الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تجليات ..

تجليات ..

الشاعر متعب التركي ..
(حينما تكون العاطفة روح الشعر)
المعاناة الصادقة هي الشرارة المتجددة في تجربة كل شاعر أصيل، وهي تتعارض كليا مع التكلف والتمثيل والمحاكاة الكاذبة. فالشاعر تستثار عاطفته من موقف شخصي خاص أو إنساني عام، فإذا غضب ينفلت عقال ضواري الصحراء في ذهنه، وإذا عشق تحلق أسراب النوارس في سماء روحه .. وهكذا هي تجربة الشاعر متعب التركي.

يكتب التركي قصائده بدماء قلبه، القلب الذي ينبض على جرس لغته الشعرية الفاتنة، حيث تطغى العاطفة الصادقة المتكئة على معاناة حقيقية تظهر ملامحها في مجموع القصائد التي كتبها.
توديع الاحباب مثل الموت له سكره أدمى جروحي وشق الصدر منيّا
والقلب طيرٍ ضلــــــــوع الآدمي وكره لا شاقه الطلع لا سلّـــــم ولاحيّا

يلامس الشاعر فضاء الخيال كملامسة الطائر لغيمة والموجة لشاطئ، ولعل وصف أسلوب السهل الممتنع هو الأدق للتعبير عن تجربة متعب التركي الشعرية، فبرغم سلاسة وانسياب الأبيات الشعرية ووضوح المعنى غير أن تركيبة الجمل الشعرية وترابط المفردات مدهش ومؤثر ومن الصعوبة أن تَحل مفردة مكان أخرى:
يوم ساقوا ركايبهم وشبيت ضوّي ما تخوّفت وسباع الخلا لي تعاوى

إن تفحصنا البيت السابق سنتعرف على ثلاثة أنواع من الصور الشعرية، فجملة (يوم ساقوا ركايبهم) ترسم في الذهن صورة حركية لمشهد الراحلين وهم يسوقون إبلهم إيحاء بالرحيل والبعد، وجملة (شبيت تضوّي) صورة تستحضر لون النار وتوهجها، بينما جملة (وسباع الخلا لي تعاوى) صورة سمعية تستحضر أصوات سباع الليل وهي تتقاطع في أذن الشاعر. وبرغم كثافة الصور الشعرية في البيت السابق غير أن المتابع لتجربة التركي سيلاحظ عدم اعتماده الكبير على هذا الأسلوب، فالغالب على تجربة الشاعر الوضوح والمباشرة مغلفا وضوحه بعاطفة ملتهبة تؤثر سريعا في نفسية المتلقي:
السيل يبقاله على القاع مجرى
ويبقالك التذكار لو كنت فارقت
ما كل جرحٍ لاخذا أيام يبرى
بعض الجروح يزيد شرّه مع الوقت
هكذا هي لغة شاعرنا، تنساب بسلاسة الأفلاج، لا يحدّها جبل ولا يردّها جدار، تتعمّق في الأرض وتخرج منها بثورة جرح غائر:

مشكور يا بايع مشاعرك مشكـــــــور العام ذنب وهالسنه ذنب ثاني
وش عاد اقول ولا بقى شي مستور؟ ما طْعتني يوم ابتسم لي زماني
أو هذه الأبيات :
متى ذكرتيني على شان تنسين خليك مره صادقه وانصفيني
في وقت واحد تكرهين وتحبين انا تعبت استحملك واعذريني
حبٍ سرق من عمري أيام وسنين مثل الهوا ما يمسكنه يديني

لا يكتب شاعرنا إلا ما يحسّه، فقصائده تأتي انفعالية أكثر من كونها فكرية.. هو يترك لوجدانه حرية التعبير عن خفايا نفسه، عن همومه وآلامه لذا فقصائده لا تحتاج من القارئ إلى مكابدة فكرية لفهمها، هي لغته الحالمة وبوحه الشفّاف، الذي يأتي غاضبا ثائرا في بعض الأحيان كما في الأبيات التالية:
أحلى سنين العمر راحت هدايا
لك يا مجازي بالردى راعي الطيب
لي في حياتك ذكريات وخفايا
تبقى ولو باكر غزا راسك الشيب
والا الوفاء ماله بقلبك بقايا
عند الذي مثلك أظن الوفا عيب
وإن كانت تجربة شاعرنا تتميز بالمصارحة والمواجهة فإنها كذلك تتميز بلون الحكمة والبعد الديني، فمعظم القصائد تتضمن أبياتا تلخص حكمة تلتصق بالذاكرة من القراءة الأولى أو شذرات دينية تؤكد المعنى وتوضحه :
ما ينحسب عمر البنادم بالأعوام بعض السنين تعيش فيها ليالي
ومن الإضاءات الدينية:
مفتوح باب الرجى لو هب مليون ريح
والريح ما تاخذ الغرسه من عروقها
أو:
ضيقة الصدر لو بين المحاني تلوج كل ضيقه لْها عند الكريم انفراج

لقد ابتعد متعب التركي عن الساحة الإعلامية لأسباب شخصية غير أن شعره بقي حاضرا في قلوب عشّاقه ومحبيه الذين يتناقلون أبياته في المواقع الالكترونية بشغف وحماس ومتعة، فشعر تركي يستمد حيويته من اللغة الشعرية المتدفقة بانسيابية فاتنة وكذلك من عاطفته المتأججة في كل أركان القصيدة. إن العاطفة هي روح الشعر، وهذا ما تثبته تجربة متعب التركي. ولعلّ الأبيات القادمة خير من يعبّر عن شخصية شاعرنا منذ طفولته، يقول :
من كنت بأول خامسه طفلٍ صغير
كنت أمتلي حزن وغموض وكآبه
كنت أشعر إنِّي غير والمدرسه غير
هيمان في جو النبي والصحابه

ملاحظة : الأبيات الشعرية من مجموعة مختلفة من القصائد وهي منقولة من ديوان الشاعر متعب التركي بالموقع الشهير (أدب) الموسوعة العالمية للشعر العربي www.adab.com :

حمد الخروصي
twitter: @hamed_alkharusi

إلى الأعلى