الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / عندما يصبح الجسد قربانا للفن والوطن – منى الجمل سيالة نموذجا

عندما يصبح الجسد قربانا للفن والوطن – منى الجمل سيالة نموذجا

أجسادنا ووجوهنا ليست محصنة ،هي أحيانا تتواطأ ضدنا وأحيانا أخرى تكون سبيلنا الوحيد للخلاص والتعبير ،حاملة في طياتها الكثير من المعاني والرسائل لتظل فكرة. كيف سنقول دون أن نتكلم كيف نخرج المرفوض للعلن بنا نحن ؟ وهذا السؤال يحمل في طياته استبطانا لسؤال آخر أكثر واقعية ربما : كيف يرفض الجسد ما سلط عليه بنفسه كمادة وكمحمل وكأثر فني مستقل بذاته؟
او بالأحرى كيف للعاطفة نحو الجماعة أن تتبع تفكيرنا وتتقد تباينا بين مختلف أفراد المجتمع الواحد؟
كيف للفن ان يكون سبيلا للحفاظ على اختلافات أفراد مجتمع واحد دون أن يمس ذلك وحدته الأزلية؟
اجسادنا ووجوهنا تحكمها ثنائية أزلية لكل منا جسد ووجه هو هويته التي يتفاعل بها مع العالم الخارجي ومع ” الآخر” ولكن في المقابل لنا أيضا جسد ووجه لعالم باطني للمعنى العميق داخلنا وما يضج فيها ويسكنها مع هواجس وتفاعلات مع النفس والمجتمع والآخر وهذا الأخير عادة هو أثر بما أنه عادة ما يعبر أكثر فيصبح جسدا مؤثرا ومتفاعلا في كل مرة.
الوجه قربان للوطن
عندما يتطلب الأمر أن يخرج جسدنا وجهه الداخلي إلى الملأ فإن التعبير يصبح أصدق والمعنى أعمق ويصبح أثرا له ثقله في التأثير الذي يتركه لدى المتلقي، وبالتالي يصبح هناك حوار متقد بين الداخل والخارج فالجسد المحصن سيخترق بتعبيرات تأخذ من الرمز والنظر والمعنى والقلم والعين، سبلا لمعرفة أنفسنا والآخر.
يصبح الوجه (الجسد) قربانا للوطن والفكرة مع الفنانة التشكيلية التونسية منى الجمل سيالة حيث عمدت إلى هندسة الوجه البشري في مرحلة أولى للتعبير، استمدت معاني عملها الفني من قناعات وذوات الناس أطلقت للعيان حقيقة سكنت وجوه الآخرين زاوجت من خلال أعمالها بين فنين أولا الفعل التشكيلي على الوجه (الجسد) كمحمل وكفاعل وكأثر فني في حد ذاته حيث تدخلت بخط اسود من أعلى الجبهة إلى أسفل الذقن كتعبير عن رفض الانقسام والتفرقة التي هددت المجتمع التونسي بعد الثورة ،والتصوير الفتوغرافي من ناحية أخرى للاحتفاظ بالعمل الفني فجاءت الصور بالأبيض والأسود معبرة عن ملامح الشعب المختلفة.
أعمال زاوجت بين الذات والجسد والموضوع والمعنى والتعبير والدلالة ،زاوجت بين المرأة والرجل ،الصغار والكبار، بين المعتدل والمتدين ،بين الأبيض والأسود.. زاوجت بين دلالات مختلفة تبدو متناقضة للوهلة الأولى لكنها في الأصل متكاملة بهذا الاختلاف الممكن والضروري.
أعمال هي تألف بين الوعي والجسد،الوعي بالإشكاليات التي تهدد الأمن والسلم الوطني وجسد تحمل كثيرا وكبت أكثر وجاء الوقت لينطق بالمسكوت.
