الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / إضاءات : مياه الوضوء.. هل من مستفيد؟

إضاءات : مياه الوضوء.. هل من مستفيد؟

المياه شريان الحياة… المياه مقياس حياة… المياه هبة من الله لبني الإنسان بل واكد الله جل جلاله على اهمية الماء وارتباطه بالحياة حينما قال في كتابه العزيز “وجعلنا من الماء كل شيء حي”ولكن هل منا من تفكر وسأل نفسه هل انا من المحافظين على الماء في استخداماتي اليومية وهل احث أفراد أسرتي كذلك وارشدهم عن كيفية المحافظة على المياه وترشيدها… وتبلغ كمية المياه السواد الاعظم من مساحة الكرة الارضية بنسبة 75% كما قدرتها الدراسات ولكن لو دققنا في الامر ببساطة نجدها غير متساوية بين الدول فهناك من الدول من تنعم بوفرة من المياه وأخرى تعاني شحا في ندرتها وقلتها وبعضها بين هذا وذاك… فنشر التوعية بأهمية ترشيد استخدام الماء في الوضوء امر ضروري، ولكنه ليس هو الحل الاوحد، فهناك طرق اخرى للاستفادة من ماء الوضوء وكذلك الحال بالنسبة للماء المتساقط من صنابير المغاسل في المساجد ودورات المياه، فالقطرة لها وزنها مع مرور الوقت ولهذا يجب على الإنسان المحافظة على موارد المياه بل واستحداث طرق بديلة لإعادة الاستفادة من المياه الرمادية (التي لا تختلط بمياه الصرف الصحي) على الوجه الامثل.
وتعتبر المساجد والجوامع من أكبر مستهلكي المياه العذبة سواء للشرب أو الغسل أو الوضوء، كما أن مياه الوضوء تعتبر من اقل المياه تلوثا بعد الاستعمال (المياه الرمادية) وهي التي لا تختلط بمياه الصرف الصحي حيث لا يستعمل في الوضوء آية مواد كيميائية وخلافه، فتصرف المياه نقية بعد الاستعمال لتخلط بالمياه الملوثة في الصرف الصحي (المياه السوداء) وتعتبر فكرة إعادة استعمال مياه الوضوء فكرة رائدة ولا تحتاج الى كبير جهد ومال حيث يتم عزلها الى خزانات منعزلة ومن ثم نقلها وإعادة استعمالها لري حدائق المسجد والاشجار المحيطة به… وحقيقة انه عند بحثي عن الموضوع عبر الشبكة العنكبوتية وجدت أن هناك دولا عربية سباقة في هذا المجال… والجمهورية اليمنية والمملكة الاردنية من الدول التي لها الاسبقية في الاستفادة من مياه الوضوء… وفي السلطنة وجدت أن هناك حراكا خلال فترة ما بل وعممت الفكرة على جامع معين ولكن لماذا لم تعمم في جميع الجوامع ؟؟؟ نسلط الضوء هنا هذا الموضوع لتبيان المزيد من الحقائق وطرحها للقارئ الكريم.
ندرج اولا إلى السلطنة حيث صمم باحثون من جامعة السلطان قابوس نظاماً لإعادة تدوير مياه الوضوء لسقي حديقة مسجد. وتعد مياه الوضوء من “المياه الرمادية”، لأنها لا تختلط بمياه الصرف الصحي التي تعد من “المياه السوداء” ويعمل النظام من خلال مرور ماء الوضوء أولاً بطبقة من الرمل لتصفية المواد الصلبة، ثم بطبقة من الكربون المنشَّط لإزالة الروائح، وبعدها بمضخة كلور لإبادة الجراثيم. وتتجمع المياه المعالجة في خزان أرضي متصل بنظام ري بالمرشات.. ويعتبر هذا النظام أرخص بكثير من أنظمة معالجة المياه الرمادية المستوردة من الدول الصناعية الغربية ،كما ان كلفت صيانته السنوية زهيده جدا مقارنة بعمره الافتراضي للمرشح هو عشر سنين… وكما علمت فالنظام مطبق في مسجد حمد بن حمود في ولاية السيب، ويعالج زهاء ألف ليتر من المياه يومياً، ويزداد هذا المقدار في أيـام الجمعة وخلال شهر رمضان. وتبلغ سعته الإجمالية أربعة أمتار مكعبة، وهي كافية لاستيعاب زيادة الاستخدام في المستقبل.ومن المتوقع أن يؤدي انتشار هذا النظام في دول الخليج وبقية البلدان الإسلامية الى إحداث طفرة بيئية، لأن هذه المناطق تقع في الحزام الجاف وشبه الجاف وتعاني من شح المياه.
