الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / البركان.. قصة انطلاق المقاومة العراقية

البركان.. قصة انطلاق المقاومة العراقية

وليد الزبيدي

رسائل نعي يومية من دونالد رامسفيلد وحالة خوف في عوائل الجنود الذين صدقوا خطاب بوش
الحلقة السادسة عشر
ـــــــــــــــــ
تسلمت قيادة القوات الأميركية في بغداد يوم (الاثنين المصادف 26/5/2003) خبرا أثار الفزع في مقر القيادة، فقد وصل نشاط المقاومة العراقية إلى مناطق نائية، حيث شن المقاومون هجوما في ذلك اليوم على دورية أميركية بالقرب من الحدود السورية ضمن قاطع محافظة الأنبار، واعترف الجيش الأميركي بوقوع الهجوم بالقرب من الحدود السورية، وتمكن المقاومون من قتل جندي أميركي وجرح اخر، وقال بيان القوات الأميركية (85 )أن الهجوم وقع في مدينة حديثة (250 كم غرب بغداد). وتمكن المقاومون من تنفيذ هجومهم والإنسحاب من المكان بأمان، وسيطر الرعب على أفراد الدورية الأميركية، الذين سارعوا إلى إطلاق النار بصورة عشوائية، وتوارى المهاجمون عن الأنظار خلال دقائق، وسرعان ما استدعت الدورية الأميركية طائرات الهلكوبتر (المروحيات) التي حلقت على إرتفاعات واطئة، في حين شوهدت طائرة تهبط في مكان الهجوم، ونقلت القتلى والجرحى، ويقول شهود عيان أن الهجوم أسفر عن تدمير عربة (همر) وإحراقها وقتل جميع من كانوا بداخلها ويقدر عدهم بين (4 إلى 5 جنود)، إلا أن البيان العسكري الأميركي إعترف بمقتل جندي وجرح اخر، ووصف البيان الأميركي المهاجمين بأنهم قد نصبوا (كمينا) للدورية الأميركية، وهو إعتراف بأن المقاومة العراقية قد بدأت تعمل وفي وقت مبكر وفق خطط وسياقات عسكرية وإستخبارية، وإصطلاح (كمين)، يؤكد أن عملية رصد ميداني ومتابعة استخبارية قد نفذها المقاومون، وأنهم جمعوا معلومات ميدانية عن تحرك الدوريات العسكرية الأميركية، وكان المقاومون ينتظرون الدورية الأميركية
في ضوء المعلومات وعملية الرصد والمتابعة، وأن الهجوم الذي شنه المقاومون لم يكن مصادفة، أو عبارة عن صدام مفاجئ بين الدورية العسكرية الأميركية والمقاومين العراقيين.
في يوم الاثنين ايضا (26-5-2003) نفذت المقاومة العراقية هجوما نوعيا اخر،فقد تصدى مجموعة من رجال المقاومة لدورية أميركية في الشارع الرئيسي المؤدي إلى مطار بغداد الدولي، وتمت مهاجمة إحدى الدوريات التي غالبا ما تقل الشخصيات والضباط الذين يصلون إلى المطار (30 كم غرب العاصمة) وتسلك هذه الدوريات الطريق الذي يربط المطار بالمنطقة الخضراء (مجمع القصور الرئاسية) على الضفة الغربية لنهر دجلة، وقد إتخذته القيادة العسكرية والمدنية الأميركية مقرا لها، ويخترق هذا الطريق الحديث حي العامرية وحي العامل والقادسية واليرموك والحارثية وكرادة مريم، واعترف متحدث بإسم القوات الأميركية (86 )، أن قواتهم تعرضت إلى هجوم على طريق مطار بغداد الدولي، وأن الهجوم أسفر عن جرح أربعة جنود أميركيين، وطالما أن البيان قد إكتفى بهذا القدر من المعلومات، فأن ذلك يدلل على أن المهاجمين تمكنوا من