الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف عن اللقاء

اصداف عن اللقاء

وليد الزبيدي

عن اللقاء، الذي أشرنا إليه في المقال السابق، روى السلطان عبدالحميد الثاني وهو رهن الاعتقال، بعد أن اطاحت به جمعية الاتحاد والترقي، يقول: (طلبت من رجال القصر أن يقودوا هرتزل ورئيس الحاخامين في تركيا حالاً إلى خارج القصر، وبذلك اصبح اليهود اعدائي، فما ألاقيه هنا في سلانيك “مقر اعتقاله” من عذاب الاعتقال ليس سوى جزائي منهم حيث لم أرضْ أن اقتطع لهم أرضاً لدولتهم المزعومة).
بعد مقابلة هرتزل الفاشلة مع السلطان عبد الحميد الثاني كتب يقول في يومياته (أقر على ضوء حديثي مع السلطان أنه لا يمكن الاستفادة من تركيا إلا إذا تغيرت حالتها السياسية أو عن طريق الزج بها في حروب تهزم فيها، أو عن طريق الزج بها في مشكلات دولية أو بالطريقتين معاً في آن واحد).
ويقول ايضاً في مذكراته (إني أفقد الأمل في تحقيق اماني اليهود في فلسطين، وأن اليهود لن يستطيعوا دخول الأرض الموعودة، ما دام السلطان عبد الحميد قائماً في الحكم مستمراً فيه).
وسط هذه الأجواء ادرك المسؤولون في الدولة العثمانية أن اليهود يحاولون أن يخلقوا المشاكل لغرض فرض إرادتهم على السلطان، وقال بهذا الصدد ـ علي فروخ بك ـ لوسائل الإعلام (إنه لبعيد عن الصواب أن يقوم الصهاينة على خلق صعوبات للحكومة العثمانية بغية ارغامها على تحقيق مطامحهم، ولكن هذه الصعوبات سوف تؤدي في نهاية الأمر إلى إلحاق الأذى بوجودهم السلمي والسعيد في الدولة العثمانية).
وكان السلطان يقف بصلابة أمام المحاولات اليهودية للهجرة إلى فلسـطين واحتلالها، ونراه يقول بهذا الصدد (لماذا نترك القدس، إنها أرضنا في كل وقت وفي كل زمان وستبقى كذلك، إنها مدينتنا المقدسة، وتقع في أرض إسلامية، لا بد أن تظل القدس لنا).
وفي 12 شباط/فبراير عام 1902 سافر هرتزل إلى اسطنبول في زيارة رابعة، ولكنه لم يستطع هذه المرة مقابلة السلطان عبدالحميد الثاني.
كانت الزيارة الأخيرة لزعيم الصهيونية ثيودور هرتزل لاسطنبول في 25 من تموز/يوليو 1902، أي بعد خمسة اشهر من زيارته الرابعة، وكانت هذه المرة بدعوة من السلطان، إذ يقول عنها اورخان محمد علي إن السلطان أراد أن يلعب بورقة هرتزل لأنه كان على وشك الدخول في مفاوضات مالية مع فرنسا، وفي هذه الزيارة وبعد أن قدم هرتزل مقترحاته، لم يقطع له السلطان أي وعد واحاله إلى الصدر الأعظم، وعندما بدأ هرتزل حواره مع الصدر الاعظم ومع رجال القصر سمع الرأي السابق نفسه وبإصرار.. ويذكر في مذكراته: يمكن للإسرائيليين أن يقبلوا ويستقروا في الامبراطورية العثمانية شرط أن لا يكونوا جميعاً في مكان واحد، بل يفرقوا في اماكن تعينها لهم الحكومة، وشرط أن يقرر عددهم مسبقاً من قبل الحكومة وسيعطون الجنسية العثمانية ويسألون عن جميع الضرائب المدنية بما فيها الخدمة العسكرية، كما سيكونون خاضعين لجميع قوانين البلاد وكالأتراك تماماً.
ومن الملاحظ أن السلطان لم يعط أي وعد لهرتزل، كما أن الاخير لم يتمكن من تحقيق خطوة جديدة نحو المرامي التي يسعى لتحقيقها.
تذكر بعض المصادر الصهيونية أنه بسبب الموقف العثماني المتصلب من المشروع الصهيوني، عرض على هرتزل اقتراح لا يمكن للصهيونية أن تحقق مشروعها بدونه، ويقضي بأن يبحر هرتزل إلى البوسفور في سفينتين وينسف قصر (يلدز)، ويعمل على اتاحة الفرصة للسلطان عبد الحميد بالهرب أو القبض عليه وتعيين سلطان آخر بدلاً منه، وبرغم غرابة الاقتراح فقد درسه هرتزل وقدر تكاليفه وفكر بعواقب فشله، وقد طرحت الفكرة في 24 شباط (فبراير) عام 1904 وقرر هرتزل اللجوء إليها إذا فشلت مساعيه الأخيرة في اسطنبول، غير أنه سرعان ما بدل رأيه بسبب خشيته من قيام مذبحة هائلة، قد تسفر عن طرد اليهود من الدولة العثمانية إذا فشل المشروع.

إلى الأعلى