الفكرة والصورة مع الفنانة منى كسرت الحواجز حيث أصبح الجسد مادة وفكرة سمى بسموها وهذا يعد من أقوى مراحل التعبير والتوافق بين الفكر والجسد فلم يحضر هذا الأخير مغيبا في أعمالها وكمحمل فقط وحضوره ليس ابتخاسا لصالح علو الفكر، لكن الجسد (الوجه) حضر كحجر أساس للبناء فالمتأمل في تلك الوجوه مع اختلاف مستوياتها الثقافية والاجتماعية ومع كل تلك التباينات يرى بوضوح حضور الشخصية الموديل بكل ثقلها المسرحي فاختلفت النظرات والابتسامات والتعبيرات حضرت الذوات الحقيقية بفكرها المختلف لتقول جميعها لا للانقسام ،وذلك الخط المرسوم من أعلى الجبين إلى أسفل الذقن يقسم الوجه إلى نصفين كان نفس الخط يتكرر فوق بشرات مختلفة ومجتمعة في آن لترفض الانقسام بسبب لون أو طائفة دينية أو عرق أو إيديولوجيا سياسية.
الفن هنا في خدمة الفرد ومنه إلى المجتمع الفن هنا التزام تجاه الوطن فن مفاهيمي بالأساس يرتقي بالعلاقات الإنسانية فوق أي توجه سياسي بعينه يجبر أبناء وطن واحد على الانقسام للدفاع عن هذا وذلك ، ممارسة فنية تقول للعلن نعم لوحدة الصف رغم اختلافنا يجب ان يكون سبب وحدتنا وقوتنا وتكاتفنا حول المجتمع والوطن.
الرسالة الفنية في أعمال منى الجمل سيالة ضمنت في وجوه من الشعب فكانت رسالة منه وإليه كان الجسد محملا كتبت عليه وكان أيضا بدوره مشاركا بملامحه وتفاعلاته في الفعل فهل رأيتم أثرا فنيا طفلا؟ وآخر امرأة؟ هل شاهدتم يوما أثرا فنيا متدينا وآخر معتدلا؟ هل قابلكم يوما أثر فني ابيض وآخر اسمر ؟ هل فكرتم يوما انه يمكن للأثر أن يكون ذكرا أو عجوزا؟
وهل يمكن أن يكون هذا كله معا؟
يقول نيتشه”الجسد عقلك الكبير وهذا العقل الصغير الذي نسميه وعيا ،ليس سوى أداة صغيرة ولعبة في يد عقلك الكبير يمكن خلق أفكارك وأحاديثك لكائن أكثر نفوذا ،حكيم مجهول يسكنك انه جسدك”
ومن هنا نفهم أن الجسد أكثر حضورا للتعبير عن منطق وفكر وأكثر تأثيرا ، جسد متحضر يعبر فكرا ومعرفة ويخدم المجتمع ويتموقع داخل النسق الثقافي باعتباره يعكس نمط عيش اجتماعي وإنساني يتشاركه أبناء الشعب الواحد ويختلفون فيه عن غيرهم.
كل وجه فهم واستوعب عالمه وذاته وأصبح قادرا على إنتاج رموزه وتعبيراته وأصبح بالتالي فكره وهنا سأستحضر قولة أبو سعيد الخراز “مثل النفس مثل ماء واقف طاهر صاف، فإن حركته ظهر ما تحته من الحمأة .. وكذا النفس، تظهر عند المحن والفاقة والمخالفة. ومن لم يعرف ما في نفسه كيف يعرف ربه ؟!”بما معناه أن المحن والمخاطر هي التي تظهر حقيقة الفرد ومدى قدرته على فهم نفسه ومواقفه وقدرته على التفاعل مع مجتمعه فالأثر الفني هنا لدى الفنانة اجتماعي بالأساسي يتضمن فعلا فنيا ضمنيا يظهر للعيان على شاكلة جسد متحرر من التشابه استلم من جديد مفاتيح عقله بعد أن كانت ضائعة لسنين طوال فأصبح مركزا وبالتالي طرف دوره التوعية وأصبح الفن سبيله أم انه هو الأثر في حد ذاته؟
الأثر هنا سكن المجتمع ودخل البيوت وأحيانا أخرى طرق باب الفنانة ليتفاعل ولتمضي له على كونه أثرا ، تفاعل كبير من مختلف شرائح المجتمع مع الفكرة ، قابلية كبيرة لقول لا للانقسام ومنه لا لمنطق الأغلبية والأقلية.