الإنسحاب دون أن يصاب أحد من المقاومين العراقيين، وأن القوات الأميركية لم تتحرك لمطاردتهم بعد تنفيذهم الهجوم، ومعروف أن الدوريات الأميركية تتوقف عرباتها فور تعرض إحداها لهجوم بالعبوات أو القذائف الصاروخية، وتبدأ بإطلاق النار بصورة عشوائية، ولايستطيع أحد من عناصر الدورية الخروج من داخل عرباتهم المصفحة لحين وصول المروحيات، ولايستغرق إستدعاء المروحيات سوى دقائق قليلة، في حين يتوارى المقاومون ولايمنحون المروحيات فرصة لرصدهم وإصطيادهم، وبدون شك أن مثل هذه الهجمات في الأراضي المنبسطة والمفتوحة تتم وفق خطة عسكرية ميدانية متقنة، يتم إعدادها من قبل رجال المقاومة، بعد دراسة جغرافية المكان، الذي يتم فيه تنفيذ الهجوم، وفي اليوم التالي (27/5/2003) اعترف الجيش الأميركي بوفاة أحد الجنود الأربعة الجرحى في الهجوم الذي نفذته المقاومة العراقية في اليوم السابق على طريق مطار بغداد الدولي، وروى ضباط الجيش الأميركي روايتين متناقضتين حول هذا الحادث، فبينما قال البيان الصادر عن القوات الأميركية، أن جنديا قتل وجُرح ثلاثة اخرون عندما مرت السيارة التي كانوا على متنها على لغم أو ذخيرة غير منفجرة على طريق يؤدي إلى مطار بغداد (87 )(صحيفة الرياض السعودية في 28/5/2003)، قال ضباط أميركيون أن أربعة جنود أميركيين جُرحوا على الطريق المؤدية إلى مطار بغداد الدولي، وأن مجهولا قد ألقى حقيبة تحتوي على عبوة ناسفة أمام موكب للقوات الأميركية على الطريق الرئيسية المؤدية إلى المطار(88 ) (وكالة انباء فرانس برس في 27/5/2003)، وزاد من غموض القصة بيان القيادة الأميركية الوسطى، الذي أعلنت فيه مقتل الجندي الأميركي وجاء فيه (يبدو أن وفاة الجندي نتيجة عمل عدائي بالرغم من أن الظروف الحقيقية للحادث لم تتأكد بعد).
وفي جميع الاحوال، فإن الهجوم نفذه المقاومون العراقيون ضد قوات الإحتلال الأميركية في واحد من أهم شوارع العاصمة العراقية، الذي يربط بين أهم قاعدتين عسكريتين أميركيتين في العاصمة، وهما القاعدة العسكرية في مطار بغداد الدولي، والقاعدة العسكرية في مجمع القصور الرئاسية (المنطقة الخضراء).
في نفس اليوم (الاثنين 26/5/2003) سقط جندي أميركي اخر قتيلا في منطقة (التليل) على بعد 250 كم جنوب شرق بغداد، في يوم الثلاثاء (27/5/2003) نفذت المقاومة العراقية هجوما كبيرا، وإستهدفت هذه المرة المروحيات الأميركية، وتمكن المقاومون من إسقاط مروحية أميركية، وصوبوا صواريخ مقاومة الطائرات وتحطمت المروحية في أطراف مدينة الفلوجة، وشوهدت نيران ودخان تتصاعد من الطائرة المحطمة، وسارعت القوات الأميركية إلى مكان سقوط المروحية وعزلت المنطقة بالكامل، وشوهدت مروحيتان تهبطان بالقرب من المروحية التي أسقطها المقاومون العراقيون، وقالت (قناة الجزيرة الفضائية) (89 )أن عددا ممن كانوا على متن المروحية التي سقطت في مدينة الفلوجة قُتلوا، ولم تعط الجزيرة مزيدا من التفاصيل، وإعترف الجيش الأميركي بالحادث، إلا أن البيان الذي صدر بهذا الخصوص لم يعط المزيد من التفاصيل.
