الأربعاء 16 أكتوبر 2019 م - ١٧ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الموازنة جاءت بأفضل الحلول

الموازنة جاءت بأفضل الحلول

”الفارق بين الواردات والإنفاقات يمثل عجزًا قدره حوالي ثلاثة 3 مليارات ريال بنسبة 35% من الإيرادات العامة ونسبة 12 بالمائة من الناتج المحلي، لكن رغم ارتفاع نسبة العجز عن المعروف إلا أنها مقارنة بالناتج المحلى تعتبر ضمن المستويات المنخفضة وفق المؤشرات الدولية، لكن تعمل الحكومة على تخفيضه نظرًا لتراكمه للعام الثالث على التوالي، وسيكون ذلك من خلال النفاذ إلى أسواق الدين العالمية،”

جودة مرسي

اعتقد ان ميزانية هذا العام هي الميزانية الأكثر شهرة والتي كان ينتظرها الكثيرون ليعرفوا كيف ستؤول الأمور من مصروفات ومشاريع وخطط في ظل هذا الوضع العالمي المتأزم نتيجة تدهور اسعار النفط .. ألا انه وبعد اعلان الموازنة كانت المفاجأة سعيدة ومبهجة للمواطنين اطمأنوا خلالها على المستقبل القريب وان السلطنة كعادتها تسير للأمام باتزان وعقلانية تحسد عليها وتبحر بمركب المستقبل متخطية كل العواصف لتستمر مسيرة النهضة المباركة إلى الأمام برعاية حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
وفي قراءة للموازنة نجد انه ورغم العجز المتوقع والمقدر بثلاثة مليارات ريال، تحمل الموازنة العامة للسلطنة في السنة المالية 2017 معها نقاطا غاية في الأهمية يجب إبرازها، تتمثل في زيادة الإيرادات عن ذي قبل، وخفض الإنفاقات، وانخفاض نسبة العجز عن العام السابق وكيفية تمويله، وبقاء مستوى التضخم عند مستوى متدن، ووضع سعر تقديري لبرميل النفط أقل من المتوفر على الساحة حاليًّا، إضافة إلى زيادة رقعة مشاركة القطاعات غير النفطية في الناتج القومي الإجمالي.
فعلى مستوى الإيرادات تم تقدير جملتها بمبلغ 8.7 مليار ريال بزيادة 18% عن الإيرادات الفعلية المقدرة لعام 2016م، وهو ما يعني تحسنا تدريجيا في نمو الإيرادات بعدما فقدت الخزينة العامة للدولة خلال عامي 2015 و2016م حوالي 11.7 مليار ريال، منها أكثر من 67% من الإيرادات النفطية في 2016 مقارنة بمستواها في 2014م.
الإنفاق العام في السلطنة للعام المالي الجديد تم تقديره بنحو 11.7 مليار ريال منخفضًا عن إنفاق 2016 بنسبة 2% والمقدرة بحوالي 200 مليون ريال، بما يعني استمرار الحكومة الرشيدة في مراجعة وتخفيض الإنفاق الاستهلاكي وغير الضروري ورفع كفاءة الإنفاق العام وضمان استدامته، مع حفز النمو والتشغيل، وبما لا يؤثر على استقرار المستوى المعيشي للمواطنين.
الفارق بين الواردات والإنفاقات يمثل عجزًا قدره حوالي ثلاثة 3 مليارات ريال بنسبة 35% من الإيرادات العامة ونسبة 12 بالمائة من الناتج المحلي، لكن رغم ارتفاع نسبة العجز عن المعروف إلا أنها مقارنة بالناتج المحلى تعتبر ضمن المستويات المنخفضة وفق المؤشرات الدولية، لكن تعمل الحكومة على تخفيضه نظرًا لتراكمه للعام الثالث على التوالى، وسيكون ذلك من خلال النفاذ إلى أسواق الدين العالمية، وذلك بتمويل 84% من العجز عن طريق الاقتراض الخارجي بالدولار الأميركي وإصدار سندات دولية وصكوك وقروض تجارية مجمعة وهو ما يجني للسلطنة 2.5 مليار ريال، في المقابل سيتم تمويل باقي العجز والمقدر بنصف مليار ريال عبر السحب من الاحتياطي النقدي.
ربما تقودنا عملية تمويل العجز المالي إلى قضية التضخم، حيث تهدف السلطنة إلى بقاء معدله عند المستويات الأدنى في العالم، حيث بلغ 1.85% العام الماضي، ومن المتوقع ألا يتجاوز 2.8% في 2017، وهي نسبة يمكن تداركها بقفزات نمو سريعة تمرست السلطنة على تحقيقها خلال الأعوام الماضية، وتسعى الحكومة إلى الحفاظ على ثبات العملة المحلية مقابل العملات العالمية، وخفض نسبة مساهمة الاحتياطي النقدي في سداد العجز بحوالي 16% مقابل 28% العام الماضي، وهما شرطان يضمنان عدم تمدد التضخم.
وضعت الموازنة سعر تقديري لبرميل النفط حوالي 45 دولارا وهو أقل من المتوفر على الساحة حاليًّا والذى يتخطى 50 دولارًا للبرميل الواحد، وهو مؤشر جيد جدا، ففي مطلع العام الماضي وصل النفط العماني إلى 24 دولارًا فقط وهو أدنى مستوى، ورغم ذلك تمكنت الحكومة من توفير التمويل اللازم للإنفاق وتحقيق نتائج جيدة، أخذًا في الاعتبار حجم التحديات التي واجهتها، لكن العام الجاري بدأ العمل بالموازنة والسعر العالمي المطروح يتخطى الموجود بالموازنة وربما يزيد بعد التزام السلطنة بقرار أوبك المتعلق بخفض الإنتاج لرفع السعر العالمي، بما يعني أن عوائد النفط ربما تسهم كثيرًا في خفض العجز طالما أنها تزيد على 45 دولارا.
بالتطرق إلى القيمة المضافة من القطاعات غير النفطية في الناتج القومي الإجمالي، نجد أنها تتزايد عاما بعد عام فبعد أن كانت 12% تضاعفت 25% العام الجاري، فمن بين الإيرادات المقدرة بالموازنة نجد حصيلة النفط والغاز 6.11 مليار ريال بنسبة 70% من إجمالي الإيرادات، بينما الإيرادات غير النفطية بنحو 2.59 مليار ريال بنسبة 30% من إجمالي الإيرادات، وتعمل الحكومة في خطتها للعام الجديد على تعزيز برامج التنويع الاقتصادي ودعم القطاعات الإنتاجية لتوفير 13 ألف فرصة عمل، بجانب عدد من الإجراءات الضريبة المتوقع صدوره خلال هذا العام، وتعديل بعض رسوم الخدمات، فضلا عن ضوابط تخصيص الأراضي والإعفاءات الضريبية والجمركية، وتشجيع القطاع الخاص للاستثمار في قطاعات السياحة والزراعة والصناعة.
الموازنة جاءت بأفضل الحلول لخلق تنمية مستدامة في ظل ضغط الإنفاق وتراجع الإيرادات، وهي في مجملها جيدة جدا وتحمل قدرا كبيرا من التوازن والعقلانية، بخلاف الطموح والنمو، كما أنها عبارة عن خطة مستقبلية ربما يكون الالتزام بحوالي 90% منها دافعا لتخطي التحديات التي تحيط بالأداء المالي والاقتصادي نتيجة انخفاض أسعار النفط.

إلى الأعلى