الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / عُمَان في عيون الرحّالة البريطانيّين .. قراءة جديدة للاستشراق

عُمَان في عيون الرحّالة البريطانيّين .. قراءة جديدة للاستشراق

عرض ـ د. علي بن حمد الفارسي:
يعدُّ كتاب ـ “عُمَان في عيون الرحّالة البريطانيّين .. قراءة جديدة للاستشراق” تأليف الدكتور هلال الحجري، ترجمة الدكتور خالد البلوشي ـ أطروحةَ دكتوراه قدّمت في الجامعات البريطانيّة وتناقش الإشكاليّة التالية: هل يعدُّ الخطاب الاستشراقي الذي أنتجه الغرب عن الشرق خطابًا واحدًا ينطلق من فكرة واحدة هي “شرقنة” الشرق وتصويره تصويرًا نمطيًّا يناسب أهداف الرجل الغربي الاستعمارية ويشبع خياله الذي تغذى من أفكار نمطية لقرون كما زعم المفكر الأميركي الفلسطيني الأصل إدوارد سعيد في نظريته عن الاستشراق.
وقد رصد الباحث مسار الدراسات حول أطروحة سعيد فبعضها مؤيد والآخر معارض، ثم حاول أن يختبر نظرية الاستشراق من خلال كتابات الرحّالة الإنجليز الذين زاروا عمان وكتبوا عنها من عام 1800 إلى عام 1970، بمعنى أن الباحث يتخذ من عمان حالة دراسة يخرج منها بنتائج خاصة تمثل صورة عمان عند هؤلاء الرحالة، ونتائج عامة يختبر فيها أطروحة سعيد.
وكان خطاب هؤلاء الرحّالة الإنجليز عن عمان ـ حسبما رصده الدكتور هلال الحجري ـ خطابًا مختلفًا متنوعًا من كاتب إلى آخر ومن رحّالة إلى آخر، فمنهم من رسم صورة إيجابية عن عمان فهي “بلاد الأمان”،(ص:145)، وأبرز محاسن الشعب العماني فهم: “أنظف العرب وأكثرهم أناقة وأرقاهم لباسًا وأوفرهم شهامة”،(ص: 439)، ومنهم من رسم صورة سوداء قاتمة عن عمان ولاسيما مسقط بوصفها “المدينة الأقذر في العالم”(156)، ومنهم من رأى العمانيين “الجنس البشري الأقذر”،(ص:439).
وقد تناول خطاب هؤلاء الرحالة ـ أيضًا ـ زوايا نظر مختلفة: تراوحت بين مناخ مسقط وعمان، وطبيعة الأرض، وأوضاع العبيد بحكم أن قضية تحرير العبيد ـ تلك الفترة ـ في أوجها بأوروبا وبريطانيا، وأخلاق الشعب وعاداته ومعتقداته، والإثنيات الموجودة في عمان، وأنواع التجارة وأصناف اللباس…إلخ.
وقد كان لهؤلاء الرحالة منطلقات متنوعة ومشارب مختلفة وفي فترات زمنية متفاوتة، فمنهم: الموظف عند الحكومة البريطانية ومنهم من يعمل عند الحكومة العمانية ومنهم العالم الباحث، ومنهم الرحالة الحالم بعالم مثالي، ومنهم من جاء ليحقق اكتشافًا علميًّا بعبور الربع الخالي كبرترام توماس ومنهم من جاء لـ”يكتشف نفسه” كما قال الباحث بعبور الربع الخالي كويلفرد ثيسجر.
هذه المواقف المتنوعة والفترات الزمنية المختلفة وتوجهات الرحالة إلى عمان وأهدافهم المتفاوتة ساهمت في رسم صور مختلفة عن عمان وأهلها، متفاوتة إيجابيا وسلبا، وهو ما ينقض رأي إدوارد سعيد بأن الخطاب الاستشراقي خطاب واحد.
ونود أن أشير لجهود المترجم فقد بذل جهدًا في ترجمة العمل ترجمةً رائعةً، ودليل ذلك أن أسماء المناطق والرجال في الترجمة مضبوطة وصحيحة وكذلك الألقاب ومسميات الأشياء قد ضبطت ضبطًا صحيحًا كما هي في اللهجة العمانية الدارجة، ومنها كلمة “الصاحب” بمعناها القديم عند العمانيين وفي الهند التي تعني “السيد”، ولكننا نلاحظ في الترجمة بعض الأساليب التحليلية التي وقعت فيها، رغم أن هذه الترجمة دُقِّقت غير مرة ـ حسب قول المترجم ـ ومن هذه الأساليب، على سبيل المثال لا الحصر:
ـ “فالتل الرملي الأخير قد تركناه وراءنا”، يقول توماس”.(ص:310)، فتركيب الجملة ـ بتلك الطريقة السابقة ـ هو تركيب أعجمي لا يوافق طريقة العربية في تأليف الجمل، وتكاد تكون العبارة السابقة ترجمة حرفية للعبارة في لغتها الأم.
