الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قل إني مصيّف، لا تقل إني مدير!

قل إني مصيّف، لا تقل إني مدير!

أ.د. محمد الدعمي

” للمرء أن يستفسر من أي مسؤول حكومي يضطلع بأعمال إدارية من الوزراء إلى مدراء المدارس الابتدائية عن معوقات الإدارة، وله أن يتفاجأ بأنها، جوهرياً، واحدة لدى الوزير ولدى المدير العام ورئيس المؤسسة وحتى لدى مديرة البيت من “ستات البيوت” القابعات بعضهن أمام شاشات المسلسلات الفضائية ليل نهار.”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لست أنسى مقالة قصيرة قرأتها قبل عقود في مجلة عربية، أراد كاتبها أن يعرف العرب بأهمية علم الإدارة، بدليل أن مقالته قد خلصت إلى أن واحداً من أهم أسباب تخلف الاقتصاد في العالم العربي يكمن في جهله بالإدارة وعلومها وفنونها.
يبدو أن الرجل كان آنذاك قادما من دورة تدريبية أو دراسة أكاديمية في الولايات المتحدة الأميركية، وأراد أن يفيد أبناء جلدته مما نهل من علوم وتقنيات، خاصة بقدر تعلق الأمر بأهمية العناية بالعلوم الإدارية. أو ربما كان دافعه فردياً بحتا لأنه قد كتب المقالة في مجلة لدولة عربية كانت وقتذاك لم تزل تتحسس طرق التقدم وتحاول مواكبته، فاضطر إلى توجيه عناية أولي الأمر بأهمية الإدارة، أو أنه كان ينوي أن يلقي محاضرات في الإدارة وأهميتها، شرطاً مسبقاً لكل خطوة تقدم حقيقية.
في جهدي الاستذكاري لهذه المقالة، برغم عدم احتفاظي بنصها، لاحظت الآن بعد أن خبرت الحياة الوظيفية ثم الإدارية لعدد من المرات، أن الرجل كان جاداً وأن مقالته هدفت لتحقيق مأرب وطني أو قومي سليم. بيد أنه أخفق في كنه أسباب تخلف الإدارة والإدارات في جميع مرافق الحياة عبر العالم العربي، ربما لأنه كان خريجاً “طازجاً”، إذا صح التعبير، غير عارف بعد بلواجم العمل الإداري في العالم العربي ومكبلاته.
للمرء أن يستفسر من أي مسؤول حكومي يضطلع بأعمال إدارية من الوزراء إلى مدراء المدارس الابتدائية عن معوقات الإدارة، وله أن يتفاجأ بأنها، جوهرياً، واحدة لدى الوزير ولدى المدير العام ورئيس المؤسسة وحتى لدى مديرة البيت من “ستات البيوت” القابعات بعضهن أمام شاشات المسلسلات الفضائية ليل نهار. إن أهم معوقات العمل الإداري في عالمنا العربي تتلخص في بقاء وسيادة العلاقات القبلية الراسبة من الصحراء وعبر العصر الوسيط في قعر عقولنا وأعماق مجتمعاتنا.
لذا على من يعين مديراً لجهاز معين أو لدائرة معينة أن يتذكر بأن عليه أن يتوقع رؤية أشخاص كان قد عرفهم قبل عقود، ثم نساهم: بيد أن هؤلاء كفيلون بتنشيط ذاكرته، أو بتذكيره بعمق الصلات العائلية بين عائلته وعائلة الضيف. زد على ذلك اعتماد القيم القبلية في تعامل المواطن العربي مع “المدير”، ذلك أنه يتوقع من المدير المسكين أن يحيل مكتبه إلى ديوان للاستقبال على الطريقة البدوية، بمعنى أن الضيف يتوقع أن يباشره “القهوجي” بفنجانين من القهوة المركزة والمقطرة لتعيد إليه صوابه وقدرته على التركيز، ناهيك عن أهمية ملاحظة كيف يقفز المدير المعني من كرسيه متحرراً من غلوائه خلف المنضدة لتبادل القبل على الوجنتين مع الضيف المرسل من قبل “أعمامه”. هذه جميعاً معطيات مهمة بالنسبة للعقل العربي لتقييم إدارة “فلان الفلاني” و “فلتان الفلتاني”، وهكذا يبدأ المكتب الإداري المجرد والمجهز بأدوات الاتصال والطباعة من بين سواها من متطلبات الإدارة الحديثة الجيدة بإضافة متطلبات لا صلة لها بالإدارة كالقهوة والشاي وصانعيها، زيادة على “النثريات” الأخرى التي قد يحتاجها لضيافة الضيوف القادمين من المحافظات البعيدة بشيء من كرم حاتم الطائي المقوى بالسمن والرز العنبر الفاخر من مزارع الشامية والمشخاب.
إن نجاح الإداري في العالم العربي يرتكن على تحوله إلى مضيف وعلى تمسكه بابتسامة لا تفارقه مع ألفاظ “صار” و “نعم” و “تدلل” للقادمين إليه بحاجات! أما الإدارة في العالم المتقدم فلا تمت بصلة إلى “الوجهيات” ولا إلى المحسوبية والمنسوبية، لأنها تمت بصلة فولاذية إلى معطيات الحقائق وإلى مصالح المؤسسة التي تدار من قبل شخص لا يمتلك، وهو خلف منضدته أية عواطف لأبناء عمه أو لأخواله. الإدارة في العالم المتقدم مختزلة في معادلة مبسطة، هي: 1+1=2 لا أكثر ولا أقل: ليس فيها مجاملات ولا حاجة للقسم أو للوعود التأجيلية أو لتخطي تعليمات الأعلى على سبيل مغازلة مشاعر الآخرين من أجل مصالح فردية أو شهرة غير حقيقية.
اننا في العالم العربي بحاجة ماسة إلى التأسيس لعلوم إدارية حقة من النوع الذي يأخذ بأيدينا نحو خطى التقدم لا التراجع والنكوص. أزمة الإدارة في هذا العالم هي أزمة حقيقية ولا نحسد عليها، فهي لا تحتاج فقط إلى أقسام إدارة في الكليات ولا إلى متخصصين لمنح شهادات البكالوريوس في الإدارة، وإنما هي بحاجة إلى شيء من التحرر من كوابح البداوة ومطبات جمهور لا يعرف ولا يعترف بسوى حاجاته المباشرة والفورية.

إلى الأعلى