السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “البروبوغاندا”.. العصا السحرية للقوة الإعلامية الصهيونية

“البروبوغاندا”.. العصا السحرية للقوة الإعلامية الصهيونية

محمد بن سعيد الفطيسي

” ..البروبوغاندا الإعلامية السياسية الصهيونية الحالية هي جزء لا يمكن فصله عن التاريخ اليهودي الصهيوني القديم والحديث، كما أنها من أسس بناء المشروع القومي الصهيوني العالمي القائم على بناء وتأسيس إسرائيل الكبرى أو إسرائيل التاريخية، الذي يتم توجيهه وإدارته من الولايات المتحدة الاميركية،”
ـــــــــ
تعتبر وسائل الإعلام بمختلف أشكالها وأنواعها من أهم الوسائل الحديثة للاتصال بين الأمم والشعوب في مختلف أرجاء الأرض، وبالتالي فإن تلك الوسائل ومن ذلك المنظور، لها من القوة والإمكانية ما يجعلها قادرة على الدخول واختراق أصعب الأماكن التي تعجز الوسائل التكنولوجية الحديثة الأخرى بشتى أنواعها من الدخول إليها بتلك السهولة والسلاسة، وعليه فإن تلك الوسائل تتحول تدريجيًّا في حياتنا اليومية إلى نوع من عوامل البناء أو الهدم، وبمعنى آخر تستطيع أن تكون وسيلة إنسانية وأخلاقية لخلق توازن بناء بين العلم والتعليم والإسماع والاستماع في مختلف المجالات والميادين الحياتية، أو التحول إلى نوع من الوسائل الظلامية الهدامة لتفتيت العقول وتشتيت الأفكار، وذلك بحسب الهدف المراد من ورائها.
وقد تنبهت الصهيونية إلى تلك القوة الهائلة لوسائل الإعلام بمختلف أنواعها في ممارسة اللعبة السياسية من خلال استغلال فن الخداع البصري والسمعي ـ الدعاية السياسية ـ على المشاهدين والمستمعين بمختلف مستوياتهم التعليمية والاجتماعية والسياسية، بحيث تم استغلال تلك الوسائل ـ التي يفترض أن تكون وسائل موضوعية وحيادية لنقل الحقائق بكل مصداقية ـ لتزييف الحقائق وتشويه الصور على أرض الواقع، وذلك من خلال إعلام مضاد ودعاية سياسية موجهة لقلب الواقع وتغيير ملامحه الحقيقية لتوازي وتواكب الهدف الصهيوني المراد توصيله إلى المشاهد والمستمع في مختلف أرجاء المعمورة.
وفي هذا السياق يقول الكاتب اليهودي ويليام تسوكرمان (في رأيي إن قوة البروبوغاندا الحديثة المخيفة والمرعبة والقادرة على احتلال أذهان الناس وحياتهم، وعلى التلاعب بعواطفهم، وتحويلهم إلى حيوانات، وليست في أي مكان على هذا الوضوح كما هي في البروبوغاندا الصهيونية… فقد نجحت هذه البروبوغاندا حرفيا في تحويل الأسود إلى ابيض، والأكاذيب إلى حقيقة، والظلم الاجتماعي الخطير إلى عمل عادل يمتدحه الكثيرون، كما حولت أناسا قادرين من ذوي الألباب إلى مغفلين وأغبياء).
لذلك جند الإعلام الإسرائيلي لخدمة القضايا الإسرائيلية الرسمية بشكل عام، ووجه ليقف مع الأهداف السياسية والقومية التاريخية للصهيونية بشكل خاص، ومن هذه الرؤية الإسرائيلية لقوة الإعلام في التأثير على المتلقي في العالمين العربي والغربي، انطلقت “البروبوغاندا” الصهيونية لتلعب دور (الحاوي السياسي) الذي يعرف كيف يتلاعب بالألفاظ السياسية والمصطلحات الإعلامية بهدف خدمة الأجندة الصهيونية، وخصوصا على مستوى القضايا الحساسة كقضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الذي لعبت الدعاية الصهيونية الإسرائيلية دورا كبيرا في تشويه معالمها وصورها الجميلة والنضالية.
