الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة: التَّقلِيدُ العَقِيمُ آفَةُ المُجتَمَعَاتِ

خطبة الجمعة: التَّقلِيدُ العَقِيمُ آفَةُ المُجتَمَعَاتِ

الإِسْلامَ جَاءَ لِطَيِّ صَحَائِفِ التَّبَعِيَّةِ العَمْيَاءِ وفَتْحِ آفاقِ الحُرِّيَّةِ والاستِقْلالِيَّةِ، فَبَنَى حَضَارَةً انْطَلَقَتْ إلَى كَافَّةِ أَرْجَاءِ المَعْمُورَةِ تَنْشُرُ الخَيْرَ وَالسَّلامَ ****************************************** المُؤْمِنَ يَسْعَى إِلَى فِكْرٍ مُتَّزِنٍ مُسْـتَقِـلٍّ ويدرك أَنَّ العِلْمَ مِفْتَاحُ اسْـتِقْلالِ الفِكْرِ وَاتِّزَانِ التَّصَوُّرِ ********************** الانْفِتَاحَ الثَّقَافِيِّ فِي عَالَمَ اليَوْمِ، وَتَعَدُّدَ وَسَائِلِ الاتصال لا يَعْـنِي أَنْ يَتَّبِعَ المَرْءُ الطُّرُقَ المُتَشَعِّـبَةَ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ دَرْبَهُ وَفْقَ مَنْهَجِ رَبِّهِ
**********************************
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، خَلَقَ الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَأَرْشَدَهُ بِالوَحْيِ الحَكِيمِ إِلَى نَبْذِ التَّقْـلِيدِ العَقِيمِ، وَأَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، شَرَعَ مِنَ الدِّينِ مَا يَدْعُو إِلَى استِقْلالِ الفِكْرِ وَاتِّبَاعِ السُّـلُوكِ القَوِيمِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ سَيِّدُ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، نَهَى عَنِ التَّبَعِيَّةِ العَمْيَاءِ، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ الجَزَاءِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَـيا عِبادَ اللهِ :
اتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُوهُ، وَدِينَهُ القَوِيمَ فَاتَّبِعُوهُ، فَفِي ذَلِكَ العِزَّةُ وَالكَرَامَةُ، يَقُولُ سُبْحانَهُ : ” إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ” ، وَاعْـلَمُوا أَنَّ الإِسْلامَ جَاءَ لِطَيِّ صَحَائِفِ التَّبَعِيَّةِ العَمْيَاءِ وفَتْحِ آفاقِ الحُرِّيَّةِ والاستِقْلالِيَّةِ، فَبَنَى حَضَارَةً لَهَا عَقَائِدُهَا وَأَفْكَارُهَا، وَقِيَمُهَا وَمَوَازِينُهَا، وَمُثُلُهَا وَأَخْلاقُهَا، فَانْطَلَقَتْ إلَى كَافَّةِ أَرْجَاءِ المَعْمُورَةِ تَنْشُرُ الخَيْرَ وَالسَّلامَ، وَتُخْرِجُ النَّاسَ مِنْ ظُلُماتِ الجَهْـلِ إلَى نُورِ الإِسْلامِ، فَمَا أَتَمَّهُ مِنْ دِينٍ وَمَا أَعظَمَهَا مِنْ رِسَالةٍ! قَالَ تَعَالَى:” الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ”
