبدالكريم الرواحي”

لحظة قرار .. لـ “عبدالكريم الرواحي”

وقفتنا هذا اليوم ستكون في أحد البساتين الغناء والحدائق الزاهرة للفن التشكيلي وفي زاوية فنية لا تقل براعة عن زاوية الرسم والتصوير التي ألهمت الفنانين عبر عقود بل قرون من الزمن ، سنتعايش مع مجال فني مختلف ومميز في ذات الوقت ، مجال مُلهم رمقته عين الفنان وطوعته كمادة إبداعية في التعبير ، وسجل نفسه كمبدع بين النار والحديد ورسم وشماً على جسده معلناً خضوعه لشهوة الفن بين اللذة والألم ، وذاب شغفاً بحقيقة نار الحديد وتفكيك الخامات وتطويعها ضمن منظومة معينة يرى من خلالها أحاسيسه ومشاعره وفلسفته للحياة التي يعيشها إنسان هذا العصر ، صاحب السرد التشكيلي لهذا اليوم هو الفنان الأستاذ عبدالكريم الرواحي الذي أحب بشغف هذه الخامة الصعبة المراس لما تحتاجه من عنصري الصبر والحذر لصلابة خامتها ووهج نارها ــ الوسيط المباشر لتطويعها ــ ، غير أنه وجد فيها الكثير من مجالات الفن والإبداع وغفا عنفوان فكره تحت عباءتها فسعى جاهداً لترويضها وفق رؤيةٍ بصريةٍ مفتوحة الآفاق خالقاً بذلك أشكالاً غريبة لوجوه مُبهمة وكائنات من نسج خياله وأقنعة تنفث في أذن المتلقي حوارا دراميا يحكي قصة الإبداع ، وإلهام الأفكار لدى هذا الفنان.
(لحظة قرار) هو عنوان لواحد من الأعمال الفنية العديدة للرواحي ، عملٌ بنائيٌ احترافي من حيث براعة الأداء والمضمون ، فالأداء استقاه من تجربته المتطورة مع الحديد وبُرادته والمسامير وبقايا القطع الحديدية التالفة فسعى لتدويرها من جديد عبر لهب النار الحارق في صورة فنية غير متوقعة تُظهر لنا شيئاً من النماء الفكري المتراكم في ذهن هذا الفنان ، فمسألة تفتيت الكائن البشري وإعادة تركيبه وفق رؤية جديدة هي صورة متطورة لتصوير واقعنا المعاش بمضامين كبرى يجب علينا أن نفكر فيها وأن نعي حقيقتها مع تعاقب الأيام وتوالي أحداث الحياة بين حلوها ومُرها. وإذا ما اقتربنا من مضمون عمله فإننا نلمس عنصر الدراما الذي توهج في حركة القطع الحديدية التي قام بإعادة بنائها عبر قالب مفاهيمي جديد ، فنجده يسجل لنا مشهداً حواريا حرص على أن يمتعنا من خلاله باللقطة الفنية عبر شفرات بصرية وسردية معينة تنكشف حقيقتها مع إمعان النظر وزيادة مرحلة التأمل والإمعان خلف ما ترسله لنا مفرداته النحتية من تراكيب بصرية . فاتخاذ القرار عند الرواحي هو أمر غاية في الأهمية والصعوبة في ذات الوقت وعليه تُبنى حياة البشر في مختلف مجالات تعاملهم ، والقرار هو اختيار بين مجموعة من البدائل المطروحة لحل مشكلة ما أو أزمة أو تسيير عمل معين ، وفي حياتنا العملية نكاد نتخذ يومياً مجموعة من القرارات بعضها ننتبه وندرسه والبعض الآخر يخرج عشوائياً بغير دراسة ، وهنا تكمن أهمية هذا الأمر في حياتنا الخاصة وحياة الأمم والشعوب في اختيار القائد البصير الذي يستطيع اتخاذ القرار الصائب في الوقت المناسب المتمكن بخبرته وحنكته في دراسة مدى المصالح والمفاسد المترتبة على قراره.
ختاماً فإن بصمة الفن والجمال ليس لها قعر فالفنان المبدع تجده دائماً ما يُسجل مشاعره وأحاسيسه بدون حدود لطبيعة الخامات من حوله ، فهو يبدع مع أنفاس الطبيعة وما تجود به من مكنونات تتنوع بين الصلابة واللين ، وفنان اليوم مثال رائع للتغلب على قسوة الخامات التي قد يعتبرها البعض منفرة للإبداع التشكيلي ويصعب التعامل والتفاعل مع طبيعتها لخلق مناخات متطورة حافلة بالإمتاع البصري والفكري.
تمنياتي القلبية بالتوفيق الدائم لهذا الفنان الذي عقد صداقة حميمية مع خامة الحديد الصلبة حتى خرجت من بين جسده وروحه العديد من الإبداعات الجمالية المتوهجة بأحاسيسه المتنوعة فجعلت من الحديد لغة إنسانية تتحدث وتتفاعل مع المتلقي بسلاسة ويسر وساهمت في تكوين لغة جديدة تحاكي الذهن والمشاعر الإنسانية بقوة وحب.

عبدالكريم الميمني
al-maimani@hotmail.com

إلى الأعلى