ـ “بعد خدمة دامت تسع سنوات تنقل فيها في مناطق مختلفة من الهند تم ترقيته إلى ملازم في عام 1860″.(ص:241 ). والأصل أن يقول: رُقّيَ.
ـ “هؤلاء الرحالة الثلاثة قاموا بزيارات أشمل وأوفى مما قام به غيرهم من الرحالة، وأنهم قاموا بنشر كتب تُعنى بعمان”،(ص:211) والأصل أن يقال: زاروا، ونشروا.
ـ “كما قام برحلة أخرى في الشهر نفسه إلى قلهات”.(ص:207) والأصل أن يقال: رحل رحلة أخرى.
ومن الملحوظات ـ أيضًا ـ أن المترجم لا يبحث عن مقابل المصطلح في العربية بل يكتب المصطلح الإنجليزي بحروف عربية، مثل: ” ويدير الآن شركة جوين جيمز أسوسيتس مانجمنت كونسلتنتس، (…) اسكول أوف إنفنتري كورسز”،(ص:403). وكل هذه المصطلحات لها مقابل معروف في اللغة العربية، فالمصطلح الأول يقابله: مشارك، والثاني: إدارة، والثالث: استشارات ..إلخ.
أما ملحوظاتي عن أطروحة الدكتور هلال بسيطة أود أن أسرد بعضها، منها أن الدكتور يرى أن برترام توماس يصور البدو تصويرًا يراد به شد القراء الغربيين و”تصوير الآخر على أنه مخلوق غريب الأطوار عجيبها”، ويأتي بنص دليلاً على ذلك: “رأى بدويّ اشتد جوعه على قارعة الطّريق عربيًّا يحمل على كتفه حزمة صغيرة، فظنّ أنّ فيها مالا وممتلكات ثمينة، فأردى العربيَّ قتيلاً ببندقية كان يحملها، وهرع إلى الحزمة، ففتحها، فإذا به يجد، بدل الكنز الذي كان يتمنّاه، حبات من التّمر هي أقرب إلى الحجر أراد العربيّ أن يطعمها أبقاره؛ عندئذ استبدّ الأسى بالبدويّ؛ لا لأنه أراق دماء زكيّة، بل لأنه أضاع ذخيرة بندقيته”.(ص: 295).
أرى أن مثل هذه المشاهد في تلك الحقبة، مشاهد مألوفة بل روى لنا التاريخ العربي المكتوب والشفهي أكثر من تلك الصور بشاعةً وفظاعةً بغض النظر عن منطلقات توماس وأهدافه الخفية، بل نرى أنه رسم صورة صادقة لأحداث كانت تحدث ومازالت في بعض المجتمعات العربية لا يراد بها شد القارئ أو تصوير الغرابة.
ويقول صاحب الأطروحة ـ أيضًاـ : “للمرء أن يسأل إن كان مثل هذا العمل يأتي متلائما مع مكارم الأخلاق، فقد قام توماس وثيسجر كلاهما بأخذ عدة نماذج من الحياة النباتية والحيوانية وآثار تاريخية، وذهبا بها إلى انجلترا. وهناك من النقاد من يظن أن هذه المجموعات قد “سرقت” و”نهبت” و”سلبت”، نظرا لأنها أخذت من دون ترخيص ومن دون سابق نية لإرجاعها (…) وعلى المنوال ذاته، يذهب بيتر رابي إلى أن بعض الرحالة الأوروبيين كانوا “صائدي نبات”، وحسبوا بقية العالم “مزرعة موسّعة”، فراحوا يأخذون منها أهم ما فيها من أنواع الحياة النباتية والحيوانية ويجلبونها إلى إنجلترا”. (هامش، ص: 308). ونرى أن مثل هذه الفقرات فيها مثالية غير واقعية وتدخل ضمن مراقبة تصرفات الرّحّالة، فهل يطلب الباحث الإذن من حكومات ـ إذا كانت توجد حكومات أصلاً ـ لا تقدِّر قيمة العلم في ذلك الوقت لكي يأخذ نباتًا هنا أو قارضًا من القوارض هناك، ألم يدرك صاحب الأطروحة أن شيوع خبر رحّالة ما يريد أن يستكشف الربع الخالي كفيل بأن يطلق جملة من قطّاع الطرق لقتله أو نهبه، أضف إلى ذلك أن هؤلاء العلماء سجلوا هذه الحفريات والنباتات في ـ الغالب ـ بأسمائها المحلية والأماكن التي وجدت فيها دون نقصٍ أو تزييف فحفظوا تاريخنا الطبيعي، ومتحف التاريخ الطبيعي ببريطانيا شهيد على ذلك.
وأخيرًا، فقد شعرت وأنا أقرأ كتاب عمان في عيون الرحّالة البريطانيين بتقريع ونقد مستمر لإدوارد سعيد ولمشروعه الثقافي، أقول: لولا سعيد ومشروعه هذا ونظريته المتينة في الاستشراق تلك لم يكن لمثل هذه الدراسات ومنها ـ أطروحة عمان في عيون الرحّالة البريطانيين ـ أي مشروعيّة علميّة في المباحث النقدية الحديثة.

إلى الأعلى