الإثنين 26 يونيو 2017 م - ١ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فتاوى وأحكام
فتاوى وأحكام

فتاوى وأحكام

في وسط ما نراه الآن من انفتاح في العلاقات وما يراه الشباب في التلفزة ووسائل الإعلام، ما الذي يجب على الآباء فعله لأبنائهم مع دخولهم سن المراهقة وحدوث تغيرات نفسية وفسيولوجية؟

في هذه الحالة يجب على الآباء قبل كل شيء قبل هذه المرحلة أن يهيئوا أولادهم لهذه المرحلة بالتربية الصحيحة السليمة من بداية نشوءهم وذلك أن يغرسوا فيهم تقوى الله تبارك وتعالى والتعلق بالله عز وجل وذلك من خلال سلوك الأبوين نفسه، فإن سلوك الأبوين كما قلت ينعكس على نفسية الأولاد، فعندما ينشا الولد وهو يرى الأب يتقزز من الأمور المنكرات، ويرى الأم تتقزز من الأمور المنكرة، ويرى كل واحد منهما حريصاً على الطهر والعفاف والنزاهة، يرى كل واحد منهما يغض بصره عن الحرام ، ويحرص على تجنب مسالك الغي والضلال فإنه ولا ريب ينشأ هذا الطفل وهو يُعظّم القيم ويُجل الأخلاق، ينشأ على حب الأخلاق الكريمة، وينشأ على تقدير القيم السامية، ومن ذلك أيضاً أن يكون الأبوان ملتزمين للصدق متجنبين للكذب حريصين على الحلال في قوتهما وفي كل شيء فإن هذا مما ينعكس أثره على الطفل، فإذا جاء إلى هذه المرحلة ـ مرحلة المراهقة ـ وكان الأبوان بهذا القدر فإنه ولا ريب هو يحرص أيضاً على تجنب ما عساه أن تُرميه إليه نفسه ويقوده إليه شيطانه.
ومن الضرورة بمكان والعالم كما قلنا أصبح الآن شبه قرية ، والإنسان وهو في داخل بيته في عقر داره وبين جدران حجرته يغزوه غزو عالمي يقتحم عليه الحواجز، ويتخطى السدود، ويلج إلى داخل البيوت بدون استئذان فمن هنا كانت الضرورة إلى البرمجة التي تجعل الأولاد لا يشاهدون ولا يسمعون مما يبث ومما يعرض من خلال الشاشات عبر التلفاز أو شبكات المعلومات أو غيرها إلا ما فيه تهذيب للأخلاق وسمو بالنفس وتربية للضمير وإرهاف للحس بحيث لا يُرخى العنان هكذا لينظر الأولاد ما يشاءون وليتأملوا ما يريدون فإن عاقبة ذلك عاقبة خطيرة على الأولاد أنفسهم وعلى مجتمعهم ، فالأب في هذه المرحلة يجب عليه أن يكون حساساً يراقب أولاده بدقة ، كذلك بالنسبة إلى الأم أيضاً عليها أن تكون حساسة وهي العين الناظرة عندما يكون الأب غائباً فعليها أن تتقي الله في أمانتها وأن تراقب هؤلاء الأولاد، أن تراقب أفلاذ الأكباد مراقبة دقيقة لئلا يقعوا فيما لا تحمد عاقبته.

كيف يكون التصرف في مثل هذه المراقبة لأن علماء النفس وعلماء التربية يقولون أن الشاب إذا وصل إلى سن المراهقة وكذلك الفتاة فإن تغيرات فسيولوجية ستكون في حياتهما فيكون بينهم وبين الوالدين صراع حول القيم والمبادئ فلا يكون هناك انسجام ، فإذا كانت هناك مراقبة شديدة من الوالدين للشاب الذي يكون في سن المراهقة فإنه سينفر منهما وسيذهب إلى أصدقاءه في الخارج ، فكيف تكون المراقبة؟

