السبت 24 يونيو 2017 م - ٢٩ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / كتاب “أشكال لا نهائية غاية في الجمال” علمي تثقيفي يقرب القارئ إلى الرؤية العلمية لنشوء مملكة الحيوان وتطورها

كتاب “أشكال لا نهائية غاية في الجمال” علمي تثقيفي يقرب القارئ إلى الرؤية العلمية لنشوء مملكة الحيوان وتطورها

المترجم حمد الغيثي لـ”أشرعة”: جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب تشغل موقعا فريدا بين الجوائز العربية لحجمها وصيغة احتفائها بالمجالات الثقافية والفنية والأدبية * نشاط الترجمة في السلطنة بحاجة إلى سلة من الأطر التنظيمية وجوائز تشجيعية على المستوى الجامعي والوطني
حاوره ـ خميس السلطي:
الكاتب حمد بن سنان الغيثي مترجم ومتخصص في الأحیاء الجزیئیة، وحائز على جوائز في الكتابة الإبداعیة، یتمتع بخبرة واسعة في AgroJector اللغة العربیة، ومحرر كتاب “حوارات الحارة العمانیة”، ومؤسس مشارك لشركة العمل التطوعي والإعلام الاجتماعي، إضافة إلى تجربة ثریة في التواصل مع الثقافات المحلیة والعالمیة، فاز بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب لعام 2016 في مجال الترجمة عن ترجمة كتاب (أشكال لا نهائية غاية في الجمال) لشون كارول .. الحديث مع الكاتب حمد الغيثي يأخذك إلى محطات لا نهائية غاية في الجمال أيضا، فهو يقدم الأشياء بصور أكثر واقعية توجدها أوجه تشد نحو الحقيقة دائما .. تحدثت إليه فكان بسيطا متواضعا، لكن في داخله إنسان لا يستهان به ، مبهر، مدهش، كثير الابتكار والبحث والتقصي .. حاولت أن أكون أكثر واقعيا معه من خلال اسئلتي وتفاصيلها معه .. فكان هذا الحوار ..

* لنتحدث بداية عن المنجز الأهم في مسيرتك العلمية الثقافية لعام 2016. مما لاشك فيه أنّ لهذا المنجز وقع خاص بالنسبة لك متمثل في فوزك بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب في مجال الترجمة عن ترجمة كتاب (أشكال لا نهائية غاية في الجمال) لشون كارول .. لنتعرف أكثر على هذا العمل؟ هل لك أن تقرّبنا من تفاصيله بصورة أكبر؟
** هذا الكتاب هو كتاب علمّي تثقيفي، يقرّب القارئ العام إلى الرؤية العلمية لنشوء مملكة الحيوان وتطورّها. إنّها رؤية مليئة بالجمال، فذات العمليات الجينية التي ترسمُ جناح الفراشة قد نَحَتت دماغ البشر، بذلك تغدو مملكة الحيوان حيواناً واحداً، وإن تتعدّد أشكال أنواعها، سواء المنقرض منها أو ما يدبّ على ظهر الأرض أو ما يطير أو يحفر فيها. بهذا المعنى فإنّ البحث العِلمي في نشوء الحيوان وتطوّره هو بحث في تاريخنا الطبيعي كنوع بشري، ويضيء لنا موقعنا في الطبيعة وعلاقتنا ببقيّة الأنواع الحية، ومآلاتنا، وتأثيرنا على النظام الحيويّ في كوكب الأرض. ولهذا البحث العلمي فوائد أخرّى جمّة مبيّنة في الكتاب، منها معرفة كيفيّة نشوء أمراض كثيرة، مثل السرطان والشيخوخة، وهو أوّل خطوة في علاج هذه الأمراض المعقّدة.