وعليه فإننا نستطيع أن نطلق على ذلك الإعلام الإسرائيلي بأنه إعلام رسمي موجه، يعتمد الموقف الرسمي في كل تحركاته وسكناته، وكأنه موقف لا جدال عليه، والرأي الآخر يأتي على شكل موقف مشكوك بمصداقيته (ولهذا الأمر عدة أمثلة، فلم يشكك الإعلام الإسرائيلي أبدا في رواية واحدة من تلك التي يرويها الجيش الإسرائيلي، ـ في وقت تعتبر فيه ـ الرواية الفلسطينية هي رواية مشكوك بها، فالجيش مثلا (يقول) أما المصادر الفلسطينية فإنها (تزعم)، والجيش (يطلق النار ردا على اعتداء)، والفلسطينيون (معتدون)، بحيث تتحول الحقيقة فيه إلى كذبة، والواقع إلى خيال، وبمعنى آخر تكون الضحية هي الجزار والإرهابي، والمحتل المستعمر هو الضحية البريئة المغلوب على أمرها، وبالتالي تتغير صور الحوار وواقع الحال وكل ما يكون من آثار ومشاهد إلى مصطلحات محورة ومزيفة، ومنطق عذب يخفي وراءه عنقاء الانتقام وغول الحقد والكراهية وأسوأ مظاهر الكذب والخداع الإعلامي السياسي على الأذقان واللحى.
كما امتدت تلك الرؤية الإسرائيلية التي استغلت من خلالها “البروبوغاندا”السياسية الإعلامية لخدمة المصالح الصهيونية في الخارج الإسرائيلي، وذلك في عدة قضايا دولية، وخصوصا تلك التي تخص العالم العربي وتدخل من ضمن خصوصياته أو سيادته الإقليمية، كاللعب على وتر الطائفية السياسية في العراق من اجل إثارة الفوضى والبلبلة وعدم الاستقرار، وبالطبع فإن الهدف من وراء ذلك معروف، وعلى رأس تلك الأهداف بقاء الاحتلال الاميركي الإسرائيلي في ذلك الجزء الغالي من وطننا العربي إلى أطول أمد ممكن، كذلك من خلال إثارة الفتنة والعداوة ما بين الشقيقين العربيين الجارين الجمهورية العربية السورية ولبنان، وتأجيج الملف النووي الإيراني، وغيره من الملفات العربية الحساسة.
نعم… لذلك تميز اغلب الإعلام الإسرائيلي الصهيوني الموجه ـ مع الاحترام للمبدأ ـ الذي ترتكز عليه الأيديولوجية الإعلامية القائمة على الوقوف مع جل القضايا الإسرائيلية بكل قوة وشراسة بتلك الميزة السابقة، تلك الميزة الوطنية القومية التي يفتقدها الكثيرون في عصرنا هذا، وذلك من خلال ممارسة إعلامية مشوهة المعالم والصور، واستغلال تلك الوسائل بطرق مقززة يغلب عليها التشويه الإعلامي والدعاية السياسية أو “البروبوغاندا” والتي بطبيعتها تتميز بنقص الحقائق وربما معدوميتها في كثير من الأحيان، وقد شاهدنا كثيرا من معالم تلك الدعاية السياسية الإعلامية الصهيونية الخاوية من الموضوعية والحيادية في العديد من المواقف التي مرت بهذه التي يطلقون عليها اسم الدولة الإسرائيلية في عصرنا الحديث.
كما برز ذلك من خلال قضية اللاجئين الفلسطينيين، وانتفاضة الأقصى الشريف، وغيرها من القضايا التي برع في تشويهها الإعلام الإسرائيلي الصهيوني، في وقت لم يجد فيه إلا القليل من الإعلام العربي المضاد، والذي كرس نفسه لمواجهة تلك “البروبوغاندا” الصهيونية، لدرجة أننا نستطيع أن نصورها ـ أي إسرائيل ـ بأنها قائمة على قوة الإعلام المزيف بالدرجة الأولى، وان قوة الكيان الإسرائيلي الراهنة ومعالم هيمنته وسيطرتها الكرتونية، ما هي سوى قبضة لذراع إعلامي عالمي حديدي تقوده الصهيونية العالمية ومنظمات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة الاميركية وأوروبا بشكل عام وفي إسرائيل بشكل خاص.
