الأحد 26 فبراير 2017 م - ٢٩ جمادي الأولي١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / العدالة فى مجال علاقات الأفراد على الصعيد الدولي (1 ـ 5)
العدالة فى مجال علاقات الأفراد على الصعيد الدولي (1 ـ 5)

العدالة فى مجال علاقات الأفراد على الصعيد الدولي (1 ـ 5)

أشرف وفا محمد: الإسلام عقيدة عالمية قابلة للتطبيق فى كل مكان وزمان وأهل الذمة يعتبرون ممن يشملهم التمتع بالمواطنة والجنسية الزواج ليس هو الذى يكسب المواطنة وإنما هو الاسلام والتزام احكامه والإقامه بداره

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان (العدالة فى مجال علاقات الأفراد على الصعيد الدولى) .. للاستاذ الدكتور أشرف وفا محمد رئيس قسم القانون الخاص بجامعة السلطان قابوس.
استهل الباحث بحصه قائلاً: نتناول فى هذه الورقة العلمية دراسة بعض الجوانب العلاقات وروابط الأفراد على الصعيد الدولى أو ما اصطلح على تسميته بالعلاقات الخاصة الدولية وهى العلاقات التى تقوم بين الأفراد على المستوى الدولى والتى ينظمها فى الوقت المعاصر (القانون الدولى الخاص) فى مختلف الدول، وهذا القانون يشمل: الجنسية من حيث اكتسابها وفقدها واستردادها، والمركز القانونى للأجانب، وتنازع القوانين من حيث تحديد القانون الواجب التطبيق، وتنازع الاختصاص القضائى وآثار الأحكام الأجنبية، وسوف نتطرق لبعض الجوانب التى تتعلق بالجنسية وتنازع القوانين فى كل من القانون والشريعة لبيان أوجه العدالة المبتغاة فى تنظيم العلاقات الخاصة الدولية.
موضحاً بقوله: واذا كان اصطلاح (القانون الدولي الخاص) هو المعتمد فى الوقت المعاصر للدلالة على العلاقات الخاصة الدولية فإن الفقه الاسلامى لم يعرف هذه التسمية, وقد استخدم الفقهاء المسلمون اصطلاحات أخرى مثل:(أحكام أهل الذمة)، و(أحكام أهل الملل) وفي المذهب الإباضي تم استخدام عبارة:(في أحكام ملل أهل الشرك والأصنام)، ومن الأمور التى اعتد بها الاسلام مسألة إقامة علاقات دولية، مع الدول والشعوب الأخرى، وهو المشار إليه في قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات ـ الآية 13).
المبحث الأول: العدالة فى مجال الجنسية
يقول الباحث: ترجع قواعد الجنسية فى الدول العربية الى عهد الخلافة العثمانية ، حيث كانت جزءاً منها والتي كانت تحكمها قواعد الشريعة الاسلامية ويقتضى منا ذلك ان نلقى الضوء على مدلول فكرة الجنسية وفقا لاحكام الشريعة الاسلامية، ومن المعروف ان الاسلام يعتبر عقيدة عالمية قابلة للتطبيق فى كل مكان وزمان, ووفقاً لاحكام الشريعة الاسلامية لا توجد ادنى تفرقة بين المسلم الذى يقطن ديار الاسلام وبين المسلم المقيم فى دولة اجنبية حيث وضعت الشرعية الاسلامية القاعدة الاساسية التي تقضى بالاخوة بين المؤمنين (إنما المؤمنون اخوة)، وعلى عكس ما تقوم عليه الجنسية فى المفهوم المعاصر من تصنيف الافراد الى وطني واجنبي بالنظر للانتساب الى دولة ما فان الاسلام يقيم التفرقة بين الناس على اساس العقيدة لا غير والالتزام باحكام الاسلام وتامل فى ذلك قوله تعالى:(هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير).
وقال: وقد قسم الفقهاء المسلمون العالم الى قسمين: دار حرب ودار اسلام، فدار الاسلام: يقصد بها البلاد التي تكون محكومة بواسطة حكام من المسلمين وتحت سيادتهم وذلك بغض النظر عما اذا كان بها مسلمون ام لا واذا كان الاصل فى اهل دار الاسلام ان يكونوا مسلمين الا ان ذاك لا يمنع من ان يكون بين سكانها افراد على غير ملة الاسلام، كما هو الحال بالنسبة للذميين، أما دار الحرب (البلاد الاجنبية) وهي تلك الدار التي لا يكون للمسلمين عليها سلطان وتكون محكومة من قبل حكام من غير المسلمين ولا تطبق فيها بالتالى احكام الاسلام وينطبق هذا الوصف على تلك البلاد حتي ولو وجد بها اقلية مسلمة اذ تعتبر فى هذه الحالة ديارا اجنبية طالما انها لا تخضع لحكم الاسلام غير ان المسلمين فيها يحملون جنسية دار الاسلام.
تنظيم قواعد الجنسية