إِنَّ رِسَالَةَ الإِسْلامِ تَسْـتَنْهِضُ العُقُولَ، وَتُرَبِّي المَرْءَ عَلَى حُرِّيَّةِ الفِكْرِ، وَاسْـتِقْلالِ الإِرَادَةِ، وَتُوَجَّهُ سُلُوكَهُ فَتُحَرِّرُهُ مِنْ أَغْلالِ التَّقْلِيدِ، وَسَيْطَرَةِ التَّبَعِيَّةِ العَمْيَاءِ، وَلِذَا نَجِدُ فِي نُصُوصِ الكِتَابِ وَالسُّـنَّةِ حِرْصًا عَلَى تَرْسِيخِ قِيَمِ الاسْـتِقْلالِ فِي السُّـلُوكِ وَالفِكْرِ، إِمْعَانًا فِي إِعْلامِ المُسْـلِمِينَ بِأَنَّ اسْـتِقْلالِيَّـتَهُمْ مَبْدَأٌ مِنْ مَبَادِئِ الدِّينِ، كَيْفَ لا؟ وَالمُتَأَمِّـلُ لِكِتَابِ اللهِ يَجِدُ ذَمَّ التَّذَبْـذُبِ بِاعْـتِبَارِهِ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ المُنَافِقِينَ، قَالَ تَعَالَى:” مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ” . إنَّ الانْفِتَاحَ الثَّقَافِيِّ فِي عَالَمَ اليَوْمِ، وَتَعَدُّدَ الوَسَائِلِ الإِعْلامِيَّةِ، وَسُهُولَةَ الاتِّصَالِ وَالتَّوَاصُلِ، لا يَعْـنِي أَنْ يَتَّبِعَ المَرْءُ الطُّرُقَ المُتَشَعِّـبَةَ، وَالأَفْكَارَ وَالرُّؤَى المُتَبَايِنَةَ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ دَرْبَهُ، وَفْقَ مَنْهَجِ رَبِّهِ ” قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ”
إِخْوَةَ الإِيْمَانِ :
لَقَدْ حَذَّرَ الإِسْلامُ الحَنِيفُ مِنَ التَّقْلِيدِ الأَعْمَى، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى:” وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ” ، فَمَسْـلَكُ التَّقْلِيدِ الأَعْمَى يَنْفِي احْـتِرَامَ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ، وَتَقْدِيرَ الذَّاتِ الإِنْسَانِيَّةِ، فَالمُقَلِّدُ يُعَطِّلُ عَقْلَهُ الَّذِي وَهَبَهُ اللهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ يَذُوبُ فِي شَخْصِيَّاتِ الآخَرِينَ وَأَفْكَارِهِمْ، وَهَذَا هُوَ الإِمَّعَةُ الَّذِي لا هُوِيَّةَ لَهُ وَلا شَخْصِيَّةَ، يَقُولُ المُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم : ((لا يَكُنْ أَحَدُكُمْ إِمَّعَةً؛ يَقُولُ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنْتُ وَإِنْ أَسَاؤُوا أَسَأْتُ، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاؤُوا فَلا تَظْلِمُوا))، فَمَا بَالُ بَعْضِ النَّاسِ يَتَّخِذُونَ التَّقْلِيدَ لَهُمْ مَنْهَجًا، وَالتَّبَعِيَّةَ طَرِيقًا وَمَسْـلَكًا؟ أَمَا يَرْغَبُونَ فِي اسْتِقْلالِ شَخْصِيَّاتِهِمْ؟ أَمَا يُحِبُّونَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ كِيَانُهُمْ وَإِبْدَاعُهُمْ؟ لِمَاذَا يُعَطِّـلُونَ عُقُولَهُمْ وَيَدفِنُونَ قُدُرَاتِهِمْ؟ وَإِنْ شِئْنَا لَهُمُ اللَّومَ وَالعِتَابَ، فَإِنَّا عَلَى يَقِينٍ أَنَّ وَرَاءَ مَسْـلَكِهِمْ دَوَاعِيَ وَأَسْبَابًا، لَعَلَّ مِنْ بَيْنِهَا الفَرَاغَ، وَغِيَابَ القُدْوَةِ، وَقِلَّةَ الوَعْيِ الفِكْرِيِّ، وَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ تَعْرِفُ حَيَاةُ المُؤْمِنِ طَرِيقَ الفَرَاغِ، وَإِيْمَانُهُ يَدْعُوهُ إِلَى اغْتِنَامِ أَوقَاتِهِ، وَتَنْمِيَةِ أَفْكَارِهِ؟ أَمْ كَيْفَ تَغِيبُ عَنْهُ القُدْوَةُ الصَّالِحَةُ وَرَبُّهُ يَقُولُ لَهُ: ” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ” فَالاقتِداءُ بِأَهْـلِ الخَيْرِ وَالصَّلاحِ سَبَبُ الفَوْزِ والفَلاَحِ، وسَبيلُ الظَّفَرِ والنَّجَاحِ، وَهُوَ مِنْ مُقْـتَضَياتِ العَقْلِ الرَّشِيدِ وثَمَرَاتِ الفِكْرِ السَّدِيدِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ :
إِنَّ المُؤْمِنَ وَهُوَ يَسْعَى إِلَى فِكْرٍ مُتَّزِنٍ مُسْـتَقِـلٍّ، يُدْرِكُ تَمَامَ الإِدْرَاكِ أَنَّ العِلْمَ مِفْتَاحُ اسْـتِقْلالِ الفِكْرِ وَاتِّزَانِ التَّصَوُّرِ، فَالجَاهِلُ مُضْطَرٌّ إِلَى التَّقْلِيدِ، مُفْتَقِرٌ إِلَى الاتِّباعِ الدَّائمِ، لَيْسَ لَهُ مِنَ العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ مَا يُوَضِّحُ لَهُ السَّبِيلَ وَيَهْدِيهِ الطَّرِيقَ، أَمَّا الرَّجُلُ الوَاعِي فَيَسْعَى إِلَى المَعْـلُومَةِ مِنْ مَصَادِرِها، وَيَطْلُبُ العِلْمَ مِنْ مَظَانِّهِ، حَتَّى يُكَوِّنَ لَهُ حَصِيلَةً عِلْمِيَّةً، وَرَصِيدًا ثَقَافِيًّا، يُكْسِبُهُ استِقْلالاً فِي الفِكْرِ، وَيَمْـنَحُهُ ثِقَةً بِالنَّفْسِ وَقُدْرَةً عَلَى اتِّخَاذِ قَرَارِهِ فِي أَحْـلَكِ الظُّرُوفِ وَالمَوَاقِفِ، ” أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ” نَعَمْ ، تَجِدُ صَاحِبَ العِلْمِ مُستَقِلَّ الفِكْرِ، وَاثِقَ الخُطَى، لا يَكْتَرِثُ لِلأَرَاجِيفِ، وَلا يَلْتَفِتُ إِلى الشَّائِعَاتِ، لا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَسَلُ المُتَخَاذِلِينَ، وَلا حَمَاسَةُ المُنْدَفِعِينَ، وَلا غُلُوُّ المُتَنَطِّعِينَ، يَضَعُ نُصْبَ عَيْـنَيْهِ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ؛ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ))، وَيَسْـتَضِيءُ فِي اجْـتِهَادِهِ وَهِمَّـتِهِ بِهَدْيِ المُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم حِيْنَ قَالَ: ((اسْـتَعِنْ بِاللهِ وَلا تَعْجِزْ)).
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ ، وَاجْعَلُوا عُقُولَكُمْ قَائِدًا نَحْوَ الحَقِيقَةِ وَالصَّوَابِ، نَائِيًا بِكُمْ عَنْ كُلِّ مَا فِيهِ شَكٌّ وَارتِيَابٌ، وَارْبَؤُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ مَزَالِقِ التَّقْـلِيدِ وَالهَوَى، وَعَلَيْكُمْ بِالعِلْمِ وَالتَّبَصُّرِ، فَإِنَّ المُؤْمِنَ الحَقَّ لا تَغُرُّهُ المَظَاهِرُ وَالشِّعَارَاتُ، إِنَّمَا غَايَتُهُ الجَوْهَرُ وَالمَضْمُونُ، وَمَا فِيهِ الخَيْرُ وَالمَنْفَعَةُ.