وفي عمل آخر إضافة إلى مجموعة لا للانقسام أنجزت الفنانة تنصيبة أطلقت عليها اسم “وحلة المنجل في القلة” وهو مثل شعبي تونسي بما معناه الوقوع في مأزق صعب الخروج منه اعتمدت فيها منى الجمل سيالة صور فتوغرافية كالعادة لملامح وجه امرأة (وجه الفنانة) في مختلف حالاته النفسية وسط مكعبات بلورية فوق بعضها جاءت في شكل ثلاث أعمدة متفاوتة الطول تقول من خلالها الفنانة إن المرأة ستظل شامخة واقفة في مختلف حالاتها النفسية والاجتماعية التي تنعكس في تلك الملامح المختلفة وجاءت في مكعبات بلورية إشارة إلى أن من سيحاول إسقاط أو المس من وضعية المرأة داخل المجتمع التونسي سيتعرض لرد فعلها الذي سيكون قاسيا كوقع سقوط تلك المكعبات البلورية وما قد تتسبب به الأشلاء المكسورة من أذى له ، فوضعية المرأة التونسية لن تكون يوما هشة او مهددة بل ستواصل حضورها المتميز والمهم وستدافع بشراسة عن مكتسباتها وستعمل على تدعيمها ولعل حضور هذه الأعمدة واقفة في شموخ نحو الأعلى هو إحالة مجازية لمكانة المرأة بماهي عماد من أعمدة الشعوب ومساهم أول ودائم في تقدمها.
هذه الأهمية التي أخذها الجسد في هذا السياق ضمن هذه الأعمال الفنية الفتوغرافية إن صحت العبارة وهذه القدرة البالغة التي تضمنتها تلك الملامح والعيون والاختلافات في إبلاغ الفكرة وإيصال المعنى إنما تبرز تلك القيمة التي تكمن داخل الجسد وتعلنه وسيلة مثلى للتعبير والتبني فبمجرد رسم خط عمودي على هذا الوجه او تعبيره عن حالات نفسية مختلفة اخذ هذا الأخير دلالات فنية عميقة وإنسانية واجتماعية كبيرة .
لكن متى يعلن الجسد قصوره عن التفاعل والتأثير ؟
الجسد الانثوي والوضعيات المزيفة
تكمن الأهمية الدلالية لفهم تمثيلات الجسد الأنثوي خاصة في عين الآخر من خلال ثنائيتين ازليتين ألا وهما الحجب والكشف (اللاحجب) هذه الثنائية طفت على السطح داخل المجتمع التونسي بعد سقوط النظام الذي كان سائدا والذي منع ارتداء ما يسمى بالنقاب لمدة طويلة وبعد انهياره سارعت الكثير من النساء الى التعبير عن حريتهن بارتدائه ،هذه الحركة ألهمت الفنانة منى والتي تشتغل منذ مدة حول الظواهر الاجتماعية بعد الثورة وكل ممارساتها كانت تتحاور وتتجاور معها.
الجسد التونسي اليوم ليست له حقيقة واحدة فهو متعدد بما أن ظواهر عديدة قد انتشرت وفق قناعات متعددة ومختلفة ، فحضرت مفاهيم كالحجب فهل هذا الفعل يمكن أن يكون ممارسة من ممارسات الحرية ؟ هل الغطاء فعلا يستر ولا يغوي؟ هل الحجب حفاظ عن الهوية أم تغييب لها؟
العين وحدها كفيلة بالإجابة باعتبارها ستتمشى على هذا الجسد وحسب ما قرأته في أعمال هذه الفنانة التي استخدمت جسدها للتعبير كمحمل لأفكارها وتساؤلاتها ،حيث رسمت على وجهها وأخفته وكشفته باستعمال رمزية الأسود حيث العين على عكس ما قد يعتقد في الغالب قد تركز على الأماكن المحجوبة أكثر من غيرها لتكتشف وتضيف وتركب وتهندس وتحذف فالعلاقة بين الجسد والعين متغيرة وغير مستقرة ليست خطية ولا نمطية لا تعترف بالاتجاه الواحد ، بما معناه لا يمكن أن نجزم أن العين لن تتفاعل مع الجسد المحتجب بمجرد انه غير مكشوف وهذا ربما ما يبرر لنا دور العين أمامه فحالة الطمس أو الاخفاء تهدف إلى التخلص من كل خصوصية وهوية للجسد من خلال محو الصورة الخارجية له وهذا يجعله جسما هلاميا بدون تفاصيل أو هوية وهو كما تحدثنا سابقا لا تتوفر به ثنائية الداخل والخارج ولا يمكنه التعبير او بث خطابات ورسائل ذاتية تتفاعل مع المجتمع وتساهم في إثبات الذات للآخر بالتفاعل معه بما هو جسد يرى الحرية في الحجب هو عادة من يشعر بالجمال على نحو فردي .