لم يكن إسقاط المروحية الأميركية في يوم (الثلاثاء27/5/2003) الهجوم الوحيد للمقاومين العراقيين في مدينة الفلوجة، فقد شن المقاومون هجوما اخر، واعترفت القوات الأميركية بالهجوم، وأعلنت القيادة الوسطى الأميركية، أن الجنود الأميركيين في الفلوجة (60 كم غربي بغداد) قد تعرضوا لهجوم بصواريخ (ار بي جي) وبأسلحة خفيفة، وقُتل جنديان وجُرح تسعة اخرون، ورغم أن البيان الأميركي قد زعم مقتل اثنين من المهاجمين وأسر ستة منهم، إلا أن شهود عيان في الفلوجة قالوا، أن المهاجمين أطلقوا قذائفهم من مكانين بإتجاه القوات الأميركية، وخلال دقيقتين إنسحبوا جميعا، في حين أطلقت دبابة نوع (برادلي) النيران الكثيفة وأصابة عددا من العراقيين، الذين تواجدوا مصادفة أثناء الهجوم بالقرب من المكان.
كان يوم (الاربعاء 28/5/2003) ليس كبقية الأيام، فقد أجبر المقاومون العراقيون القيادة العسكرية الأميركية على الاعتراف بوقوع هجمات عديدة، وفي الوقت نفسه، اضطر الحاكم الأميركي بول بريمر إلى الظهور في وسائل الإعلام، في محاولة منه للتقليل من خطورة الهجمات المبكرة، التي تنفذها المقاومة العراقية، وقبل أن يمضي شهر واحد على خطاب الرئيس جورج دبليو بوش، الذي ألقاه بداية شهر مايو، وأعلن فيه الانتصار الكبير وإنتهاء العمليات العسكرية في العراق، ففي يوم (الاربعاء) إعترفت القيادة الوسطى بأن تسعة جنود أميركيين قد أُصيبوا خلال 24ساعة، وقال المتحدث بإسم الجيش الأميركي( 90)، أن هؤلاء الجنود أُصيبوا في هجمات نفذها العراقيون في مناطق بوسط وشمال العراق، وأكد الكابتن ديفيد كونولي، أن هؤلاء الجنود التسعة، ليسوا من ضمن الخسائر التي تكبدتها القوات الأميركية أول من أمس في مدينة الفلوجة، حيث قُتل جنديان وجرح تسعة اخرون في كمين( 91) (المصدر وكالة الصحافة الفرنسية 28/5/2003)، وبسبب تصاعد هجمات المقاومة العراقية،فقد إضطر بول بريمر إلى الحديث في قناة (أي.بي.سي) الأميركية(92 )، ولم يتمكن من إنكار تصاعد الهجمات وتكبد القوات الأميركية المزيد من القتلى والجرحى، فهو يعرف أن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد يكتب يوميا رسائل نعي ومواساة إلى عوائل الجنود القتلى والجرحى، وأن حالة من الخوف بدأت تدب بين عوائل الجنود الذين صدقوا خطاب بوش وإعتقدوا أن بناتهم وأبناءهم، الذين يتواجدون في العراق لايتعرضون لأي خطر.
وقال بول بريمر في المقابلة التلفزيونية، بعد الهجوم على القوات الأميركية في الفلوجة، أن قواتنا سوف تتعرض ايضا يوما ما لخسائر في الأرواح، كما حصل اليوم، ولكن هذا لايعني بحد ذاته أن الأشياء تتفاقم. (مقابلة بول بريمر مع قناة (ABC) بتاريخ 28/5/2003).
