الإثنين 1 مايو 2017 م - ٤ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / هل تنجرف تركيا لمستنقع “الحرب على الإرهاب”؟
هل تنجرف تركيا لمستنقع “الحرب على الإرهاب”؟

هل تنجرف تركيا لمستنقع “الحرب على الإرهاب”؟

- المنحدر الأمني التركي بدأ بانقلاب “فاشل”.. تلاه تفجيرات.. ووصل لاغتيال دبلوماسي دولة عظمى
- مشهد اغتيال السفير الروسي بأنقرة والملهى الليلي باسطنبول انعكاس لإرهاب “ناجز” يواجه نظام أردوغان

أيمن حسين
مراسل الوطن

مقدمة:
يبدو أن تركيا على وشك الدخول فى مرحلة من التخبط السياسي النخبوى والرسمى وحتى الشعبي، بفضل الأحداث الجسام التى لاحقتها مؤخراً، فما كادت أن تستفيق من صدمة الانقلاب العسكرى الفاشل، حتى خطت قدماها فى موجة أولية من الحوادث الإرهابية المتعددة لم تكن عملية اغتيال السفير الروسى في أنقره أندريه كارلوف آخرها بل جريمة الملهى الليلي في الساعات الأخيرة من العام الماضي 2016، في اسطنبول والتي أسفرت عن عشرات القتلى والجرحى لتكون الدولة التركية على مشارف الحرب الاصطناعية التى ظهرت فى المنطقة بالكامل وهى “الحرب على الإرهاب”.
دخان الأزمات:
الغموض المتستر بكثير من الصراعات، بعضها ماثل أمام العيان والآخر خلف كواليس الأحداث، يقود لحالة اهتزاز في مستقبل تركيا، ففي أعقاب الانقلاب الخامس في هذا البلد في تاريخ الانقلابات التي شهدتها تركيا منذ 1960 الذي حاول إسقاط نظام حكم الرئيس رجب طيب أردوغان في مساء 15 يوليو2016، كان خروج الشعب إلى الساحات والمطارات والشوارع ورفض القيادات العسكرية له، والتفاف المعارضة حول الحكومة التي بقيت تمارس عملها، كل ذلك سارع بطي صفحة الانقلاب وإعلان فشله والشروع في اعتقال من يقف خلفه؛ لكن إجراءات أردوغان القمعية جعلت الشعب يفكر ثانية في جدوى مواقفه، خاصة بعدما لجأ لتقييد الحريات مثل الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي إلى أن جاء حادث مقتل السفير الروسي في أنقرة وبعده بأيام قليلة جريمة الملهى الليلي في اسطنبول ليسكبا المزيد من الزيت على نيران الفتن في تركيا.
البداية:
ربما يكون الانقلاب سببا في اشتعال الأحداث في تركيا؛ لكن هذه المحاولة الانقلابية خرجت منها حالة تفتت وانقسام بدا واضحا على عناصر الجيش، ووصل الأمر إلى حد استدعاء كافة عناصر الشرطة مع ترديد الحكومة أن هذا الفعل غير قانوني وخارج إطار تسلسل القيادة، خاصة أن الحكومة منتخبة من الشعب ولا تزال في موقع السلطة، ونقلت وسائل إعلامية تركية أن جماعة فتح الله غولن وراء المحاولة الانقلابية، بينما أكدت السلطات أنها ستتعامل بصرامة مع الموالين والداعمين لهذا الانقلاب مع التزام السلطة بجميع المواثيق والالتزامات، كما تعهد أردوغان بإخراج دستور جديد.
طارد رئيس الوزراء التركي بسلطاته المسئولين عن الحركة الانقلابية بعدما فرض إجراءات صارمة لحظر مواقع التواصل الاجتماعي رغم كونها كانت السبب في نجاته بكرسي الحكم، بعدما خرج على إحدى الفضائيات، عبر تطبيق بالتواصل الاجتماعي حينئذ، داعياً أبناء شعبه للنزول إلى الشوارع والميادين والمطارات رفضا للانقلاب العسكري، ويبدو خروج جماهير الشعب التركي إلى الشوارع والمطارات كان في الأساس لحماية الديمقراطية وإفشال الانقلاب رغم تحفظات الشعب ورفضه للكثير من الإجراءات التي يفرضها أردوغان والتي تحمل كثيرا من التعنت وخنق الحريات.
