الجمعة 20 سبتمبر 2019 م - ٢٠ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / محنة المرأة العراقية

محنة المرأة العراقية

”.. ما تعانيه المرأة العراقية من تحديات سلبت حريتها وضعتها في آخر سلم اهتمام الطبقة السياسية الحاكمة التي فشلت في إعانتها وإنقاذها من المأزق الذي تعيشه، وما فاقم محنتها تصاعد الدعوات لإبعادها من الحياة السياسية، وتقنين انغماسها في العمل والتعليم والأنشطة المجتمعية مثل ردة وانتقاص من دورها في المجتمع باعتبارها النصف الآخر له ينبغي أن تأخذ فرصتها…”

احمد صبري

النصف الآخر للمجتمع وربما أكثر هو المرأة العراقية التي تحملت أثقال الحروب والحصار وتداعيات الاحتلال والعنف الطائفي، وأخيرا النزوح القسري، هذه التحديات واجهتها المرأة العراقية بثبات رغم ما أصابها من غبن وتهميش إلا أنها بقيت صامدة لتعوض غياب زوجها أو أولادها بفعل الحروب والعنف الطائفي، وتحولت بفعل هذه التحديات إلى مشردة أو مطلقة أو أرملة أو هائمة في المخيمات تبحث عن ملاذ آمن، وتقتات على المساعدات الشحيحة.
وإزاء هذا الواقع المرير الذي عطل جهد نصف المجتمع ـ ونقصد المرأة ـ عانت قساوة العام الماضي كما الأعوام التي سبقته، وربما كان أشد قسوة لا سيما الآثار المترتبة عليها من تهجير وتهديد وتشريد ونزوح.
أيام صعبة وليالٍ طويلة تتأرجح بين حر الصيف وبرد الشتاء يسودها الخوف والقلق لا تلبث أن تغفو عيناها حتى تصحو على فاجعة فقدان ولد أو زوج أو أخ أو أب أو تصحو على مأساة تعصف بحياتها لتجد نفسها هائمة في العراء دون مأوى ولا سقف يحميها، وربما حتى من دون معيل.. قد تجبرها الظروف على أن تكون هي المعيل لعائلتها.. وبسبب العوز والفقر تقوم بأعمال تفوق طاقتها لكسب العيش وتوفير المستلزمات لبيتها وأسرتها وسط أوضاع صعبة..
تقارير المنظمات الدولية وحقوق الإنسان تؤكد أن المرأة العراقية هي أكثر ضحايا العنف في العراق، وأن عدد الأرامل وصل إلى أكثر من مليونين، فيما وصل عدد المطلقات منهن إلى مليون ونصف المليون، فضلا عن أن خمسين بالمئة من النازحين والمهجرين هم من النساء، الأمر الذي دفع تلك المنظمات ومعها منظمات المجتمع المدني إلى إيجاد الحلول، والمحاولة في توفير المساعدات والرعاية الصحية لهن ولعوائلهن، إلا أن ما تقوم به تلك المنظمات من عمل يُعد متواضعًا وخجولًا قياسًا بحجم المأساة التي تمر بها المرأة العراقية.
إن اهتمام السلطات العراقية والجهات المسؤولة للمرأة العراقية يكاد يكون معدوما، وكل ما قدموه هي تصريحات إعلامية ووعود من دون تنفيذ لمساعدتها لمواجهة التهميش والإقصاء، ومعاناة فاقت الاحتمال، وقهر لا يقوى عليه حتى الرجال..
وما تعانيه المرأة العراقية من تحديات سلبت حريتها وضعتها في آخر سلم اهتمام الطبقة السياسية الحاكمة التي فشلت في إعانتها وإنقاذها من المأزق الذي تعيشه، وما فاقم محنتها تصاعد الدعوات لإبعادها من الحياة السياسية، وتقنين انغماسها في العمل والتعليم والأنشطة المجتمعية مثل ردة وانتقاص من دورها في المجتمع باعتبارها النصف الآخر له ينبغي أن تأخذ فرصتها من دون محددات وقيود بالية تنعكس على حداثة المجتمع وتطوره.
إن المقلق في أوضاع المرأة العراقية تعاطي بعض رموز الطبقة السياسية معها كسلعة متداولة وسلب حريتها ودورها الحيوي في الحياة هو ما عطل هذا الدور، تزامن مع دعوات تغيير قانون الأحوال الشخصية النافذ، في محاولة لإذلالها وتغييب دورها ومصادرة الحقوق التي حصلت عليها في القانون المذكور الذي أقر بدورها في الحياة والمجتمع كنصف مكمل لدور الرجل.
إن محنة المرأة العراقية وما تعانيه من إنكار لحقوقها وسلب حريتها ليس منفصلا عن الواقع المعاش في العراق الذي شهد تراجعا في أنشطة الحياة المدنية جراء سياسة الإقصاء والتهميش والاستفراد بالقرار السياسي، وتغييب الآخرين في صياغة مستقبل العراق وفقا لحاجات وتطلعات الجمهور الذي ضاق ذرعا بطبقة سياسية وضعت مصالحها فوق الجميع وصادرت حقوق الأغلبية الصامتة التي تنزع للحرية وللتجديد وللحداثة وسيادة القانون.

إلى الأعلى