هل يمكن اعتباره جسدا مزيفا؟ باعتباره يريد أن يلبس هوية غير التي يمتلكها في الحقيقة ؟ هي تساؤلات جائزة لكن الأهم أن تعالج وتقدم وفق طرح فكري فني وهو ما أقدمت عليه الفنانة بكل جرأة فحجبت وكشفت وبين الكشف والحجب يولد جمال .
أخذت هذا الجسد (اللا- شكل) وقامت بتوسيع مساماته لقوى العين بان تطمس وتظهر فتلقي عليه حينا مراسيم الجمع وأحيانا أخرى يصبح قابل للتصنيف الذاتي من يكشف الجمال هو الذي يراهن على الآخر ويرى الجسد مشتركا مع المدينة والفضاء العمومي هويته يكتسبها منه ،راوحت بين الهوية البصرية الحرة المميزة للجسد من ناحية وغيابها من ناحية أخرى في مجموعتها المصير.
بين الحجب والكشف تتراءى لنا المرأة بين الحقيقة والضبابية بين هوية واضحة المعالم وأخرى غائبة وهائمة. العين إذا لم تلتقط خيط الجسد بمميزاته وخصوصياته فهي لن تعجب أو تزدري هي لن تتفاعل وبالتالي سيصبح الوجود عدما.
منى الجمل سيالة تنبه في أعمالها إلى أن المرأة التونسية لن تكون كائنا لا مميزا منساقا في قطيع متشابه ،خاصة أن الهدف من الحجب لا يتحقق في الغالب بما أن العين (الآخر) لا يفرق حسب العديد من الدراسات في تحرشه بين الجسد المحتجب وغير المحتجب بل أثبتت الكثير منها أن الجسد المحتجب هو الأكثر عرضة للتحرش وللفت الانتباه بما هو شيء مرغوب التعرف عليه أكثر من غيره ،إضافة إلى ذلك استعملت الفنانة الأسود كأساس في تعاملها مع جسدها سواء بما ارتدته أو بما رسمته على وجهها ربما إجابة على سؤال ألا يجعل الرداء الأسود المرأة المنقبة مرئية بشكل كبير وفاضح وهي هدفها أن تكون غير مرئية ؟
ألا يعمق هذا الانطواء والغربة مع الذات ؟
هل اللحم هو ما يمثل هوية الكائن ؟ أليس مشتركا بين الجميع؟
منى الجمل سيالة ترى أن الأمر يختلف عن ذلك بكثير وما وصلني كقارئة لأعمالها هو ان وجود المرأة يكمن في أن تكون مميزة من خلال عينيها ملامحها الخاصة ،وجهها هو هويتها هو ذاتها لماذا تطمسه وتلغيه؟
سؤال الجسد هو سؤال جوهري في أعمال الفنانة هي ترفض أن يكون عضويا وترفض أن يهدد وجود المرأة وان تنمحي وتختفي في المجموعة بقدر ما يجب أن تبحث دائما على طرق مختلفة لتثبت ذاتها ككائن مستقل عن الآخر وتتكامل مع هذا الأخير بما هي مختلفة عنه.
لكن هذا الجسد المحتجب ألهم الفنانة ومكنها من ثنائيات تشتغل عليها (الحجب والكشف) ، وقضية تطرحها فنيا وفكريا ألا يعد هذا تواصلا وتفاعلا مع الآخر حتى وإن كان قد ألهمه لانتقاده ؟ هو سؤال أطرحه وأمضي.

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى