الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : أبواب سوريا وسقوط المتآمرين و”العواينية”

شراع : أبواب سوريا وسقوط المتآمرين و”العواينية”

خميس التوبي

من تابع المسلسل السوري “باب الحارة” الذي اكتسب شهرة عربية واسعة، ويتابع تسلسل أحداث المؤامرة المركَّبة من الإرهاب والكذب والفبركة والتدليس والخيانة والعمالة، يجد أن المسلسل لم يحكِ عن ماضي سوريا أيام الانتداب الفرنسي فحسب، وإنما كانت أحداثه تحمل جانبًا كبيرًا من إرهاصات المستقبل تعقب مباشرة انتهاء أجزائه الخمسة. فكما أن المسلسل أبرز ذلك المواطن السوري الشريف الوطني الذي حمل بين جوانحه أهم قضيتين بالنسبة له؛ قضية تحرير وطنه سوريا من ربقة الاستعمار الفرنسي، وقضية فلسطين ونصرة أهلها والتضحية من أجلها، أبرز أيضًا دور العملاء والخونة (العواينية بلغة السوريين) في الوشاية بأشقائهم وتآمرهم عليهم وتعاملهم مع المستعمر مقابل “ذهبات”، وكيف أن المجتمع السوري الطاهر والشريف كان يتخلص من هذه القذارات ويرميها في قمامة التاريخ.
بمعنى آخر، أن المسلسل قدم مشاهد مستقبلية بأثواب الماضي، موحيًا في الوقت ذاته إلى عملاء المؤامرة والإرهابيين والخونة الفكرة ذاتها باستخدام السوريين الشرفاء المناضلين ضد الانتداب الأنفاق والمنافذ بين البيوت طرقًا سرية للتنقل وجلب السلاح. وهي الفكرة التي أضحى الجميع يشاهدها اليوم في مختلف المدن والقرى السورية المكتوية بنار الإرهاب وبلظى المؤامرة، حيث أصبحت تلك المدن والقرى السورية ترقد على تجويف أرضي هائل نتيجة العديد من الأنفاق التي حفرها الإرهابيون والعملاء والخونة “العواينية”، للاستعانة بها في ممارساتهم الإرهابية، مهددة إياها بانهيارات هائلة، سواء نتيجة الألغام والمتفجرات التي تم بها تفخيخ الأنفاق، أو غير ذلك.
لقد طالعتنا كاميرات وسائل الإعلام الناقلة حصريًّا للحدث الأهم من مدينة حمص القديمة التي أسماها معشر المتآمرين وعصابات إرهابهم بـ”عاصمة الثورة”، بخروج أكثر من ألف إرهابي بسلاحه الخفيف، وما خلفوه وراءهم من دمار هائل وأنفاق كثيرة جدًّا وفتحات وطرق بين المنازل والشقق السكنية، كما طالعتنا أيضًا باستعار معارك السيطرة على آبار النفط والغاز ومصانع إنتاج الملح في دير الزور، وفي الرقة وذلك بين العصابات الإرهابية وتحديدًا بين ما يسمى تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” المسمى “داعش” وبين ما يسمى تنظيم “جبهة النصرة” ومن معه من بقية العصابات الإرهابية مثل ما يسمى “الجيش الحر” و”الجبهة الإسلامية”، وكذلك قيام هذه العصابات الإرهابية بقطع مياه الشرب عن أهالي مدينة حلب.
ما من شك أن هذه الوقائع وحدها كافية لوضع النهاية الحقيقية لما حاول معشر المتآمرين وعملاؤهم ووكلاؤهم تسويقه من أكاذيب وفبركات مغطاة بأقنعة حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية ومساعدة الشعب السوري لتحقيق تطلعاته، والخروج من تلك الوقائع ونتائجها بدلالات لا تقبل المحاججة:
أولًا: إن التدمير الممنهج للبنية التحتية السورية واستهداف المنازل وترويع أهلها وتهجيرهم وقتلهم على الهوية وعلى غيرها، ونهب وحرق ثروات الشعب السوري طبيعية كانت أو زراعية، وتجويف الأرض بالأنفاق تحت المدن والقرى وتفجيرها، واستهداف الأماكن الأثرية كالجوامع والمساجد والقلاع والمصانع وتفكيك آلاتها وبيعها خردة للأتراك، واغتيال ذوي الأصوات المعتدلة من العلماء وأئمة المساجد، ودعاة المصالحة، كل ذلك يتنافى جملةً وتفصيلًا، وشكلًا ومضمونًا مع ما يروجه معشر المتآمرين عن دعمهم للشعب السوري، ويُعرِّي مؤامرتهم التي أطلقوا عليها كذبًا وزورًا “ثورة”.
ثانيًا: التحالف العضوي بين العصابات الإرهابية التي تتلطى خلف مسميات خادعة وكاذبة وبين كيان الاحتلال الصهيوني الذي يناصب العداء ليس سوريا وحدها، وإنما جميع دول المنطقة، فكيف يتأتى عقلًا وشرعًا أن تتحالف مجموعة تتخذ من الإسلام شعارًا، ومن اسم الرسول “عليه الصلاة والسلام” أو أسماء الصحابة رضوان الله عليهم، اسمًا لها مع كيان عنصري صهيوني حاقد يمارس جرائم الحرب يوميًّا بحق شعب فلسطين الأعزل بمسلميه ومسيحييه ويسعى إلى تصفية قضيته؟ وكيف للمرء أن يتصور تجلِّي مشاعر الإنسانية في هذا الكيان العنصري الإرهابي بمساعدة من يدَّعون أنهم “ثوار أحرار” ويقدم لهم الدعم اللوجستي في الوقت الذي يمنع فيه الدواء والغذاء والشرب عن الشعب الفلسطيني، سواء في السجون التي أقامها في إطار مشروع إبادته للفلسطينيين أو في السجن الكبير ألا وهو قطاع غزة؟ وما تسوُّل جربا ما يسمى “الائتلاف” للتدخل العسكري الأجنبي والأسلحة النوعية، وما تزلف اللبواني لكيان الاحتلال الصهيوني والتملق له، إلا شكل واضح لهذه العلاقة العضوية المشبوهة، القائمة على القوادة والعهر.
ثالثًا: تنامي القلق لدى الدول الداعمة للإرهاب من خطر العودة للمجاميع الإرهابية التي جلبت عناصرها وشجعتها على الذهاب إلى سوريا تحت ستار دعم “الثورة” و”الجهاد” وأقامت لها معسكرات تدريب ومولتها وسلحتها. فهذا الخوف والقلق المتناميان في أحد تعبيراتهما ومدلولاتهما أنهما يحملان اعترافًا واضحًا بأن ليس هناك ما يسمى “ثورة” في سوريا، وإنما في الحقيقة “مؤامرة”، وأن الإرهاب الذي رُكِّب في جسمها كان رهان معشر المتآمرين الداعمين للإرهاب لتدمير الدولة السورية .. وفي هذا الصدد دعت اللجنة البرلمانية للشؤون الداخلية في بريطانيا إلى نشر عناصر من شرطة مكافحة الإرهاب على طول الحدود السورية ـ التركية، لتحديد الإرهابيين الواصلين من المملكة المتحدة ومنعهم من الدخول إلى سوريا للمشاركة في القتال، وإعادتهم إلى المملكة المتحدة، بعد أن وصل عددهم إلى مستويات خطيرة لم يسبق لها مثيل، وإحالتهم إلى برامج لمكافحة التطرف كجزء من أية ملاحقة قضائية للحد من خطرهم.
إذن، المشاهدون اليوم لما يجري من مؤامرة تستهدف سوريا بأكملها هو فصول حقيقية وليست تمثيلية لا لـ”باب الحارة” وإنما لـ”أبواب سوريا”، حيث تتكامل المشاهد الوطنية بين ذلك التلاقي الكبير بين الشعب السوري الشريف وجيشه الباسل على حب سوريا وفدائها والذود عن حياضها، والالتفاف بينهما يدًا واحدةً للفظ “العواينية”، وملاحقة الإرهابيين والضرب على رؤوسهم وتطهير الوطن السوري من رجسهم ودنسهم، ورد كيد المتآمرين في نحورهم.

إلى الأعلى