على أي حال هذا أمر يجب أن يوضع له أساس من قبل ، كما ذكرت أولاً يجب على الأبوين كليهما أن يمهدا للتربية في هذه المرحلة بالتربية فيما قبل هذه المرحلة.
وينشأ ناشئ الفتيان منا
على ما كان عوّده أبوه
ينشأ الولد على ما عوده عليه أبوه ، وعلى ما عودته عليه أمه ، فإن نشأ هذا الولد وهو يسمع الكلام الطيب من أبويه ويرى السلوك الطيب منهما ويرى الصورة المثلى في سلوكهما ويشدانه أيضاً بحديثهما إلى السلف الصالح فإنه ولا ريب تتهيأ نفسه لكل خير، ومن المعلوم أن كل واحد من الأبوين له أثر لكن الأم هي المدرسة الأولى:
الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت جيلاً طيب الأعراق
الأم هي المدرسة الأولى، الأم جديرة بأن تعرف كيف تربي أولادها، ونحن نرى في التاريخ كما قيل وراء كل عظيم امرأة كيف استطاعت الأمهات الصالحات أن يربين أولادهن على الصلاح وعلى الطهر وعلى النزاهة وعلى حب الخير ، ومن خير الأمثلة التي تدل على ذلك قصة عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله تعالى عنه ـ التي ربته أمه، وأمه هي بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكما ذكرنا اختيار المحضن الصالح للأولاد أمر مهم، هذه المرأة لها تاريخ صالح جدها أبو أبيها عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وأمها كان لها تاريخ عند عمر كان لها شأن فعمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ كان في أثناء الليل يجوب طرق المدينة لينظر أحوال الناس ويكتشف ما عسى أن يقوم بإصلاحه من المنكر والفساد فلذلك كان يحرص على أن يجوب طرق المدينة في الليل ويتحسس أحوال الناس فبينما هو في ليلة من الليالي يمر إذا به يسمع صوت امرأة تقول لابنتها: امذقي اللبن. أي اخلطي اللبن بالماء ليكثر هذا اللبن ولترتفع قيمته. فقالت لها: إن أمير المؤمنين نهى عن ذلك . فقالت لها: ومن أين أن يعلم أمير المؤمنين بشأنك، فردت عليها بأنه إن لم يعلم هو فربه هو العليم بذلك هو الذي لا تخفى عليه خافية، فأعجب بمنطق هذه الفتاة وسأل عنها بعد ذلك وهل هي مشغولة أو غير مشغولة أي هل متزوجة أو غير متزوجة، فتبين له أنها غير متزوجة فأمر ابنه عاصماً أن يتزوجها، وقال: أرجو أن تلد من يملأ الأرض عدلاً بعد أن تملأ جوراً، فولدت لعاصم ابنتها وهذا الابنة تزوجها عبد العزيز بن مروان، وعبد العزيز هو معلوم من الأسرة الأموية الحاكمة هو أخو عبدالملك بن مروان وكانت هذه الأسرة بلغت من الطغيان مبلغاً عظيماً، وبعد هذا كله ولد عمر بن عبدالعزيز من ابنة تلكم الفتاة التي توسم عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فيها الخير، فلما ولد نشأ على تربية أمه وكانت تغذيه بسيرة جدها العظيم عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وتحدثه بمآثره وسلوكه ومواقفه فكان لذلك أثر كبير عليه، ولذلك عندما شب عشق سيرة عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وعندما أفضى إليه الأمر حرص على أن يطبق هذه السيرة وكان كما قال عبدالله بن الأهتم، وكان عبدالله بن الأهتم من ضمن الذين وفدوا على عمر بن العزيز بعدما ولي الخلافة ولما دخل عليه لم يستأذنه وإنما وقف بين يديه خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي صلى الله عليه وسلّم وصلى عليه ثم قال: أما بعد فإن الله خلق الخلق غنياً عن طاعتهم آمناً لمعصيتهم وهم في المنازل والرأي مختلفون، والعرب بِشر تلك المنازل، تستباح دونهم لذات الدنيا ورفاهتها حيهم أعمى وميتهم في النار، فلما أراد الله إكرامهم بعث الله إليهم رسولاً من أنفسهم عزيز عليه ما عنتوا حريص عليهم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فلم يمنعهم ذلك أن جرحوه في جسمه ولقبوه في اسمه .. إلى أن ذكر ما ذكر، ثم ذكر بعد ذلك ما كان بعده (صلى الله عليه وسلّم) من سيرة الخلفاء الراشدين، ثم أشار إلى الانحراف الذي حصل ثم قال: ثم إنك يا عمر ابن الدنيا ولدتك ملوكها وألقمتك ثديها، فلما وُليّتها ألقيتها حيث ألقاها الله، وآثرت ما عند الله، فالحمد لله الذي جلا بك حوبتها ، وكشف بك كربتها ، فامض ولا تلتفت فإنه لا يغني عن الحق شيء. هكذا سار عمر هذه السيرة مع إنه ابن الملوك الذين ودوا بحب الدنيا، وهو نفسه عمر رضي الله عنه نشأ في بيئة فيها الترف إلا أن تربية أمه هي التي ارتفعت به عن الهبوط في دركات ذلك الترف إلى أن عشق سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وحاول أن يعكسها في حياته ، فإذا هكذا تربية الأم.
فالأب إذاً عندما يمهد لهذه المرحلة بحسن التربية، والأم تمهد لهذه المرحلة بحسن التربية من أول الأمر بحيث يغرسان العقيدة الصحيحة والقيم الرفيعة في أولادهما منذ بداية الأمر منذ بداية التعقل والفهم والإدراك لا ريب أن ذلك مما يجعلهما قادرين بعد ذلك على التحكم فيما يطرأ على أولادهما من العواطف الجياشة ومن أسباب الخلاف في مرحلة المراهقة ليتجاوزا هذه المرحلة بسلام إن شاء الله.

يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة

إلى الأعلى