مردود معاكس:
وكان لافتا التفاف القوى السياسية التركية المعارضة حول الحكومة في رفضها للانقلاب، وعلى سبيل المثال ذكر زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض كليجدار أوغلو أن تركيا عانت من الانقلابات “وستدافع عن الديمقراطية”، بل وجاء اجماع التيارات السياسية المعارضة والحكومة والقيادات العسكرية على ضرورة احترام الشرعية ورفض الانقلاب بمثابة قبلة الحياة لسلطة أردوغان الذي عاد لممارساته القمعية ضد الشعب رغم وقوفه في صفه، ويتجلى هذا في حالة الاعتقالات الدائمة والمستمرة ضد المعارضين حتى أنه وضع في السجون الآلاف من الأتراك.
وتوالت حملات الاعتقالات بحق المشاركين في الانقلاب، حيث تم اعتقال حوالي ثلاثة آلاف عسكري بينهم ذوى رتب رفيعة، كما تم إصدار مذكرة توقيف بحق قائد لواء مشاة، وأقيل خمس جنرالات و34 ضابطا رفيعا من الداخلية، كما أعلنت وسائل إعلام تركية أن أجهزة القضاء عزلت 2745 قاضيا، بينما تم اعتقال نحو مئة عسكري بقاعدة جوية بديار بكر على خلفية المحاولة الانقلابية، بجانب إلقاء القبض على 39 طيارا عسكريا كانوا على متن سبع طائرات عسكرية.
لطمتان:
بعدما انشغلت تركيا بأحداث العراق وسوريا ومطاردة حزب العمال الكردستاني والتنظيمات الإرهابية على الحدود وداخل العراق وسوريا، جاءتها لطمتان للأوضاع الأمنية والسياسية تمثلت الأولى في اغتيال السفير الروسي لديها أندريه كارلوف إثر إطلاق نار عليه بينما كان السفير يلقي كلمة في معرض فني في العاصمة أنقرة، فيما أصيب 3 آخرون، واستمر إطلاق النار في المبني، بينما تمكنت قوات الأمن من القضاء علي منفذ الهجوم وهو ضابط أمن تركي يدعي ميريت ألتنيتس(32 عاما) حيث وقف بسلاحه وسط المعرض بجوار جثة السفير وسط حالة من الذعر أصابت الزوار معتبرا فعلته انتقام لأطفال حلب.
وطوق الأمن التركي المنطقة القريبة من البرلمان في العاصمة، فيما أدانت الولايات المتحدة الهجوم وأعلنت وزارة الخارجية الروسية طرح موسكو قضية اغتيال كارلوف علي مجلس الأمن الدولي، وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن طرح هذه القضية علي أعضاء مجلس الأمن الدولي هو في إطار مواصلة روسيا “الحرب على الإرهاب”.
أما اللطمة الثانية الأكثر ايلاما بالنسبة لأنقرة فكانت عملية اطلاق النار في ملهى ليلي في الساعات الاولى من العام الجديد 2017، التي راح ضحيتها 39 قتيلا وعشرات الجرحى. وتبناه تنظيم “داعش” الارهابي، فيما تبين للمحققين ان منفذ الاعتداء يتحدر من احدى دول آسيا الوسطى، مثل قيرغيزستان او اوزبكستان، كما كشفت تسجيلات فيديو للهجوم أن تصرفاته في أثناء قتله لضحاياه تؤكد أنه قاتل محترف. وتبين انه سبق وان شارك في القتال في سوريا الى جانب تنظيم “داعش”.