وفي صنعاء، بالجمهورية اليمنية، يعتمد في بعض المساجد نموذج فريد للاستفادة من ماء الوضوء الذي كان يهدر عادة، إذ يعاد استعماله في ري الحدائق التراثية. ومن خلال برنامج المبادرة الاقليمية للطلب على المياه (WaDImena) بات المجتمع اليمني قادراً على ري أكثر من 45 حديقة كانت ذابلة في ما مضى.المشروع الذي بدأ في عام 2006 يهدف الى تشجيع المحافظة على المياه الجوفية في مدينة صنعاء القديمة اعتماداً على ممارسات تقليدية أصيلة لاستغلال مورد مائي بديل. وقد ساعد ذلك أيضاً على تعزيز الأمن الغذائي والتخفيف من حدة الفقر في المدينة.واستخدام مياه الوضوء في الري لم يكن مألوفاً في العالم الاسلامي. لكن اليمن كانت استثناءً فريداً. وقد بدأت هذه الممارسة بمبادرة الأثرياء اليمنيين الى التبرع بحدائق تراثية تدعى “مقاشم” ويقع كل منها بجانب مسجد يمدها بمياه الوضوء. يضخ الماء الى المسجد من إحدى الآبار. ويتولى البستاني المسؤول عن المقشمة تصريف مياه الوضوء الى بركة، ومنها تنساب في قنوات ري الى الحديقة المجاورة. هكذا كانت ادارة مياه الوضوء من مسؤولية البستاني، الذي كان يحصل على الماء مجاناً مقابل الخدمات التي يؤديها للمسجد ولكن منذ سبعينيات القرن الماضي تدهور وضع المياه الجوفية في أنحاء اليمن وعانت الحدائق من جفاف وتلوث بالنفايات، وفقدت غالبيتها دورها التقليدي في إمداد المساجد والمناطق المجاورة بالمياه، مما أدى في أحيان كثيرة الى توترات اجتماعية.وقد نجح فريق مشروع WaDImena الذي يضم باحثين ومهندسين وطلاباً جامعيين أن يشرك المجموعات المعنية بالحفاظ على المقاشم والمياه، بمن فيهم البستانيون وشيوخ العشائر وسكان الجوار وبلدية صنعاء ووزارة الأوقاف ووزارة المياه والبيئة. وأطلقت حملة توعية حول مشروع ري المقاشم بمياه الوضوء، الذي تم تنفيذه في صنعاء وبات انموذجاً يقتدى به ليس في اليمن فحسب بل والعالم العربي ايضا.
استعرضنا في هذا المقال محاولة السلطنة اليتيمة في مجال الاستفادة من مياه الوضوء وعسى ان تعمم الفكرة فى باقي المساجد والجوامع لاسيما الكبرى منها والاستفادة من تجربتي الجمهورية اليمنية في هذا المجال ونستخلص ان السبب الرئيسي لظهور هذه الفكرة هو ضرورة الاستفادة من كمية الماء المستخدمة في الوضوء من قبل المصلين، وهو امر يحتاج الى وقفه جادة من قبل القائمين على شؤون المساجد بوزارة الاوقاف والشؤون الدينية، وفي وزارة البلديات الاقليمية وموارد المياه. فالفكرة ضرورية لايجاد حلول ناجعة اكثر فعالية، للحد من الماء المهدر في دورات المياه واماكن الوضوء في المساجد، ومن ذلك بايجاد مناطق خضراء حول المساجد والاستفادة من هذا الماء في ريها،وتقليل إهدار ماء الوضوء. كلها افكار لو طبقت لرأينا بساتين وحدائق خضراء حول مساجدنا. فدور العبادة يجب ان تكون اماكن مهيئة نفسيا للعبادة ليس داخل المسجد فقط بل وحتى بالخارج من خلال احياء المناطق المحيطة بالمسجد وجعلها عوامل جذب للكبير والصغير… فمساجدنا يجب ان تكون انعكاسا لجمال ديننا الحنيف.

ناصر بن سلطان العموري
abusultan73@gmail.com

إلى الأعلى