وفي حقيقة الأمر ليست البروبوغاندا الإعلامية الصهيونية بما تحتويه في مضمونها من خداع وأكاذيب وتشويه لمعنى ومضمون حقيقة الإعلام، نتاج الوجود الصهيوني الإسرائيلي الحالي في عالمنا العربي، أو نتاج الصراع العربي الإسرائيلي على وجه التحديد، وإنما هو نتاج وامتداد تاريخي لأيديولوجيا بشرية غريزية مبنية على الكراهية والحقد والكذب وفن الخداع على الآخرين منذ الأزل، وقد ورد في كثير من الكتب التاريخية السماوية اليهودية كإصحاح اشعيا وعاموس وارميا وغيرها من الكتب والأصاحيح اليهودية ما يدل على هذه الحقيقة التي طالما تنصل منها اليهود الصهاينة، فهذا ارميا يتحدث عن غضب الله ورفضه جيلا بكامله من اليهود لأن الحق قد باد وتمزق بسببهم فيقول: (فتكلمهم بكل هذه الكلمات ولا يسمعون لك، وتدعوهم ولا يجيبونك، فتقول لهم هذه الأمة التي لم تسمع لصوت الرب ولم تقبل تأديبا، باد الحق وقطع عن أفواههم، جزي شعرك واطرحيه وارفعي على الهضاب مرثاة، لأن الرب قد رفض ورذل جيل رجزه) (ارميا 7: 28 ـ 29).
وبالتالي فإن “البروبوغاندا”الإعلامية السياسية الصهيونية الحالية هي جزء لا يمكن فصله عن التاريخ اليهودي الصهيوني القديم والحديث، كما أنها من أسس بناء المشروع القومي الصهيوني العالمي القائم على بناء وتأسيس إسرائيل الكبرى أو إسرائيل التاريخية، الذي يتم توجيهه وإدارته من الولايات المتحدة الاميركية، وعلى وجه التحديد من قبل اللوبي الصهيوني الذي استطاع أن يسيطر على العديد من المراكز الحساسة في تلك الإمبراطورية، بل ان ينشأ فيها المركز الرئيسي للدعاية الإعلامية السياسية الصهيونية، و “البروبوغاندا” الإعلامية الصهيونية في العالم، وذلك من خلال ذلك الكم الهائل من الصحف والدوريات والقنوات الإعلامية الفضائية ومراكز البحث والدعاية وغيرها الكثير من وسائل الإعلام الحديثة.
ختاما فإننا لا بد أن ندرك وتدرك أجيالنا القادمة، بأن هذا الوطن العربي وطن عظيم بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وبأن ما يحدث في الوقت الراهن من تشويه إعلامي عالمي مستمر لمعالمه الخالدة، وقيمه النبيلة الفاضلة، وبطولات أبنائه في العراق وفلسطين على سبيل المثال ولقضاياه العربية والإسلامية، والزج بها دائما في دائرة الإرهاب والعنف والطائفية، وتغيير معاييرها الوطنية والقومية، وتشويه صورها الجميلة والبطولية، وتحوير وتزييف قيمها النضالية، ما هو سوى فصل من فصول اللعبة الإعلامية الصهيونية العالمية التي تسمى “البروبوغاندا”، واستمرار لفكرة أيديولوجية صهيونية مريضة تعاني من الحقد والكراهية تجاه عالمنا الإسلامي والعربي ودون استثناء، وهذا ما نلاحظه على امتداد الأفق العربي الذي لم يسلم جزء منه من ذلك التشويه والتزييف الإعلامي الصهيوني.
لذا وجب أن يبرز إعلامنا العربي كأحد الخطوط المناعية الدفاعية عن قضايانا العربية الإسلامية، وان يجند الإعلام بكل فئاته وأشكاله لخدمة تلك القيم الفاضلة النبيلة، وأن يبتعد قدر المستطاع عن دائرة النقل الأعمى للمواضيع والأفكار والأطروحات القادمة لنا من الخارج، ولن يكون ذلك ممكنا سوى بإعلام عربي خالص يحمل بين طياته هموم هذا الوطن العظيم، ويرفع شعار الوحدة والتراحم والتآخي والعدالة والمساواة بين أبنائه، وان يقوم بنبذ الطائفية والعرقية والخلافات المذهبية، وان يقوم بالتصدي لتلك الحملات الصهيونية الغربية الحاقدة تجاه هذا الوطن العربي الغالي، وبهذا فقط سنستطيع أن نخلق إعلاما حقيقيا نابعا من قيمنا الإسلامية العربية، إعلام إنساني قومي عالمي له كلمته وقيمته بين ملايين الأطياف الإعلامية الدولية.
تنويه: سنطرح ما تبقى من مقالنا قراءة في منتدى الدوحة الرابع عشر، ومؤتمر المستقبل الاقتصادي للشرق الأوسط (1-2) والذي تم نشره بتاريخ 5/5/2014م بعد عودتنا من المؤتمر، وتحديدا بتاريخ 19/5/2014م.

إلى الأعلى