الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : الدولة القوية العادلة .. أهم رهانات الفرد والجماعة

العين .. الثالثة : الدولة القوية العادلة .. أهم رهانات الفرد والجماعة

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

ما هي أهم المتغيرات المجتمعية التي طرأت فوق سطحنا الاجتماعي منذ عام 2011؟ وكيف يمكن تفسير النزعات الجديدة التي أصبحت حديث الوطن والمواطن؟
من الأهمية بمكان التعاطي مع كل ما يستجد فوق سطحنا الاجتماعي من منظور ضبط الفعل المجتمعي وردة الفعل المماثلة له من جهة، ودور السلطة القوية الحاكمة بمعايير العدالة والمساواة في مثل هذه النزعات والنزاعات الاجتماعية مستقبلا من جهة ثانية، وذلك حتى لا تخرجنا المتغيرات عن الثابت المقدس الذي هو خط أحمر للكل دون استثناء والذي يتمثل في ضرورة تعايش الأفراد والجماعات في علاقة ايجابية تسودها التناغم والانسجام داخل دولة قوية نسعى كلنا إلى الحفاظ على قوتها حتى لو اقتطعنا جزءا من حقوقنا لصالحها، وهذا في صالح الكل، والاقتطاع هنا على سبيل الافتراض للاستدلال به تأكيدا على مركزية قوة الدولة في خلق الاستقرار وديمومته للفرد والجماعة ولعموم الوطن عامة، بدلا من الدخول في صراع بين الجماعات المحلية تشوه ودية وحميمة العلاقة الايجابية التاريخية بينها وتؤدي إلى تأخر تنميتنا الإقليمية.
وعلينا أن لا نغفل طبيعة الظرفية الإقليمية الاستثنائية التي تغرق بعضها اطرافها في حرب الذوات والكيانات الجماعية في ظل عدم وجود دولة قوية أو غياب الدولة على الكثير من أراضيها، بحيث انعدمت على الذوات الجماعية آفاق المستقبل الآمن، ولم يعد أمامها من خيار سوى الرجوع إلى الوراء بحثا عن ذاتها حتى لا تذوب في صراع الذوات التاريخية، فهل نريد أن يتقاطع داخلنا مع ما يجري خارج حدودنا المجاور؟ وهل اننا في مرحلة يستطيع فرد أو جماعة أو جماعات مهما كان وزنها وثقلها أن تستحوذ دون غيرها على المال والنفوذ؟ ما تطرحه هذه التساؤلات من رؤى ومفاهيم وابعاد وخلفيات تشكل بمثابة الوعي الذي نسعى إلى الوصول إليه من أجل ادارة المرحلة الراهنة المهمة جدا، لأن الوعي هو الرهان الذي ينبغي التعويل عليه خلال مرحلتنا الجديدة، وهو الأهم قبل الحديث عن الدولة القوية وسلطاتها المحايدة، ونكاد نجزم اقتناعا ويقينا من خلال لقاءاتنا مع بعض الفاعلين الاجتماعيين، بأن وراء المستجدات الأخيرة (الفعل وردة الفعل معا) حسن نية خالصة رغم ما يحتملان سلبية التفسير والتأويل منذ الوهلة الأولى، وكل من يحاول الزيادة أو المزايدة عليها سوف يدخلنا كذلك وبحسن نية في متون جدال وجدل عقيمان لا فائدة منهما سوى اثارة القلاقل والفتن بين افراد وجماعات المجتمع الواحد، لغة ودينيا ونسبا وصهرا ومسيرا ومصيرا، فلن تسقط مهما جنح الفعل وردة الفعل، لن تسقط تلك الروابط التي تجمع كل الجماعات المحلية بسهولها وجبالها ومدنها..، وإن حدث ذلك ـ لا قدر الله ـ فالكل في قارب واحد، نعم قارب وليس سفينة، والتصغير هنا للدلالة على التأثير المتبادل والمتزامن زمنيا ومكانيا في حالة المساس بالقارب من قبل اي طرف، وهذا وعي لا بد أن يصل للكل دون استثناء، لماذا؟ لكي يحرص الكل على سلامة القارب، ولكي يعي الكل بأن القارب ومهما كان حجمه وامكانياته يستوعب الكل، لأن المرحلة الداخلية بإكراهاتها المحلية الجديدة والإقليمية المستجدة تحتم علينا التوصل إلى عقد اجتماعي جديد يعلي من شأن حقوق المواطنة للكل داخل دولة المؤسسات والقانون، وليس التلويح بحقوق الجماعات المحلية، فالوطن بخيراته العديدة والكثيرة ليست كعكة تتقاسم بين الجماعات ذات الأغلبية أو الأقلية، كما أن المصطلحين نفسيهما غير واردين في ادبياتنا الاجتماعية والسياسة والثقافية، ولا نعتقد أن الكل الآن يسلم بذلك رغم أن الفعل وردة الفعل تعطي هذه الانطباع، ربما بسبب ممارسات حدثت فعلا في عموم الوطن، وقد استثارت الفعل واستفزته، وهي التي دفعت به إلى الظهور بصورة فجائية ومفاجئة، وهذا الشعور الاجتماعي ليس منحصرا في جماعة دون أخرى وإنما يكاد يكون عاما حتى وإن جاء التعبير عنه بصوت مرتفع من قبل جماعة رغم ما فيه من تعابير متحفظ عنها، وهذا يدفع بسلطتنا السياسية في المقابل إلى اعادة النظر في الكثير من الممارسات وبالذات سياسات تدوير المناصب والوظائف التي يبدو انها تدور داخل منظومة ضيقة جدا ووفق حسابات لم تعد صالحة لمرحلتنا الجديدة، بمعنى أنها لا توزع توزيعا عادلا ومتساويا وفق معايير وطنية وقانونية تعلي من شأن افراد داخل منظومة الحقوق والواجبات إما لمكانة علمية أو لدور وطني أو محلي أو بعد إنساني .. الخ ولن نكون موفقين إذا ما لجأ ردة الفعل وتوسع أكثر في رسم خرائط اجتماعية لنصيب كل جماعة وأفرادها من الكعكة.. وبالتالي من لم ينتم لأية أغلبية، كيف له أن يأكل من الكعكة وهو يحمل صفة الوطنية الأصلية والأصيلة في انتماءاته وولاءاته الفوقية والتحتية؟ والكعكة هنا مسألة تقريبية مبسطة لتوضيح البعد والخلفية مما يحدث فوق السطح هذه الأيام من فعل وردة فعل على السواء والتي تتداول عبر التواصل الاجتماعي، من هنا، فإن الفعل وردة الفعل الحالية ولا حتى المستقبلية لا ينبغي أن يغرقا في العواطف والمشاعر لأن ذلك قد تغرق المرحلة الجديدة في تجاذبات قد تستغرق مدة زمنية طويلة، والضحية هنا سيكون تأخر تنميتنا الإقليمية، وهذا وعي كذلك مستهدف من هذا المقال، نطرحه للتفكير فيه بموضوعية ومن منطلق المصلحتين معا الفردية والجمعية، لأن الإغراق فيه بشقيه الثنائي وعلى نطاق واسع سيبرز لنا مشهد مخيف، وهو سيكون كالآتي: الدولة تنقل محافظاتها نحو مستقبل اقتصادي وتنموي واعد للكل، ما عدا محافظة واحدة ترفض المستقبل، وتتمسك بالماضي، وتفوت على نفسها فرص اقتصادية كبيرة، ولا نقول هذا من باب الافتراض أو التحذير من التخلف الاقتصادي، وإنما ارهاصاته قد بدأت حتى قبل الفصل الجديد من الفعل وردة الفعل، فكيف لو استمر مجتمعنا المحلي في تجاذباته المعرقلة للتطور، وربما نجد انفسنا هنا امام الحاح هذا التحليل ان نكشف سر من الأسرار التي سربت لنا خصيصا مؤخرا من عدة مصادر خارجية رفيعة المستوى قبل خمسة اشهر تحديدا، وهو يتجلى في صرف النظر عن إقامة مشاريع اقتصادية خليجية ضخمة في محافظة ظفار، وهي مشاريع غير معلنة حتى الآن، وكانت دول خليجية ترغب في إقامتها في ظفار وفق افضليات جيوسياسية، كون هذه المشاريع تعتمد على التصدير الخارجي، ولم يجدوا سوى ميناء صلالة الأفضل كونه بعيدا عن مناطق النزاعات التقليدية في المنطقة وكونه مفتوحا على البحار العالية، والوصول إلى الموانئ العالمية والاقليمية تكون في سرعة زمنية أقل من غيره من الموانئ، لكن، هذه المشاريع قد تغير مسارها المكاني فعلا، وقد سمعنا مؤخرا عن إقامة احداها خارج التراب المحلي الذي كان يفترض أن يكون فيه، لأسباب عديدة، لن نذكرها الآن، لكن الذي ساعدها على ذلك طغيان النزعات الفردية قديما وقدرتها على تعطيل تقدم التنمية الاقتصادية المحلية، وهذه حجة للأسف يستغلها البعض من بني وطننا للاستئثار بالمشاريع، فكيف لو تفجرت النزعات والنزاعات الجماعية؟
ومهما تفجرت ،، الانا،، بثنائيتها سالفة الذكر، فإن ضررها سينحصر فقط في تأخر التنمية، لأنها تحدث في ظل دولة قوية، وحتى وإن كانت بعض سلطاتها ضعيفة سابقا، نقول سابقا اي ليست الحالية، كما السابقة ليست كلها ضعيفة وإنما بعضها، وهذا البعض السابق قد مكن النفوذ الفردي من الحصول على مكاسب ومنافع عينية ومادية من الدولة، وانفرد فجأة بالنفوذ والمراكز .. وهذا سبب من مجموعة اسباب تقف وراء اندلاع ،، الانا الجماعية،، بعد نجاح ،، الانا الفردية،، في ابتلاع الأراضي وابتزاز الدولة بصورة قانونية وغير قانونية، لكننا نعتقد ان مرحلة ،، الانا الفردية،، قد ولت في عهد معالي المحافظ الجديد، ومع ذلك تظل تداعياتها قائمة وبقوة، وهي التي تضرب المرحلة الراهنة، فمهما لجأنا إلى تخليق العمل الحكومي المحلي سوف تضرب تداعياتها اي مسار تصحيحي جديد، وهذه أصل المشكلة في ظفار، فهل نتركها ترجع بنا إلى الوراء في ظل الدولة القوية وسلطتها التي تحاول أن تستمد آليات وميكانزمات عملها من قوة الدولة؟ لا بد ان يفتح اي ملف يعترض طريق السلطة الإصلاحي والتصحيحي، ويكون الحكم للقضاء فقط، اعلاء لدولة القانون والمؤسسات التي هي خيار مجتمعنا الوحيد للعيش والتعايش مهما يكون حجم الاختلاف، فليس هناك قرارات ينبغي أن تكون محصنة إذا كان فتحها قضائيا من المتضررين منها سوف يساعدنا على تحقيق العدل والمساواة الذي هما اساس التعايش، ولن يقبل المجتمع اي حكم الا من القضاء عبر درجاته العديدة التي تشكل اي الدرجات أهم ضمانة للحقوق وللحريات، فقوة الدولة ليس في اجهزتها الامنية والعسكرية لإدارة المرحلة الجديدة رغم أهمية استمرارها قوية لممارسة أدوارها الوطنية في مختلف المراحل، وإنما قوتها تكمن في ادارة الصراعات والنزعات الاجتماعية القديمة والجديدة بقوة القانون وقوة تطبيقه على الكل دون استثناء .. والكرة ستكون دائما في ملعب القضاء الذي سيعتمد هنا على استقلاليته وعلى مهنيته واحترافيته، وهو الرهان المحايد والمقبول الذي سوف نكسب به المجتمع أو العكس، وهو إلى جانب فعالية الفاعلين داخل مؤسسات الدولة المحلية ومما سبق ذكره على صعيد الوطن تشكل أهم الرهانات المعاصرة التي يعول عليها الفرد والجماعة في ضمانة الحقوق والحريات على قدم المساواة.

إلى الأعلى