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
*** *** ***
الحَمْدُ للهِ ذِي العِزَّةِ وَالجَلالِ، أَمَرَ بِالهُدَى وَالرَّشَادِ، وَنَهَى عَنْ مَسَالِكِ الغَوَايَةِ وَالضَّلالِ، وَأَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، وَخَيْرُ قُدْوَةٍ لِخَلْقِ اللهِ أَجْمَعِينَ، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ التَّقلِيدَ دُونَ تَفْكِيرٍ ورَوِيَّةٍ يَحُولُ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَسُلُوكِ الطُّرُقِ الصَّحيحَةِ السَّوِيَّةِ؛ إذْ إنَّ الإِنْسَانَ العَاقِلَ الرَّشِيدَ هُوَ مَنْ يَتَبَصَّرُ فِي الأُمُورِ ويَزِنُهَا بِكُلِّ دِقَّةٍ، شِعَارُهُ ” صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ” ، يُدْرِكُ أَنَّ مِنَ الخَطَرِ بِمَكَانٍ أَنْ يَمِيلَ النَّاسُ إِلَى المُحَاكَاةِ وَالتَّقْلِيدِ، وَيَحْجُبُوا عُقُولَهُمْ عَنِ التَّفْكِيرِ الرَّشِيدِ، إِنَّهُ البَلاءُ المُفْضِي إِلى الخُسْرَانِ وَالرَّدَى،” وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ “، وَلِلأَسَفِ الشَّدِيدِ تَنَوَّعَتْ مَسَالِكُ التَّقْلِيْدِ وَالاتِّبَاعِ وَتَعَدَّدَتْ، فَهَذَا يُقَلِّدُ العَاصِينَ فِي طَرِيقِهِمُ الشَائِنِ، وَذَاكَ تَرَاهُ يَسْـلُكُ مَسْلَكَ الغُلُوِّ فِي الدِّينِ مُتَّبِعًا سَبِيلَ أَصْحَابِ الأَهْوَاءِ وَالضَّلالِ المُبِينِ، مُتَنَاسِيًا قَوْلَ رَبِّ العَالَمِينَ ” قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ” ، وَإِذَا أَرَدتَ العَجَبَ فِي مَسَالِكِ المُقَلِّدِينَ فَانْظُرْ إِلَى أَمْرِ النَّفَقَاتِ مَثَلاً، فَالْعَاجِزُ وَمَنْ لَيْسَتْ عِنْدَهُ مَقْدِرَةٌ يَلْتَزِمُ الإِسْرَافَ وَالتَّبْذِيرَ مُجَارَاةً لِلأَغْنِيَاءِ القَادِرِينَ، أَوْ تَقْـلِيدًا لِلمُسْرِفِينَ المُبَذِّرِينَ، إِنَّهُ تَحْمِيـلٌ لِلذِّمَةِ مَا لا يَسْـتَطِيعُ، وَمَا لاَ يَرْضَاهُ العَاقِلُ الأَرِيبُ.
فَاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ -، وَانْبِذُوا هَذَا الطَّبْعَ الذَّمِيمَ، فَإِنَّ فُقْدَانَ القُدْرَةِ عَلَى التَّحَكُّمِ بِالذَّاتِ والانْجِرافَ وَرَاءَ التَقْلِيدِ الأعْمَى يُخَلِّفُ رُكَامًا هَائِلاً مِنَ الضَّعْفِ والوَهْنِ والتَخَلُّفِ، فَعَلَيْـنَا أَنْ نُحَارِبَ التَّقْـلِيدَ العَقِيمَ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مَرْضَاةً للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
هَذَا وَصَلُّوْا وَسَلِّمُوْا عَلَى إِمَامِ الْمُرْسَلِيْنَ، وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِيْنَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيْمًا:” إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ”
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، فِي العَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِيْنَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَعَنْ المُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُوْمًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُوْمًا، وَلا تَدَعْ فِيْنَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُوْمًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوْفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَستَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنفُسِنَا طَرفَةَ عِينٍ، وَلاَ أَدنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ، وَأَصلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالْحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الْحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوفِيقِكَ، وَاحفَظْهُ بِعَينِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاء وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا في ثِمَارِنَا وَزُرُوْعِنَا وكُلِّ أَرزَاقِنَا يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ.
رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، َالْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيْعٌ قَرِيْبٌ مُجِيْبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ: ” إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ “.

إلى الأعلى