الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / رسول الله منّة الله إلى البشرية (1)

رسول الله منّة الله إلى البشرية (1)

رسول الله منّة الله إلى البشرية (1) نعمة الهداية للاسلام أكبر نعمة والرسول منّة عظمى ونعمة كبرى أخبر عنها سبحانه بعثة الرسول إحسان إلى كل العالمين لأن وجه الإحسان في بعثته كونه داعياً لهم

محمد عبدالظاهر عبيدو:
أنعم الله تعالى على الإنسان بنعم لا حصر لها، فما زال كل واحد منا يتقلب في نعم الله وفضائله، فهو سبحانه من أنعم علينا بالسمع والبصر حين حُرمها كثير من الناس، وأنعم علينا بالعقل والصحة والمال والأهل، بل سخر لنا الكون كله بشمسه وسمائه وأرضه ومخلوقاته:(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها) (النحل ـ 18)، ولكن كل هذه النعم تنتهي بانتهاء حياتنا القصيرة.
أكبر نعمة
أما النعمة الوحيدة التي تثمر السعادة والطمأنينة في الدنيا ويمتد أثرها إلى الآخرة، فهي نعمة الهداية للإسلام، وهي أكبر نعمة أنعم الله بها على عباده, وهذه النعمة جاءنا بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومن هنا فالرسول (صلى الله عليه وسلم) منة عظمى ونعمة كبرى أخبر عنها ربنا بقوله سبحانه وتعالى:(لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) (آل عمران ـ 164)، يقول الإمام القرطبي في تفسيره:(بين الله تعالى عظيم منته عليهم ببعثه محمداً (صلى الله عليه وسلم)، والمعنى في المنة فيه أقوال: منها أن يكون معنى (من أنفسهم) أي: بشر مثلهم، فلما أظهر البراهين وهو بشر مثلهم علم أن ذلك من عند الله، وقيل: من أنفسهم منهم، فشرفوا به (صلى الله عليه وسلم) فكانت تلك المنة، وقيل: من أنفسهم ليعرفوا حاله ولا تخفى عليهم طريقته، وإذا كان محله فيهم هذا كانوا أحق بأن يقاتلوا عنه ولا ينهزموا دونه، وقرئ في الشواذ (من أنفسهم (بفتح الفاء: يعني من أشرفهم لأنه من بني هاشم، وبنو هاشم أفضل من قريش، وقريش أفضل من العرب، والعرب أفضل من غيرهم، ثم قيل: لفظ المؤمنين عام ومعناه خاص في العرب لأنه ليس حي من أحياء العرب إلا وقد ولده (صلى الله عليه وسلم) ولهم فيه نسب إلا بني تغلب فإنهم كانوا نصارى فطهره الله من دنس النصراني، وبيان هذا التأويل قوله تعالى:(هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم)، وذكر أبو محمد عبد الغني قال: حدثنا أبو أحمد البصري حدثنا أحمد بن علي بن سعيد القاضي أبو بكر المروزي حدثنا يحيى بن معين حدثنا هشام بن يوسف عن عبد الله بن سليمان النوفلي عن الزهري عن عروة عن عائشة ـ رضي الله عنها: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم قالت: هذه للعرب خاصة، وقال آخرون: أراد به المؤمنين كلهم، ومعنى من أنفسهم أنه واحد منهم وبشر ومثلهم، وإنما امتاز عنهم بالوحي، وهو معنى قوله:(لقد جاءكم رسول من أنفسكم) وخص المؤمنين بالذكر لأنهم المنتفعون به، فالمنة عليهم أعظم، قال الواحدي: للمن في كلام العرب معانٍ، أحدها: الذي يسقط من السماء وهو قوله:(وأنزلنا عليكم المن والسلوى) (البقرة 57)، وثانيها: أن تمن بما أعطيت وهو قوله:(لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) (البقرة ـ 264)، وثالثها: القطع وهو قوله:(لهم أجر غير ممنون ) (فصلت ـ 8)، (وإن لك لأجرا غير ممنون) (القلم ـ 3)، ورابعها: الإنعام والإحسان إلى من لا تطلب الجزاء منه، ومنه قوله:(هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك)) ص ـ 39)، وقوله:(ولا تمنن تستكثر)، والمنان في صفة الله تعالى: المعطي ابتداء من غير أن يطلب منه عوضا وقوله:(لقد من الله على المؤمنين) أي: أنعم عليهم وأحسن إليهم ببعثه هذا الرسول.
المنّة بالمؤمنين
ومن هنا فإن بعثة الرسول إحسان إلى كل العالمين، وذلك لأن وجه الإحسان في بعثته كونه داعياً لهم إلى ما يخلصهم من عقاب الله ويوصلهم إلى ثواب الله، وهذا عام في حق العالمين لأنه مبعوث إلى كل العالمين، كما قال تعالى:(وما أرسلناك إلا كافة للناس) )سبأ ـ 28) إلا أنه لما لم ينتفع بهذا الإنعام إلا أهل الإسلام، فلهذا التأويل خص تعالى هذه المنة بالمؤمنين، ونظيره قوله تعالى:(هدى للمتقين) (البقرة ـ 2)، مع أنه هدى للكل، كما قال:(هدى للناس) (البقرة ـ 185)، وقوله:(إنما أنت منذر من يخشاها) (النازعات ـ 45)، وقال أبو جعفر الطبري: يعني بذلك: لقد تطول الله على المؤمنين (إذ بعث فيهم رسولاً)، حين أرسل فيهم رسولاً، (من أنفسهم) نبياً من أهل لسانهم، ولم يجعله من غير أهل لسانهم فلا يفقهوا عنه ما يقول” يتلو عليهم آياته)، يقول: يقرأ عليهم آي كتابه وتنزيله (ويزكيهم)، يعني: يطهرهم من ذنوبهم باتباعهم إياه وطاعتهم له فيما أمرهم ونهاهم (ويعلمهم الكتاب والحكمة)، يعني: ويعلمهم كتاب الله الذي أنزله عليه، ويبين لهم تأويله ومعانيه (والحكمة)، ويعني بالحكمة، السنة التي سنها الله جل ثناؤه للمؤمنين على لسان رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وبيانه لهم (وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)، يعني: وإن كانوا من قبل أن يمن الله عليهم بإرساله رسوله الذي هذه صفته “لفي ضلال مبين)، يقول: في جهالة جهلاء، وفي حيرة عن الهدى عمياء، لا يعرفون حقاً، ولا يبطلون باطلا.ومن هنا ندرك أيها القراء مدى المنة بإرسال سيدنا محمد فهو مرسل من الله تعالى إلى عباده يبلغهم أوامره, ويبشرهم بما أعد الله لهم من النعيم إن هم أطاعوا أوامره, ويحذرهم من العذاب المقيم إن هم خالفوا نهيه, ويقص عليهم أخبار الأمم الماضية وما حل بها من العذاب والنكال في الدنيا بسبب مخالفتها أمر ربها.
*إمام جامع محمد الأمين

إلى الأعلى