توقيت حرج:
يبدو البحث عن الجهة المستفيدة ودلالات توقيت الحدثين من أهم قواعد تحليل أي حدث، لا سيما إن كان أمنيا، ولعل حادثة اغتيال السفير الروسي تزخر بهذه الدلالات على مستوى تطورات الأزمة السورية، وكذلك على صعيد العلاقات التركية الروسية، فالاغتيال قوى موقف موسكو وأطلق يدها أكثر في سوريا بعد أن باتت ضحية، ويثقل كفتها في ميزان الحوار والتفاهمات مع أنقرة، بينما لا يزال من غير الواضح أثرُ الرسالة من عملية الاغتيال فيما يتعلق بالتفرد الروسي في سوريا.
عملية الاغتيال أتت في مرحلة تقارب بين تركيا وروسيا بعد أن تعرضت علاقتهما لهزة كبيرة إثر إسقاط الأولى لمقاتلة روسية في 24 نوفمبر2015، وأثمر هذا التقارب حوارا مزدوجاً بخصوص حلب توج باتفاق إخراج المدنيين من المدينة، بل جاء الهجوم بعد خروج جزء كبير من المحاصرين في حلب وانتقال الأوساط الروسية والتركية للحديث حول ضرورة تثبيت حالة وقف إطلاق نار مستدامة في سوريا والانتقال للعملية السياسية.
الهجوم جاء أيضا على هامش مناقشات مجلس الأمن للأزمة السورية لمشاريع قرارات تتعلق بحلب، وتتناول إرسال مراقبين دوليين لمتابعة سير عمليات الإجلاء منها، إضافة إلى التوقيت والسياقات، فقد حمل الهجوم تفاصيل عدة بالتطورات في سوريا وحلب على سبيل الانتقام، وتمت عملية الاغتيال بعد الدور الروسي البارز في عمليات القصف الجوي في حلب بعد استفراد موسكو بالملف السوري.
وفي الحادثة الثانية، يرى الخبير في مقاومة الإرهاب عبد الله أغار إن تصرفات منفذ الهجوم تؤكد أنه مر بتدريبات خاصة، كما “تؤكد بدون شك أنه قاتل محترف، وغير مستبعد أنه سبق وأن أطلق الرصاص على الناس”. وأوضح أن” منفذ الهجوم بدا حازما، ودقيقا، وعمليا، ويتمتع بدم بارد”، مضيفا أنه من المحتمل أن يكون قد شارك في معارك مسلحة.
ووقع الاعتداء على الملهى الليلي رغم الاجراءات الامنية المشددة التي كانت متخذة في اسطنبول، والتي سبق وان استهدفت باعتداءات اخرى خلال العام الماضي. ويعتبر المحققون ان المهاجم قد يكون مرتبطا بالخلية التي سبق وأن ارتكبت الاعتداء الانتحاري المثلث في يونيو الماضي في مطار اتاتورك في اسطنبول ما ادى الى مقتل 47 شخصا، وهو الاعتداء الذي نسب الى تنظيم “داعش”، حسب ما نقلت حرييت. ويؤكد الاعتداء على الملهى الليلي ان تنظيم “داعش” قد يكون وضع تركيا على رأس قائمة الدول التي يريد استهدافها بسبب مواقفها من الحرب في سوريا وتبني أنقرة لسياسة المواجهة مع هذا التنظيم الارهابي بعد أن كانت الحاضن له خلال السنوات الخمس من عمر الأزمة السورية.
أهداف خفية:
وتشير تفاصيل أخرى إلى علاقات متشابكة جراء حادث اغتيال السفير، تتمثل في استهداف أنقرة وتوريطها والإضرار بالعلاقات التركية – الروسية أكثر من ارتباطها بالأزمة السورية، فالمهاجم من قوات الشرطة التى كانت أحد أهم معاقل جماعة جولن المعارضة، وقد تخرج من كلية شرطة ذات علاقة بجولن، وهدوؤه وطريقة تنفيذه للعملية تشيران إلى تخطيط محكم وتدريب عال.