طالب بريمر في بيان اخر العراقيين بتسليم أسلحتهم نوع (اربي جي سفن) و(الرشاشات)، وقالت بعض وسائل الإعلام، أن هذا القرار جاء بعد تعرض قواتهم إلى هجمات نتج عنها قتل وجرح العديد من الأميركيين، وإستمهل بيان بريمر المواطنين العراقيين اسبوعين لتسليم كل ماموجود لديهم من أسلحة.
أواخر مايو 2003، بدأت بوادر الإرتباك الاولى تظهر على القرار الأميركي في العراق، فبينما أعلن قائد عسكري أميركي، أن القوات الأميركية قد يتم خفض عديدها من 165 الف إلى 100 الف خلال عدة أشهر، تسربت معلومات عن إضطرار البنتاغون إلى مراجعة خططه العسكرية في العراق، بعد أن إزدادت هجمات المقاومة العراقية ضد القوات الأميركية، وقالت صحيفة نيويورك تايمز (العدد الصادر يوم 29/5/2003) أن الولايات المتحدة تطور خطة للإحتفاظ بقوات في العراق أضخم مما كان متوقعا لتأمين البلاد، في خطوة تأتي بعد مقتل أربعة جنود أميركيين وجرح العشرات خلال أيام قليلة. وبدأ يتردد للمرة الاولى مصطلح (البؤر الساخنة) في تصريحات القادة العسكريين في القوات الأميركية، وذكرت صحيفة نيويورك تايمز نقلا عن مسؤولين أميركيين بارزين لم تذكر أسمائهم، أن الخطط تقوم على أن تحتفظ الولايات المتحدة في العراق بمعظم فرقة المشاة التي تتولى المسؤولية في بغداد حتى يستتب الأمن، وأن الجيش الأميركي سينشر وحدات من هذه الفرقة في “البؤر الساخنة” وربما تشمل الفلوجة غربي بغداد والمناطق الشمالية بالإضافة للعاصمة نفسها. وأن الفيلق الخامس في الجيش الأميركي، الذي سيتولى قيادة القوات في العراق خلال يونيو يعيد تقييم إحتياجات القوات.
تواصلت هجمات المقاومة العراقية ضد قوات الإحتلال الأميركية، واعترفت القيادة الوسطى بتعرض قواتها إلى هجوم مسلح، وجاء في البيان الصادر عن القوات الأميركية(93 )، أن جنديا أميركيا اخرقد قُتل بالرصاص في العراق (الخميس 29/5/2003)، حيث تعرض رتل للقوات الأميركية إلى هجوم مسلح أثناء رحلة على طريق رئيسي وصُوبت النيران ضد الرتل وتوفي الجندي في المستشفى، ولم تذكر القيادة المركزية إسم الجندي ولم تحدد موقع إطلاق النار، لكنها قالت أن تحقيقا يجري لمعرفة ملابسات الهجوم.
في يوم (29/5/2003) تم الإعلان عن إجبار القوات الأميركية على الانسحاب من مخفر شرطة تمركزت فيه هذه القوات منذ مدة في مدينة هيت (200 كم غرب بغداد)، ونقل مراسل صحيفة الرياض السعودية الصحفي العراقي عبدالوهاب القيسي(94 ) (رحمه الله) عن شهود عيان في المدينة، أن مصادمات قد حصلت بين مهاجمين والقوات الأميركية، أُصيب خلالها جنديان أميركيان وأحرق المقاومون العراقيون مركز الشرطة والسيارات التابعة له، وروى شهود عيان أن القوات الأميركية سارعت إلى سحب قواتها إلى خارج مدينة هيت الواقعة ضمن محافظة الأنبار، وتم إخلاء الجرحى، ووصلت مروحية أميركية لنقل الجرحى من الجنود إلى أحد المستشفيات العسكرية الأميركية القريبة.
