الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / نجيب محفوظ الإنسان
نجيب محفوظ الإنسان

نجيب محفوظ الإنسان

“نوبل” جعلته رمزا للأدب العربى .. ولم ينظر للمال بقدر تقديره للثقافة والفكر
عرض ـ حسام محمود:
كانت للكاتب “سعيد سالم” علاقة حميمة بالأديب نجيب محفوظ حيث داوم الكاتب على حضور مجلسه الصيفى حتى نصحه الكاتب الصحفى سلطان محمود بتسجيل كل ما يراه فى هذا المجلس لأنه سيصبح يوما ما وثيقة أدبية وسياسية ، ويعد كتابه هذا وثيقة تضم أبرز سمات شخصية الأديب العالمى نجيب محفوظ ، كما يضم العديد من الصور له مع رفاقه ورسائله التى تواصل بها مع الكاتب بخط يده ، مما يعد شاهدا على تواضعه وبساطته رغم إبداعه الخالد .
برلمان محفوظ الصيفي
كان مجلسه أشبه ببرلمان ديموقراطي يجمع بين شخصيات لها ميول ومعتقدات مختلفة، وكان نجيب محفوظ ينصت للجميع في تواضع دون فرض رأيه او تحديد لمجرى الحديث، وتميز الأديب العالمى بتواضعه وفكاهته وقدرته على ابداء رأيه من دون احراج للاخرين ، وكان الصامدون فى مجلسه هم القادرون على ممارسة قواعد الحوار الديموقراطى ، وهكذا يقضون الصيف فى برلمانهم الذى يناقشون فيه كافة القضايا السياسية والثقافيه والمجتمعية حتى بداية الخريف ، ليعود الأديب الى مستقره بالقاهرة . كان الكاتب يبعث بكل رواية تصدر له الى الأديب نجيب محفوظ منتظرا رأيه فيها ، وقد استفاد منه الكثير فى مجال الأدب وفى السلوك الانسانى والتعامل مع الناس، وبخاصة بعدما نصحه الأديب الكبير بعد أن قرأ روايته “بوابة مورو” بالاستمرار فى وظيفته كمهندس لضمان الدخل الثابت ، ولكى تستمر كتابته هواية ينتج فيها دون استعجال الثمر ، فقد كان أديبنا العالمى محتفظا بوظيفته حتى وصل الى سن المعاش متذكرا لقواعد احترام الدرجات حتى عند استقباله لوزير الثقافة الفرنسى والذى اتى ليهنئه بجائزة نوبل . كان نجيب محفوظ قارئا جيدا حتى ان اكثر ما المه حين ضعف بصره هو عدم قدرته على القراءة ، فقد كان يعتبر متعة القراءة هى اهم متع الدنيا ، حتى انه فى سبيل قراءة قصة البحث عن الزمن الضائع لمارسيل بروست اضطر الى تعلم اللغة الفرنسيه وبذلك استطاع قراءتها فى لغتها الاصلية .
أفراح نوبل وأتراحها
كان نجيب محفوظ يظن ان الدول الكبرى تستحوذ وحدها على جائزة نوبل ، لذا فوجئ عام 1988 عندما قطعت معظم اذاعات العالم برامجها لتذيع نبأ فوزه بجائزة نوبل، كما توقع الكاتب له ذلك قبلها بثماني سنوات عندما كان ببعثته العلميه فى السويد وتعرف على “اندرز هارننج” الروائى والذى تنبأ له بأمر جائزة نجيب محفوظ ، كانت الجائزة سببا في تغيير جدول اعمال الأديب اليومى نظرا لتوافد الاعلاميين اليه لاجراء حوارات معه ، كان الأديب العالمى يعتقد ان السعاده تكمن فى تعدد الاهداف ، لان الهدف الأوحد قد يقتلك فقده وان حصلت عليه انتهى املك ، هكذا كان حاله مع جائزة نوبل فقد اعتراه بعض من الاكتئاب ازاده مرضه وضعف سمعه وبصره ، وتوقع بعدها اقتراب مهاجمة المتطرفين له ، لأنهم يرون فيها الرمز الممثل للغرب الكافر، وهو ما حدث عند محاولة اغتياله فى اكتوبر 1994 . لم تغير الطعنة التى تلقاها فى عنقه ايمانه ببلده وشعبها وثقته فى مستقبلها، وهذا ما أكده فى حواراته الصحفية التي تلت نجاته من الاعتداء الأثيم ، وظل من بعدها على عهده بالتواجد فى الأماكن العامة مع بعض الاحتياطات الامنية التى كان يبغضها لكنه مضطر لها ، وكما اكد فيما بعد ان المصريين اهل مودة وصبر ، كارهين للاستبداد وهم من اكثر الشعوب تدينا واحساسا بالحاكم . أحد أهم اسرار عظمة الأديب العالمى تتجلى فى بساطته المتناهية وتواضعه الشديد ، حيث كان واسع الصدر فى تقبل النقد ممن يصغرونه فى السن والخبرة ، كما كان مبتعدا عن مجالس التملق والمدح ، كان نجيب محفوظ ودودا للغاية ، مهتما باعمال الكتاب الجدد مشجعا لهم ، وكان الكاتب سعيد سالم من هؤلاء الشبان الذين ساندهم نجيب محفوظ حق المسانده فى بدايتهم . كان نجيب محفوظ لا يضيق بمجلسه الصيفى المعتاد رغم ورود شخصيات جديده تميزت بالغرور وحب الحديث عن انفسهم واثارة موضوعات تافهه ، لكنه كان يؤمن باهمية سعة الصدر والتحمل وهذا ما اوصى به كاتبنا حينما قل تواجده فى المجلس الصيفى لضيقه ببعض الأشخاص فيه .