* من خلال القراءة الأولى لهذا العمل خاصة وأنه يبحر في علم الإيفوديفو الجديد وصناعة ممكلة الحيوان، قد يواجه القارئ إشكالية في التعامل معه، فهو تخصصي بشكل عميق .. كيف تُرشد القارئ للتعامل معه؟
** نعم، هو كتاب آتٍ من حقل حديث جداً لا يزال ينضح بالنتائج والدروس. حاولنا، كمُترجمَيْن للعمل، أن نتغلب على تلك الإشكالية من خلال خطوتيْن اثنتيْن. الأولى، وضع العديد من الحواشي والهوامش في الكتاب. لقد قُمنا بتعريف المصطلحات العلمية، كالإيفوديفو، وعلّقنا ببعض التفصيل على بعض ما ورد في النص ممّا قد يبدو مألوفاً للقرّاء ذوي الخلفية العلمية أو للقرّاء باللغات الغربية. الخطوة الثانية، حاولنا قدر الإمكان أن تكون المصطلحات العربيّة العلمية التي نحتناها مألوفة للقارئ العربي قدر الإمكان، بحيث تكون مُشتقّة من جذور صرفية شائعة، مثل جذر كلمة إنسان (نَسَنَ) الذي اشتققنا منه مصطلحات نسّان، أنسن، أناسي. قمنا بجمع هذه المفردات في جدول بالمصطلحات والمفردات العلمية يقع في حوالي عشرين صفحة آخر الكتاب.

* .. وما سبب اختيارك لترجمة كتاب (أشكال لا نهائية غاية في الجمال)؟ هل ثمة هدف معين؟ كيف تخبرنا بذلك؟
** هناك أسباب عدّة. الأوّل هو أنّ الكتاب يحوي إطاراً نظرياً مُهِمّاً لفهم الميزات العامة التي تطبع جسم الحيوان. الثاني هو ترسيخه للمبدأ القائل إنّ التطوّر هو نتاج لتغييرات تحدث أثناء نمو جنين الحيوان. الثالث هو احتواؤه على الدفعة الأخيرة من الأدلة العلمية حول نشوء الحيوان وتطوره. أيّ أنه يشيرُ إلى المواضع المعيّنة في المادة الوراثية (الجينوم) للحيوان التي إنْ تغيّرت بفعل الطفرات فإنّ شكل الحيوان ومظهره الخارجي سوف يتغيّر، وهذا ما يُعرف بالتطوّر. وتوّج ذلك كلّه إبداع الكاتب في رسم إطار مفاهيمي عميق وبسيط لشرح كيفية تطوّر مملكة الحيوان. وذلك يشرح سبب حصول الكتاب الأصل على العديد من الجوائز العلمية والثقافية في الولايات المتحدة الأميركية منها جائزة لوس أنجلوس تايمز للكتاب (العلوم والتكنولوجيا) عام 2005، وجائزة الأكاديمية الوطنية للاتصالات والعلوم عام 2006. عند قراءتي وعبدالله المعمري لهذا الكتاب ارتأينا أنّ هذا الكتاب سوف يقدّم فهماً جديداً في اللغة العربية، ونرجوّ أننا قد وُفِّقنا في ذلك.

* في الإطار ذاته ، ثمة تساؤلات تتردد في ذهن المتابع لنتائج الجائزة في مجال الترجمة أهمها : إن كتاب (أشكال لا نهائية غاية في الجمال) هو عمل مشترك بينك وبين المترجم عبدالله المعمري، فكيف ذهبت الجائزة لك؟ أين هو عبدالله المعمري من الحكاية كلها؟ خاصة إذا ما علمنا أن هناك جوانب فكرية وأخرى مادية؟
** وُجدت عدة اشتراطات ومعايير في الجائزة منها أنّها تُمنح لشخص واحد في كلّ مجال، ولا يُمكن للشخص أن يتقدم بأكثر من عمل واحد للجائزة في الدورة الواحدة. بذلك، بالاتفاق مع عبدالله المعمري، تقدّمتُ بهذا العمل، بينما تقدم عبدالله بعمل آخر.