في يوم (الخميس) ايضا والمصادف 29/5/2003، تم الإعلان عن تغيير في الخطط العسكرية الأميركية في العراق، ونقل الصحفي الأميركي (مايكل غوردون) بصورة صريحة عن مسؤولين أميركيين قولهم، أن قواتهم في العراق تواجه (مقاومة مسلحة)، وهو إعتراف واضح بحجم المقاومة التي تنفذ هجماتها ضد قوات الإحتلال، وذكرت صحف أميركية، أن البنتاغون يخطط للإبقاء على أعداد كبيرة من الجنود تفوق ما كان مقدرا، وإرسال وحدات قتالية إلى المناطق المثيرة للقلق خارج بغداد، وكان مسؤولون أميركيون قد أعربوا اوائل شهر مايو 2003، عن أملهم في تخفيض أعداد القوات الأميركية بمعدلات أسرع، بحيث يصل الوجود العسكري الأميركي في العراق إلى أقل من فرقتين بحلول الخريف من عام2003، لكن في واقع الحال أجبرت هجمات المقاومة العراقية قيادات (البنتاغون) على الدخول في نقاشات حادة وواسعة حول الأوضاع في العراق، ولم يكن قد مضى في ذلك الوقت على عمر الإحتلال سوى خمسون يوما، وإنقضت أربعة أسابيع فقط على إعلان الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش عن تحقيق (الانتصار الكبير في العراق). وعادت طروحات الجنرال ايريك شينسكي رئيس هيئة أركان الجيش الاولى إلى واجهة النقاشات، بعد أن إعترض عليها وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبه بول وولفويتز، والتي قال فيها في فبراير2003 ، أي قبل الغزو بأسابيع، أنه ستكون هناك حاجة لمئات الالاف من القوات لتأمين عراق ما بعد الحرب، ورد عليه رامسفيلد بقوله (فكرة أن الولايات المتحدة ستكون بحاجة لعدة مئات من آلاف الجنود على ما اعتقد تبدو غير منطقية)، وإتفق غالبية القادة العسكريين الأميركيين على أن مائة الف جندي عدد يكفي في العراق، وأن هذا العدد قد يتضاءل سريعا. وأكدوا أن العراقيين سيرحبون بالأميركيين بإعتبارهم “محررين”، وعبر جنود من الفرقة الأميركية الثالثة عن تشاؤمهم بسبب قرار تمديد بقاء قطعاتهم في العراق خلافا لما كان مقررا، وقال ضابط أميركي (على المرء أن يتأقلم مع الظروف).
في يوم (الجمعة) المصادف 30/5/2003، اعترفت القوات الأميركية بتعرض قواتها إلى هجوم نفذه المقاومون العراقيون في منطقة ديالى، وقالت القيادة الأميركية الوسطى، أن مهاجمين أطلقوا على قواتها قذائف مضادة للدبابات (ار بي جي) ورصاصا من أسلحة خفيفة في محافظة ديالى شمال شرق بغداد، وإستهدف هجوم المقاومة العراقية دورية من الفرقة الرابعة في اللواء الثاني من القوات الأميركية في مدينة (المقدادية)، على بعد 100كم شمال شرق العاصمة بغداد( 95).(المصدر جريدة الرياض السعودية عدد يوم 31/5/2003).
وجاء الاعتراف الأميركي بالهجوم الذي نفذته المقاومة العراقية في المقدادية متأخرا، فقد أكد شهود عيان أن الهجوم قد وقع يوم (الاربعاء) في 28/5/2003، وأن إحدى الدبابات الأميركية قد تم إحراقها بالكامل وقُتل وجُرح من كانوا بداخلها، وفرضت القوات الأميركية طوقا على المكان وأطلقت النيران بكثافة وبصورة عشوائية.