فيض الذكريات
كان نجيب محفوظ يعمل باللجنة التحضيرية للميثاق في عهد جمال عبد الناصر ، وكان معتقدا بأن الدولة ستبدأ عهدا جديدا للحريات ، وعندما طلب من اعضاء اللجنة تقديم مقترحاتهم تقدم بمقترحات شديدة الجرأة بحسن نية ، اخذها السادات وقتئذ ومزقها امامه بعد ان استدعاه فى مكتبه ليجنبه البطش المحتمل ، وبعدها لم يلتق نجيب بأنور السادات حتى ذهب ليهنئه برئاسة الجمهورية فى قصر الطاهرة مع وفد وزارة الثقافة، حدثت بعدها الكثير من اوجه الخلاف بين نجيب محفوظ والرئيس الراحل انور السادات ، كان منها ان اتهم السادات نجيب بشرب الحشيش حينما وجده مع الموقعين على بيان توفيق الحكيم الشهير عام 1972 ، بعدها قرر نجيب محفوظ الابتعاد عن مواطن الصدام مع السلطة ، لكن ذلك لم يمنع حدوث مشكلات خاصة برواية “أولاد حارتنا”. ويقول الكاتب ان الأديب العالمى نجيب محفوظ كان يتمنى ترك الوظيفه لكنه استمر بها لحاجته اليها ، وكان له وجهة نظر معروفة عن الموظفين المصريين ، وهى انهم ينظرون الى الطبقات التى اثرت فى غفلة من الزمن والى الحرفيين الذين اثروا ايضا لندرتهم فيشعرون انهم الوحيدون الذين يعانون من الغلاء ، ومن ثم يهملون فى العمل ويتقاضون الرشوة . ويروى الكاتب ان جائزة نوبل كانت أول من كشف عن بعض الاسرار الخاصة فى الحياة العائلية لنجيب محفوظ والتى تدل على سماته الانسانية الرائعة ، فهو شخص حنون بسيط متواضع وطيب القلب ، كان يضطرب عندما تدق ساعة الابداع وتكون بداية الرواية هى اصعب وقت يمر به ، كما انه لا يجعل للمال اهمية كبرى ، فلا هو ولا اسرته يشعرون بالنقص ، حتى انه وقت تلقيه لجائزة نوبل قسمها اربعة اجزاء، ثلاثة منها لزوجته وابنتيه والجزء الرابع قدمه لعبد الوهاب مطاوع كوديعه للمحتاجين من بريد الاهرام ، وكان من اصعب المواقف التى مر بها تعرضه للنصب وضياع قيمة جائزة الدولة التقديرية التى حصل عليها ، حتى ان بلغ به الحزن ان اصيب بمرض السكر ولم يعد يثق باية معاملات ماليه . كان نجيب محفوظ شخصية فائقة الانضباط ، فهو منضبط فى حفظ الاشياء فى اماكنها ومنضبط فى ضبط الوقت بين سيجارة واخرى ، ناهيك عن انضباطه فى مواعيد نشاطاته المختلفة من عمله الوظيفى وعمله الادبى ، وكذلك مواعيد المشي ومكانه المحدد ، كما كان متمسكا بموعد راحته الاسبوعى يوم الخميس والذى يقضيه مع شلة الحرافيش وهم مجموعة من الاصدقاء القدامى ، كان مؤمنا دائما بان الانسان لا يستقيم امره الا بنظام يسيطر به الانسان على وقته ومسئولياته المختلفه . كان موقف نجيب محفوظ من ثورة يونيو والزعيم جمال عبد الناصر مثله مثل كل انسان مخلص ، يعتبر الزعيم جمال عبد الناصر زعيم وطنى عظيم ، له ايجابيات لا تنسى تجعله يبكى عليه وله سلبيات لا تنسى تجعله يتحسر، كما يروى الكاتب الكثير من المواقف التى مرت بالأديب نجيب محفوظ عقب عقد معاهدة كامب ديفيد ، والتى كانت تدل على تأييده لمسألة التطبيع مما اعطى الفرصة للحاقدين عليه للقول بأن مهادنته لاسرائيل من اسباب حصوله على جائزة نوبل ، وقد لاقى نجيب محفوظ طعنا كبيرا فى دينه وايمانه مما جعل الكاتب يستكمل قائلا في وصفه لشخصية نجيب محفوظ بان رجلا بعقليته وفكره لابد ان يكون ايمانه بالله على طريقته الخاصة بما يتفق وكيفية اقتناعه بممارسة هذا الايمان من قول وفعل وطقوس وسلوك وابداع . وفى يوم 31 اغسطس عام 2006 ودعت مصر الأديب الكبير نجيب محفوظ فى جنازة مهيبة كثر بها رجال الشرطه والشخصيات السياسية البارزة ورفاقه وسط غياب شعبى ، بعدما مر برحلة علاج استمرت 40 يوما ، وخلف للاداب العالمية تراثا ثريا من الرواية والقصص ، وكان قد اوصى بتشييع جثمانه من مسجد الحسين في حي الجمالية والذي شكل خلفية أبرز أعماله الروائية .

إلى الأعلى