* لنقترب أكثر من جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب، وأنت ضمن المشاركين فيها في العام المنصرم .. ماذا تشكل لك هذه الجائزة؟ كيف توجدها بين الجوائز الدولية التي نتابعها بين حين وآخر؟
** فرحتي بالجائزة هو تكريمها للترجمة العلمية، وتكريمها للعمل المشترك في الترجمة. إننا نعتقد أنّ العمل المشترك يرفع من جودة العمل ويعزّز كفاءته بسبب المهارات المتكاملة التي يجلبها المشاركون. ومخالفاً لجميع توقّعاتنا، جاءت جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب في مجال الترجمة تأكيداً لي ولعبدالله المعمري أنّ الجهد الذي بذلناه في ترجمة كتاب الأشكال لم يمرّ مرور الكرام، بل لَقِيَ اعترافاً وتكريماً رفيعاً. وبذلك يشعرُ كلانا ـ ونرجو أن يشعر معشر المترجمين في السلطنة ـ بالحاجة الماسة لنشاط ترجمي رصين في المجالات العلمية والمعرفية، كما تشغلُ جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب موقعاً فريداً ضمن الجوائز العربية الثقافية؛ بسبب حجمها وصيغة احتفائها بالمجالات الثقافية والفنيّة والأدبية. لقد رأينا في هذه الدروة، وفي الدورات السابقة، أنّ الجائزة توجدُ حراكاً كبيراً في الأوساط الثقافية المحلية والعربية. إنّنا نرجو أن يُستدام هذا الحراك محلياً عبر أدوات متعددة، ونأمل في ذات الوقت أن تخرج الثقافة من الطابع الفردي لتكون صناعة ذات منتجات ولها جمهور وسوق.

* في منطقة الخليج العربي هناك جوائز للترجمة من بينها جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي، وجائزة الملك عبد الله بن عبدالعزيز العالمية للترجمة، وجائزة الشيخ زايد للترجمة، إضافة إلى مشروع “كلمة” للترجمة .. ما مدى تواصلك مع هذه الجوائز؟ كيف ترى تأثيرها في حركة الترجمة في الخليج خاصة والوطن العربي عامة؟
** لقد صدر كتابنا، أشكال لا نهائية غاية في الجمال، عن مشروع كلمة للترجمة، وهو مشروع رائد لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث. سبق ذلك تواصل كثيف مع المشروع. نأمل أن نكرر هذه التجربة المثرية مرة أخرى. ونأمل أن تنال أعمالنا القادمة، سواءً أعمال عبدالله المعمري أو أعمالي أو أعمال بقية المترجمين العمانيين، تقديراً من الجوائز المحتفية بالترجمة. نعتقد أنّ هذه الجوائز تخلق حراكاً ترجمياً متصاعداً، لكننا نأملُ أن تكون هذه الجوائز جزءاً من عدة أدوات تستخدّم لإحداث صناعة ثقافية تفتح رؤى ونوافذاً حديثة في الثقافة العربية.

* لو نقترب قليلا من واقع الترجمة في السلطنة .. هل نقول قد وصلنا إلى سقف الطموح الذي يتمناه المترجم العماني؟ كيف تصف ذلك؟ أنت ومن معك من المترجمين العمانيين ومن منطلق العمل وتأسيس حركة للترجمة في السلطنة، ماذا تتمنون؟ لنقترب من طموحاتكم العلمية الأدبية في هذا الشأن؟
** لا، لم نصل السقف، وينبغي أن ندحض أي أوهام بخصوص ذلك. إنّ السقف هو حدٌّ مجرّدٌ، لا وجود له، لطموح الإنسان وإرادته. نحنُ في بداية المشوار، وعلى القادرين مسؤولية كبيرة في العمل الثقافي. إنّه فرض عين لا فرض كفاية. إنّ أغلب أعمالنا الترجمية في عُمان لها علاقة بتاريخ عُمان وأدبها. لكن الهدف والطموح أن نبدأ بترجمة العلوم والثقافة، أن نفتح نوافذاً حديثة للوعي الجمعي. إنّ تاريخ هذا البلد كان نابضاً، متفاعلاً مع الإقليم والعالم. نرجو أن نكون امتداداً لحركة أسلافنا.
نعتقد أن النشاط الترجمي بحاجة إلى سلّة من الأطر التنظيمية والمنافذ، مثل أسرة الترجمة أو جمعيّة وطنية للترجمة، وملاحق ترجميّة، وجوائز تشجيعية للترجمة على عدّة مستويات مثل المستوى الجامعي والوطني. وسيتوّج ذلك بوجود مركز وطني للترجمة يقوم بترجمة ما تحتاجه حركة العلم والمعرفة في هذا البلد العريق، ويعمل على صقل وتدريب جيل من المترجمين العُمانيين.