أدركت القوات الأميركية، أن الأوضاع في العراق ليست سهلة، وأن الطريق لن يكون مليئا بالزهور، كما توقعوا، وبدأوا التحرك على أكثر من صعيد، فبالإضافة إلى تشكيل خلايا أزمة في البنتاغون تواصلت مباحثاتها مع القيادة العسكرية الأميركية في بغداد، لتحديد أعداد القوات في العراق وإستقدام قوات اخرى، لفت النداء الذي وجهته القوات الأميركية الإنتباه،الذي بثته وسائل الإعلام الانتباه، وقالت في بيانها أو ندائها عبر إذاعة (قوات التحالف) ندعوا العراقيين الى تقديم أي معلومات إلى قوات التحالف عن تحركات وأماكن تواجد المسلحين، وأكد البيان أن قوات التحالف ستقدم الحماية لمن يقدم أي معلومات له ولعائلته. وجاء في النداء، يجب القضاء على هؤلاء المحاربين، قبل أن يتمكنوا من إيذاء عائلتك ووطنك، وإعترفت القوات الأميركية بوجود مجاميع تنفذ هجمات تستهدفها، ووجود مجاميع اخرى تخطط لتنفيذ الهجمات، وقال البيان أن هؤلاء يدّعون أنهم يمثلون رغبة الشعب العراقي (تمت إذاعة البيان يوم (الجمعة30/5/2003).
في اخر يوم من شهر مايو 2003، اعترف الجيش الأميركي بصعوبة الأوضاع في العراق، وقال اللفتنانت جنرال جيمس كونواي قائد قوة الإستطلاع الاول في قوة مشاة البحرية الأميركية (المارينز) في العراق، سيتعين على قوات المارينز المقدر بحوالي 40 الفا في العراق والكويت العودة بسرعة للقيام بعمليات الإنتشار المقررة، وقال إن سلسلة الهجمات القاتلة التي تعرض لها الجنود الأميركيون في العراق أجبرت القادة الأميركيين على التفكير في عدم إعادة أي جندي إلى الولايات المتحدة قبل وصول تعزيزات جديدة. لم يقتصر حديث الجنرال الأميركي على هذا الجانب لوحده، بل حاول تحليل أهداف المقاومة من تلك الهجمات التي وصفها بـ (القاتلة)، وقال أن هناك بعض الأفراد الذين يعلمون جيدا أن حتى الهجمات الصغيرة يمكن أن تتصدر أخبار وسائل الإعلام. (المصدر- وكالات الانباء في31/5/2003).
يونيو .. الارتباك والتحول
فوجيء الأميركيون، وبالأخص عوائل الجنود والضباط، الذين يخدمون في العراق ضمن قوات المارينز،بتصريح كونواي الذي مثّل تحولا كبيرا في الموقف العسكري، وأصيبت العوائل الأميركية بالخيبة،عندما إستفاقوا ليجدوا الصحف الأميركية وقد نشرت على إستحياء تصريحا لقائد عسكري في الجيش الأميركي في العراق ،يقول فيه (لا قوات تغادر العراق قبل وصول تعزيزات جديدة).
هذا التصريح يخالف تماما حجم الأمل الذي بثه الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش قبل شهر واحد فقط، عندما اعلن في خطابه الانتصار الكبير في الأول من مايو العام 2003، معلنا انتهاء العمليات العسكرية الكبرى.
تحدث الجنرال الأميركي جيمس كونواي عبر دائرة تلفزيونية مغلقة من مدينة الحلة (جنوبي بغداد)، وقال أن هناك بعض الافراد الذين يعلمون جيدا،أن تلك الهجمات الصغيرة التي يتعرض لها جنودنا هنا في العراق، يمكن أن تتصدر اخبار وسائل الإعلام، وعلى خلفية هذه الهجمات يعكف القادة العسكريون الأميركيون الكبار حاليا، بدراسة ما ستكون عليه متطلبات بنية القوات الأميركية في الاسابيع وربما الاشهر المقبلة.(96 ) (نشرت تصريحات كونواي في الأول من يونيو 2003 صحف أميركية وعالمية ووزعته كبرى وكالات الانباء).