مشيراً الى أنه قد وجدت عدة آراء حول تنظيم قواعد الجنسية بواسطة الفقه الاسلامي: فهناك من ينكر وجود فكرة الجنسية فى الشريعة الاسلامية حيث يرون ان (فكرة الجنسية ذاتها غير قائمة فى الاسلام باعتبار انه دين ينهض على اساس العقيدة العالمية التي لا تقبل مثل هذا الحاجز السياسي والقانوني)، وهناك من يرى ان الجنسية نظام معروف فى الشريعة الاسلامية ولكنه يقتصر فقط على المسلمين, فالمسلم فى ديار الاسلام هو الذى يتمتع بالجنسية الاسلامية وهذه الجنسية تستند فى واقع الامر الى العقيدة الاسلامية ذاتها لذلك فانه يتمتع بها كذلك من يقيم فى الديار الاجنبية من المسلمين اذا قدموا الى ديار الاسلام، وهناك رأي ثالث: وهو الاولي بالقبول، يقر بوجود فكرة الجنسية فى الشريعة الاسلامية وعلى خلاف الراى السابق لا يقتصر التمتع بها على من يقطن الديار الاسلامية من المسلمين وانما يتمتع بها كذلك طوائف اخري من غير المسلمين.
مؤكداً بقوله: ان فقهاء المسلمين يقسمون الاشخاص القاطنين فى ديار الاسلام الى طوائف ثلاث: فهناك من يدين بدين الاسلام وهؤلاء لاخلاف على تمتعهم بالمواطنة والجنسية الاسلامية، وهناك طائفة الذميين المقيمين اقامه دائمة فى ديار الاسلام، ووفقاً لهذا الرأي فان افراد هذه الطائفة يتمتعون بالمواطنة والجنسية الاسلامية اذ ان (أساس الجنسية فى دار الاسلام اعتناق الاسلام او التزام احكامه فمن اعتنق الاسلام فهو مسلم ومن التزم احكام الاسلام ولم يسلم فهو ذمى واساس الجنسية فى دار الحرب هي انكار الاسلام وعدم التزام احكامه)، وهكذا فإنه وفقاً لهذا الرأي فإن أهل الذمة يعتبرون ممن يشملهم التمتع بالمواطنة والجنسية الاسلامية فى ديار الاسلام, ويرجع السبب فى ذلك الى عقد الذمة المبرم بين الذمي وولي الامر حيث ان الذمي بمقتضى هذا العقد يلتزم بدفع الجزية مقابل ان تكفل له الدولة الاسلامية الامان والحماية وبالتالى فانه من الطبيعي ان يكون من اهل ديار الاسلام، وأما الطائفة الثالثة فهي طائفة المستأمنين وتشمل الاجانب الذين يفدون الى دار الاسلام بغرض الاقامه المؤقتة فيها, كما اذا كان ذلك لطلب العلم او للتجارة او للسياحة، والمستأمن يقابل الاجنبي فى المصطلح الحديث وهو لا يعتبر من مواطنى الدولة الاسلامية, ولكن هذا لا يحول دون امكانية تمتعه ببعض الحقوق التي يتمتع بها من يحملون الموطنة والجنسية الاسلامية شريطة ان يقر له القانون ذلك صراحة كحقوق تمنحها الدولة لغير مواطنيها.
وقال: واذا كنا قد ذكرنا ان الجنسية فى الشريعة الاسلامية تقوم على اساس اعتناق الاسلام او التزام احكامه فانه يترتب على ذلك ان تتغير تلك الجنسية اذا تغير الاساس الذى تقوم عليه, فالمستأمن الذى يعتبر من الاجانب تتغير جنسيته باعتناق الاسلام او بالدخول فى ذمة المسلمين والتزام احكام الاسلام، ويشترط فى هذه الحالة ان يكون الاجنبي مقيما فى دار الاسلام اما اذا اعتنق الاسلام فلا تلزم اقامته فى دار الاسلام حتى يتمتع بالمواطنة والجنسية الاسلامية ويرجع ذلك كما سبق لنا القول الى انه لا توجد تفرقة بين المسلم المقيم فى ديار الاسلام والمسلم المقيم فى الدول الاجنبية، كما ان جنسية ومواطنة المسلم والذمي تتغير بتغير الاساس الذى تقوم عليه: فتتغير جنسية المسلم بالردة وتتغير جنسية الذمي بعدم التزامه احكام الاسلام وبالاقامة الدائمة فى الدول الاجنبية.
منوهاً بقوله: ان الزواج يجعل الزوجة تابعة للزوج مع ملاحظة انه لا يؤدي وحده الى تغير المواطنة، فالزواج ليس هو الذى يكسب المواطنة وانما هو الاسلام والتزام احكامه والاقامه بداره، فاذا تزوج مسلم او ذمي من اجنبية غير مسلمة لا تلحق به الزوجة فى جنسيته الا اذا دخلت دار الاسلام، واذا تزوج المسلم من حربية فاسلمت تغيرت جنسيتها بالاسلام دون حاجة لانتقالها الى بلد اسلامي, واذا تزوج المستامن فى دار الاسلام من ذمية فلا يصير ذميا بزواجها ولا تصير هي بزواجه اجنبية الا اذا رضى هو ان يقيم فى دار الاسلام اقامه دائمة فيصير ذميا والا اذا هاجرت هي مع زوجها الى بلد اجنبي (دار الحرب) ولا يؤثر تغير جنسية الزوج المسلم على جنسية المرأة فالمسلم اذا ارتد صار حربيا ولا يؤثر ذلك على جنسية زوجته الا اذا ارتدت مثله، وفيما يتعلق بجنسية الاولاد نجد ان الاولاد غير المميزين يتبعون جنسية ابويهم اذا قام هؤلاء الاخيرون بتغيير جنسيتهم مع ملاحظة ان الاولاد يتبعون جنسية الوالدين فقط فى الحالة التي يكون فيها التغيير من جنسية ادني الى جنسية اعلي والجنسية الاسلامية هي العليا لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم):(الاسلام يعلو ولا يُعلى) وعلى ذلك فانه اذا كان التغيير من الموطنة والجنسية الاسلامية الى مواطنة أو جنسية اخري كما اذا ارتد الزوجان المسلمان فلا يتبع الاولاد القصر جنسية الوالدين.
.. وللحديث بقية الاسبوع القادم.

إلى الأعلى