وتوقفت وسائل الإعلام التركية كثيرا أمام ورود تحذيرات للسفارات الأجنبية في تركيا، كما أن استهداف السفير الروسي تحديدا في أنقرة يعيد إلى الأذهان إسقاط المقاتلة الروسية فى 2015 والتي تتفق كل من أنقرة وموسكو حاليا على اتهام جماعة غولن بالمسؤولية عنها، وتوصيفها كمحاولة لضرب العلاقات الثنائية بين الطرفين.
واعتبر أردوغان أن الهجوم أصاب تركيا وشعبها وعبر عن ترحيب بلاده بتشكيل لجنة تحقيق ثنائية مع موسكو لكشف ملابسات الحادث، كما رأى وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو أن المستهدف من العملية ليس روسيا وحدها بل أيضا تركيا والعلاقات التركية – الروسية ومسارها الإيجابي في الآونة الأخيرة.
وما زالت العلاقات التركية – الروسية غير مستقرة وتتأرجح منذ فترة طويلة بين التقارب والتوتر، ولذلك فثمة من يرى أن قتل السفير الروسي على الأراضي التركية، وعلى يد شرطي على رأس عمله، قد يحمل أنقرة درجة ما من المسؤولية يصعب على بوتين أن يتجاوزها، بينما يرى آخرون أن قناعة الطرفين بأنهما مستهدفان من هذا الهجوم قد يدفعهما لمزيد من التقارب وتقريب وجهات النظر.
سلبيات حادث الاغتيال:
من الآثار المباشرة أيضا استهداف منظومة الأمن التركية، ومدى قدرة أنقرة على حماية نفسها والسفراء، خاصة إذا ما أضيف الحادث إلى سلسلة عمليات انتحارية حدثت مؤخرا، ومنها هجوما استاد بيشكتاش في إسطنبول وحافلة الجنود في قيصري.
وإذا ما ثبتت علاقة رجل الشرطة بجماعة فتح الله جولن، فسيقوي ذلك يد الحكومة التركية في خطة مكافحتها في الداخل من جهة، ويزيد من فعالية الضغوط التركية على الولايات المتحدة لتسليم جولن وتحجيم مؤسساته على أراضيها، وقد يزيد من التوتر في العلاقات التركية – الأميركية فضلا عن الروسية – الأميركية.
الخوف الأكبر بخصوص تداعيات عملية الاغتيال في التحديات الأمنية التي يمكن أن تواجه أنقرة مستقبلا، يتعلق فيما إذا كان حجم العملية وتوقيتها يشيران إلى ارتفاع مستوى التهديد والاستهداف وبدء مرحلة جديدة عنوانها الاغتيالات والفوضى في تركيا، ورغم ضخامة الحدث والكثير من الملابسات الغامضة التي تحيط به، فإن مقتل منفذ الهجوم إثر اشتباك مع قوات الشرطة قبل القبض عليه والحصول على إفادته يقلل من فرص التوصل إلى أسبابه الحقيقية.
الخلاصة:
التوصيف الأدق لعملية اغتيال السفير الروسي في أنقرة، هو أنها جاءت في توقيت دقيق يهدف إلى خلط الأوراق، وقبل ساعات من استضافة موسكو الاجتماع الثلاثي بين روسيا وتركيا وإيران للتناقش حول آلية إيجاد حل وتسوية للأزمة السورية، كما أنه يؤسس لمرحلة جديدة فى العقلية الأمنية فى تركيا، فعلاوة على كونها عملية اغتيال لسفير دولة عظمى فإن التوقيت والسياقات وحدوث عملية الاغتيال في العاصمة التركية تحديدا تضفي على المشهد دلالات أكثر تعقيدا، بالتشكيك فى المنظومة الأمنية، وانعكاس لوجود إرهاب ناجز فى تركيا يستوجب استئصاله، وهو ما يمكن أن يقود لضغوط تمارس على النظام التركى لتوجيه بعض الموارد تجاه “الحرب على الإرهاب” والتى باتت ذريعة لايجاد حالة عدم استقرار بدول المنطقة، وأداة لاستنزاف الموارد.

إلى الأعلى