الأحد 25 أغسطس 2019 م - ٢٣ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (وعلّمناه صُنعة لبوسٍ لكم)

(وعلّمناه صُنعة لبوسٍ لكم)

وجه الله عزوجل خلقه للعمل في جميع المجالات بالعلم والمعرفة والبحث والفكر والقدرة العقلية لا تتحقق الصناعة الا بارتقاء الانسان بقدراته وكفاءته, وبتنمية ذاته فكرياً وخلقياً
إعداد ـ علي بن عوض الشيباني:
أيها القراء الأعزاء: سخر الله سبحانه وتعالى للإنسان منافع الأرض, وكائناتها الموجودة فيها على اختلاف أنواعها, وأتاه من القوة الفكرية والطاقات العقلية ما جعله يستنبط العلوم المختلفة, ويستخرج المنافع المتعددة, يقول الله تعالى:(ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض), وعلى الانسان أن يذكر نعم الله سبحانه وتعالى عليه, التي بسطها له في هذا الكون , منها ما يستعين بها في صناعته, ومنها ما يقتات بها في معيشته, ومنها ما يأوي إليها في سكنه, (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم).
الصناعة عصب الحياة
إخوتي وأخواتي في الله: من نعم الله تعالى على عباده أن هيأ لهم خيرات الأرض والسماء للصناعة والنماء, والصناعة عصب الحياة, وسر التقدم والازدهار, وعنوان الحضارة, وسبب من أسباب الرخاء للوطن والمواطن, فبالصناعة تتحقق التنمية في البلاد, ويعم الرخاء على العباد, ولقد أودع الله عزوجل في فجاج الأرض وفي هذا الوطن العزيز خامات الصناعة المختلفة, ومواردها المتنوعة, ثم وجه عزوجل خلقه للعمل في جميع مجالاتها بالعلم والمعرفة والبحث والفكر والقدرة العقلية, يقول الله ـ جلّ وعلا:(وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين). وقال تعالى:(هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها), إنه عمل صالح ونافع, عمل يعمر الأرض ويحقق الرخاء للوطن والمواطن, والاسلام يقدر العمل ويعترف بفضل الرجل الصانع المحترف, يقول النبي (صلى الله عليه وسلم):(إن الله يحب العبد المحترف)، ولقد حارب الاسلام فكرة الانقطاع عن الدنيا بنصوصه المتعددة, والتي حثت على العمل, قال تعالى:(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون), فالاسلام لا يعرف المؤمن إلا كادحاً عاملاً, مؤدياً دوره في الحياة, آخذاً منها معطياً لها, كان سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ إذا أثنى على رجل أمامه ومدح لديه, يسأل: هل له من حرفة؟ فإن قالوا: نعم, قال أصبتم المدح, وإن قالوا: لا حرفة له, قال: ليس بذاك, إذا مهنة العامل الصناعي, الذي يجول بين العجلات, ويعمل بين المحركات, فينتج ويصنع الآلات هو وغيره من الصناع, ليسوا في الواقع كمية مهملة, بل هم بناة الوطن, حركتهم عبادة, وأعمالهم طاعة, وعرق جهدهم مكتوب عند الله لأنهم يعملون لأنفسهم ولغيرهم, فعن عبدالله بن عمر أن رجلا جاء الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله, أي الناس أحب الى الله؟ قال:(أحب الناس الى الله أنفعهم للناس).
صناعة الأجداد
إخوة الاسلام: الانسان عضو عامل في جسم الوطن, ودم يجري في عروقه , يمده بالقوة والحركة والنماء, فهو إذا زرع أحسن, وإذا صنع أتقن, وإذا تاجر برع, وهو في كل جانب من جوانب الحياة حاذق مجيد, فقد كان أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) زرّاعاً وتجّاراً وصنّاعاً متقنين, وكان أجدادنا صنّاعاً محترفين, وتجّاراً ناجحين, وزرّاعاً ممتهنين, ولكن الذين انصرفوا عن صناعة الأجداد, ولم يطوروها, أصبحوا عالة على المجتمع, ولبنات هزيلة في بنائه, ويحدثنا القرآن الكريم عن ذي القرنين الذي صنع سداً منيعاً, قال تعالى:(قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما، آتوني زبر الحديد حتى اذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله ناراً قال آتوني أفرغ عليه قطرا، فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا)، فإن بناء المصانع والمدارس والسدود والمنشآت سهل ومقدور عليه إذا برزت العزائم القوية, وخلصت النية, وأصلحت الطوية, وذلك مع وجود الخامات, وقد لفت الاسلام نظر الانسان, ووضع يده على أهم المعادن, ألا وهو الحديد, الذي يعتبر العمود الفقري للصناعة, يقول الله تعالى:(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس)، ولم يكتف القرآن الكريم بلفت نظر الانسان الى أهمية الحديد كمعدن له أهميته في الصناعة على اختلاف تخصصاتها , بل قدم للإنسان أيضا نموذجا من القدوة الحسنة في الصناعة, ألا وهو نبي الله داود عليه السلام, يقول الله سبحانه وتعالى:(وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون).
جد وإخلاص
إخوتي واخواتي في الله: لا تتحقق الصناعة الا بارتقاء الانسان بقدراته وكفاءته, وبتنمية ذاته فكرياً وخلقياً, ليصبح صانعاً صالحاً, متقناً محترفاً, قادراً على استخدام الموارد بكفاءة, وعلم ودراية, والله سبحانه وتعالى أراد أن يقدم لعباده صورة مشرقة من العاملين, من أفضل خلقه, وهم رسل الله ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, فقد عملوا بجد وإخلاص, وكان لكل رسول منهم صنعة أو حرفة يقتات منها, ويطعم أهله من دخلها, ومن أجل ذلك كان حظهم من الصناعة حظا وافرا, فها هو سيدنا نوح عليه السلام كان نجّاراً يصنع السفن كما أمره ربه بقوله: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون). وسليمان ـ عليه السلام ـ كان خياطاً, ورسولنا محمد (صلى الله عليه وسلم) كان راعيا للغنم, وعاملا في تجارة خديجة ـ رضي الله عنها.
فاعلموا أيها الأعزاء أن العامل الكادح والصانع المحترف الذي يسخر الآلة بخبرته له الثواب العظيم والأجر الجزيل في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
* إمام وخطيب جامع السلطان قابوس الأكبر

إلى الأعلى