السبت 29 فبراير 2020 م - ٥ رجب ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / فراغ وليس إعادة تشكيل

فراغ وليس إعادة تشكيل

”لا يعني الفراغ أن المنطقة خالية من القوى صاحبة الرغبة في النفوذ، لكنه نفوذ محكوم بعاملين يسهمان بشكل رئيسي في هذا التردي الذي وصلت إليه الأمور فيها في العقد الأخير. العامل الأول والأهم هو فك الارتباط الأميركي مع المنطقة ـ والعالم بدرجة أو بأخرى ـ ما خلق فراغا حقيقيا كانت تسده القوة العظمى بغض النظر عن نتائجه (وغالبا ما كانت في غير صالح الأطراف المحلية والإقليمية).”

د.احمد مصطفى

منذ استعادة الجيش السوري السيطرة على حلب بمساعدة القوات الروسية في سوريا والتحليلات متصلة حول مقولة “روسيا تعيد تشكيل المنطقة”، خاصة بعد تقارب موسكو وأنقرة وعلاقة روسيا بإيران وأيضا اسرائيل. والسمة الرئيسية لتلك التحليلات هي أن روسيا أصبحت جامعة لخيوط القوى الإقليمية الثلاث: تركيا واسرائيل وايران. ولا تخلو بعض تلك الآراء من مقولة مثل “روسيا حلت محل الولايات المتحدة في المنطقة” أو ما شابه. ومع توجه السلطة الشرعية في ليبيا، وجيشها الوطني، إلى روسيا طلبا للدعم لمواجهة الجماعات الإرهابية والمتشددة ومحاولة بعض الأطراف اليمنية استقدام دور روسي في أزمة البلد تكتسب تلك المقولات والتحليلات قدرا كبيرا من القدرة على اقناع الجماهير.
أما إن المنطقة في طور إعادة تشكيل، فلا يبدو أن هناك خلافا كبيرا حول ذلك. بل ربما كانت المنطقة، كجزء من العالم، تمر بما يمر به العالم كله من إعادة تشكيل منذ نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. صحيح أن منطقتنا بها ما بها من عوامل ذاتية واقليمية تجعلها تختلف إلى حد ما عن بقية المناطق في العالم إلا أنها تظل بؤرة تقاطعات دولية حتى في حالات ضعفها. ولا يتعلق الأمر بالنفط ووجوده فيها، فقد تراجعت أهميته بعض الشيء كدينامو الاقتصاد العالمي الرئيسي، ولا حتى كونها مهد الأديان السماوية ومخزن التراث الإنساني التاريخي. إنما تلعب الجغرافيا دورا مهما في كون المنطقة ساحة صراع ونفوذ بغض النظر عن دورات الحضارات وعن “النظام العالمي” السائد في أي مرحلة.
أما إن روسيا تعيد تشكيل المنطقة، ففي الأمر مبالغة شديدة لا تقلل من أهمية الدور الذي تلعبه روسيا ولا تعاظم جهدها في تحقيق مصالح لها وكسب نقاط في العلاقات الدولية. فما كان مستغربا أبدا، في ظل ما فعله الأميركيون وحلفائهم في المنطقة بدءا من باكستان وأفغانستان وليس انتهاء بالعراق، أن تفكر دولة حتى مثل كوريا أو البرازيل في التدخل في المنطقة ومحاولة تحقيق مصالحها وفرض نفوذها. بالطبع هذا مثال فيه شطط، إنما حين يتعلق الأمر بروسيا التي ما زالت ـ في جزء منها ـ تفكر وتتصرف على أساس أنها “قوة عظمى سابقا” أو الصين التي تبرز كقوة عالمية جديدة فمن المنطقي أن تجد في منطقتنا فرصة. يساعد على ذلك جو الفراغ الرهيب الذي لا تملأه حتى القوى الإقليمية مثل إيران وتركيا أو اسرائيل.
لا يعني الفراغ أن المنطقة خالية من القوى صاحبة الرغبة في النفوذ، لكنه نفوذ محكوم بعاملين يسهمان بشكل رئيسي في هذا التردي الذي وصلت إليه الأمور فيها في العقد الأخير. العامل الأول والأهم هو فك الارتباط الأميركي مع المنطقة ـ والعالم بدرجة أو بأخرى ـ ما خلق فراغا حقيقيا كانت تسده القوة العظمى بغض النظر عن نتائجه (وغالبا ما كانت في غير صالح الأطراف المحلية والإقليمية). ورغم أن فك الارتباط الأميركي يعني بالضرورة ترتيب مصالح أميركا والغرب عبر وكلاء محليين واقليميين إلا أن تضارب مصالح هؤلاء الوكلاء زاد من حدة الفراغ الذي خلفه الانسحاب الأميركي. ويتضح ذلك جليا من تقلبات الجانب التركي في صراعات المنطقة من تحالف مع الخليج إلى تقارب مع إيران واتفاق مع موسكو وتغيير الأطراف التي يدعمها والتي يحاربها في سوريا أساسا والعراق بدرجة ما.
ليس العامل الثاني ببعيد عن الأول، بل ربما كان مرتبطا به بشدة. ذلك ببساطة هو استمرار القوى المحلية في المنطقة في التفكير والتصرف بذات الطريقة التي لا تأخذ في الاعتبار التغيرات التي تطرأ على مواقف القوى الدولية. فما زلنا نريد طرفا دوليا يكون “99 في المئة من أوراق اللعبة بيده” كما كان الرئيس المصري الراحل أنور السادات يقول عن أميركا في الصراع العربي الاسرائيلي. ويكفي أن تلقي نظرة على إعلام القوى المؤيدة للمعارضة السورية المسلحة لتدرك حجم الكارثة، فما زال هؤلاء ينددون بالموقف الأميركي الذي لم يسعفهم في تخليصهم من نظام الحكم في دمشق. وهذا مثال على بقية المواقف للأطراف المحلية في المنطقة، ولعل الموقف من جماعات الإرهاب (بجناحيها المسلح والسياسي) المسماة “الإسلام السياسي” يعد مثالا آخر على استمرار الاعتماد على “تدخل” الآخرين. فتقييم فترة حكم الرئيس الأميركي باراك أوباما على مدى ثماني سنوات تقاس في منطقتنا بمدى دعمه لجماعات مثل الإخوان أو تردده في دعمها بقوة.
إذا، هذا الفراغ لم يخلفه انسحاب الأميركيين من دور فاعل ونشط في المنطقة فحسب بل أيضا اعتماد الجميع في المنطقة على دور خارجي. وهذا ما تملأه روسيا بدرجة أو بأخرى، مستفيدة ايضا من وكلاء محليين واقليميين ترتب علاقاتها معهم حسب الحاجة وفي مقدمتهم إيران وتركيا واسرائيل. وليس هنا في الأفق ما يبشر بأن أي من العاملين سيتغير كثيرا في المستقبل المنظور، فلا الاميركان يفكرون في دور نشط فعال ولا القوى المحلية في المنطقة مستعدة للمبادرة بدون اعتماد على الخارج. وربما لهذا السبب لا يمكن القول بأن روسيا “تعيد تشكيل” المنطقة ..

إلى الأعلى