* أتوقع بأنك تتفق معي، أن الإرث والواقع الثقافي والمعرفي لعمان يجب أن يظهر بلغات أخرى غير العربية ليكون حقلا من حقول المعرفة لدى الشعوب الأخرى، إلى أي مدى نحن بحاجة إلى نقل هذا الواقع؟ وهل ثمة أعمال عمانية نستطيع القول بأنها يجب أن تحوّل من العربية إلى لغات عالمية؟
** نعم، أتفق مع هذا الرأي. لكن قبل الشروع في تلك الخطوة هناك خطوات أهم، مثل حصر وجمع المخطوطات العمانية، وتحقيقها، وطباعتها في صيغ ورقيّة وإلكترونية، وأن نجعلها متوفرّة لقرّاء العربية. بعد ذلك ننتقل إلى الخطوة التالية وهي ترجمتها لللّغات الرّائجة. أعتقد أن جزءاً كبيراً من الإرث الثقافي والمعرفي العماني له أهميّة كبيرة جداً في سياق التاريخ العربي والإسلامي؛ كونه يمثّل رؤية خاصة وقصيّة لمجريات ذلك التاريخ، ولنشوء العقائد الإسلامية وحركة الفقه وتطوّرها. إنّ ذلك كفيل بمنحنا، نحن العُمانيين والمسلمين، رؤية تتمتّع بالتواضع حولّ شهوة ادّعاء الحقيقة المطلقة التي سقطت بها بعض الأقوام. إضافة لذلك، إنّ هذا الإرث العُماني يرسّخ من عمق التنوّع التاريخي في الإسلام، وذلك أصبح ضرورة ملحّة في هذا العصر الذي يتسم بالتداخل والاختلاط بين الثقافات والأقوام.

* ماذا لو نعود لك قليلا ونتساءل عن أهم اهتماماتك الثقافية والعلمية؟ لمن تقرأ فيما يتعلق بالترجمات؟ من يشدك من المترجمين العرب والغربيين أيضاً؟
** تخصصي الأكاديمي هو علم الأحياء الجزيئية وعلم الوراثة، ولي اهتمامات علمية بالتطوّر وظهور الوظائف الجديدة على مستوى الجينات والبروتينات. إنّ التطورّ معنّي بالتغيّرات الحاصلة في الماضي، بالمسارات التي طُرقتْ والتي لم تُطرق. وفي هذه الدراسة لذّة ذهنية كبيرة. لقد تأثّرت أيّما تأثّر بترجمات الدكتور فؤاد زكريا والدكتور إحسان عبّاس وشوقي جلال. لقد اطلعتُ على أعمال هؤلاء المترجمين في مرحلة المراهقة، غالباً عبر إصدارات عالم المعرفة (الكويت). لم أعتقدُ يوماً ما أني سألج هذا المجال. ولقد كان التحدّي أمامي وأمام عبدالله المعمري أثناء ترجمة كتاب الأشكال أن نترجم ببساطة لغة فؤاد زكريا، وبجزالة لغة إحسان عبّاس. لا أدري ما مدى نجاحنا في ذلك، لكن يكفينا شرف المحاولة. أودُ أن أضيف أن أعمال ودروس معالي الدكتور عبدالله الحرّاصي كانت ممّا حفّزنا للترجمة وبصّرنا بها.

* عمل تمنيت أن تنقله للعربية ولم تتفرغ له للآن، ما هو؟ عمل سوف تنقله للعربية وسنقرأه قريبا ما هو .. لنتعرف عليه هو الآخر؟
** هناك كتاب فكري تنظيريٌّ مهمّ في علم الأحياء التطوري للبروفيسور ستيفن جاي جولد اسمه “بنيّة النظرية التطوريّة ” (The Structure of Evolutionary Theory)، أتمنّى أن أحظى بشرف ترجمة هذا الكتاب إلى العربية؛ إذ أني أعتقد أنّه سيُجيب عن أسئلة كثيرة، ويترك أثراً بالغاً في الثقافة العربية.

إلى الأعلى