كانت البيانات الصادرة عن القيادة العسكرية الأميركية الوسطى قد اعترفت بسقوط عشرين قتيلا بين قواتها خلال شهر مايو، أي بعد إعلان الرئيس الأميركي بوش بيان “الانتصار الكبير مطلع ذلك الشهر”.
ووصل عديد القوات الأميركية في مختلف مناطق العراق إلى 147 الف عنصر،في حين بلغ عديد القوات البريطانية 15 الف عنصر.
في تلك الاثناء بدأت الدبلوماسية الأميركية أولى تحركاتها لإقناع العديد من الدول للمشاركة في احتلال العراق ودعم قواتها التي تواجه مقاومة اخذة بالازدياد، كما اعترفت بذلك تصريحات القادة العسكريون الميدانيون.
في اليوم ذاته، الذي نشرت الصحف الأميركية تصريح القائد الأميركي الصادم لعوائل وأقارب جنود وضباط المارينز في العراق، وجد خبر مأساوي اخر مكانا له في غالبية الصحف الأميركية،كما ذكرت ذلك الكثير من محطات التلفزة داخل الولايات الأميركية وخارجها،ففي يوم الأحد “عطلة الأميركيين الاسبوعية في الأول من يونيو 2003″ شن المقاومون العراقيون هجوما شرسا ضد دورية للقوات الأميركية في العاصمة العراقية،ومع غروب الشمس من يوم الاحد، أطلق المقاومون القذائف القاتلة على دورية أميركية في منطقة الاعظمية ببغداد،وإستنادا إلى وكالة الصحافة الأميركية التي أبرقت الخبر إلى مختلف أرجاء العالم فأن جنديا أميركيا قد قتل جراء الهجوم وجُرح جنديان اخران.
ونقلت قناة الجزيرة الفضائية عن مراسلها الذي صادف وجوده لحظة الهجوم على مقربة من المكان تفاصيل الهجوم، وقال المراسل في النشرة المسائية( 97)أن الجنود الأميركيين قد صوبوا أسلحتهم نحو فريق الجزيرة وهم في حال من الإرتباك والخوف، وأكد المراسل مقتل أحد الجنود وجرح اثنين، في حين سارعت مروحية أميركية الحضور إلى مكان الهجوم ونقلت جثة القتيل إضافة إلى الجرحى عند ساعة وقوع الهجوم الذي شنته المقاومة العراقية ضد القوات الأميركية لم يكن الوقت قد بلغ منتصف يوم الاحد، بسبب فرق الوقت بين العراق والولايات المتحدة الذي يتراوح بين 8 إلى 10 ساعات وحسب جغرافية الولايات المتحدة.
ــــــــــــــــــ
85- بيان البنتاجون 26-5-2003.
86- متحدث بإسم القوات الأميركية اعترف بالهجوم يوم 26-5-2003.
87- صحيفة الرياض السعودية في 28-5-2003.
88- وكالة انباء فرانس برس في 27-5-2003.
89- قناة الجزيرة الفضائية 27 -5-2003.
90- الكابتن ديفيد كونولي المتحدث باسم القوات الأميركية بتاريخ 28-5-2003.
91- المصدر وكالة الصحافة الفرنسية 28-5-2003.
92- مقابلة بول بريمر مع قناة (ABC) بتاريخ 28-5-2003.
93- بيا ن الجيش الأميركي الخميس 29-5-2003.
94- مراسل صحيفة الرياض السعودية الصحفي العراقي الراحل عبدالوهاب القيسي 29-5-2003.
95- المصدر جريدة الرياض السعودية عدد يوم 31-5-2003.
96- نشرت تصريحات كونواي في الأول من حزيران 2003 صحف أميركية وعالمية ووزعته كبرىات وكالات الأنباء
97- قناة الجزيرة نقلا عن مراسلها ببغداد في 1-6-2003.

إلى الأعلى