الخميس 20 يوليو 2017 م - ٢٥ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اليد العاملة الوافدة .. العبء الثقيل على دول الخليج

اليد العاملة الوافدة .. العبء الثقيل على دول الخليج

” إن بلدان الخليج تعيش حاليا بين مطرقة تسريح اليد العاملة الوافدة لدواعى الظروف الاقتصادية المستجدة، وبين سندان احتياجها لغالبيتهم، رغم الضغوط المتزايدة عليها، فليس من السهل التخلص السريع من اليد العاملة الوافدة حتى لايتعرض اقتصادها لهزات عنيفة، كما لايمكن تعويض هذا الكم الهائل بيد عاملة وطنية تقوم بعملية الاحلال لا كما ولاكيفا،”

فوزي رمضان
صحفي مصري

أربعة عقود مضت استطاعت دول الخليج ومع الارتفاع المتنامى لأسعار النفط أن تغمر بلدانها بالتنمية الاقتصادية الشاملة فى كافة القطاعات، بل والتصدى بكل جرأة لمشاريع عملاقة استوجبت معها الاستعانة بطاقات بشرية هائلة لم تكفها الخبرات الوطنية فقط ، بل تحتم عليها فتح حدودها لكافة الخبرات المدربة وغير المدربة من كافة الدول المصدرة لليد العاملة حتى أصبحت تستحوذ وحدها على أكثر من 40% من الوظائف المتاحة، بل وصل تعدادهم لأكثر من 17مليون عامل، إضافة إلى أسرهم ليصل العدد إلى 23 مليون وافد، يشكلون تقريبا نصف عدد سكان منطقة الخليج البالغ سكانه ما يقرب من 48.8 مليون نسمة، مع تحويلات مالية لبلدانهم تصل 100 مليار دولار أميركى فى العام الواحد، ومع ذلك لم تشك دول الخليج من اعدادهم ولامن تحويلاتهم، بل تعتبرهم أذرع للتنمية وبنوك للخبرة وروافد للمهن المتخصصة تكن لهم كل الشكر والتقدير، وعلى غير المتوقع ومن دون غرة يطل الانهيار المفاجئ والمتسارع فى اسعار النفط ليرمى بظلاله الثقيلة على اقتصاديات تعتمد عليه بنسبة 80% من مدخولاتها، مربكا خطط طموحة للتعمير والبناء ومخططات لمشاريع ضخمة تواكب تكنولوجيا العصر مستعينة بإعداد غفيرة من اليد العاملة الوافدة.
ومع استمرار تدهور أسعار النفط وجدت الدول الخليجية نفسها مضطرة لوقف بعض المشاريع العامة لتقليل النفقات، فى محاولة للسيطرة على عجز الموازنة، مما يعنى التخلص من اليد العاملة غير الضرورية فى الادارات الحكومية إضافة الى القطاع الخاص المرتبط بحجم الانفاق الحكومى، ومع اشتداد الأزمة سيتم رفع الدعم الحكومى، وفرض رسوم على اليد العاملة الوافدة، مما يسبب ضعفا على أجورهم ورواتبهم وسيواجهون ظروفا صعبة وضغوطا متزايدة، خاصة مع ارتفاع التضخم وغلاء الأسعار وبقاء أجورهم دون زيادة، مما يشكل عامل طرد لأصحاب المهارات يدفعهم لتغيير نشاطهم او مغادرة المنطقة.
فماذا تفعل دول الخليج مع الوافدين الذين قضوا غالبية اعمارهم وتزاوجوا فيما بينهم وتناسلوا، واندمجوا تماما مع مجتمعات تلك الدول بل يجدون الصعوبة فى العودة لأوطانهم، لكونهم متمتعين بمظلة البعد الانسانى والاخلاقى لقوانين العمل المنظمة لليد العاملة الوافدة والمعاملة الطيبة من مواطنى تلك البلدان، لكن مع تزايد مخرجات التعليم التى تضخ الآلاف من اليد العاملة الوطنية الباحثة عن عمل، ومع صعوبة الظروف الاقتصادية الراهنة، ستجد بلدان الخليج نفسها مضطرة رغما عنها الى الاستغناء المؤلم للعدد الأكبر من اليد العاملة الوافدة، اضافة الى المسرحين بشكل اجبارى من وظائفهم خاصة المرتبطة بمجالات التعمير والبناء الكثيفة.
وقد أقرت حكومة السلطنة ميزانية العام 2017م دون فرض اية رسوم ولا ضرائب ولا ادنى تضييق على اليد العاملة الوافدة البالغ عددها ( 1.9مليون) من مجمل عدد السكان البالغ 4.397 مليون، رغم عجز ميزانتيها البالغ 3 مليارات ريال ، ورأت ان تعوض العجز بالاستدانة الداخلية والخارجية وتنويع مصادر الدخل، مع خططها المسبقة فى عملية الإسراع لعملية التعمين بطرق علمية مدروسة، بالشكل الذى لايؤثر على معدلات الأداء والانتاجية، مع تقديم كل الرعاية الانسانية والخدمية لكافة المتواجدين على أرضها دون تمييز.
فيما رأت المملكة العربية السعودية فرض رسوما شهرية على اليد العاملة الوافدة بالتزامن مع إعلان ميزانيتها بغية تنوع مصادر الدخل، مستهدفة جنى 65 مليار ريال سعودى من تلك الرسوم، مع استمرار سياسة الحكومة فى حرمان الوافدين من العمل فى عدد كبير من المهن، بل وتوطينها لصالح أهل البلد وستنطبق تلك السياسات على معظم دول الخليج كل حسب نهجه.
إن بلدان الخليج تعيش حاليا بين مطرقة تسريح اليد العاملة الوافدة لدواعى الظروف الاقتصادية المستجدة، وبين سندان احتياجها لغالبيتهم، رغم الضغوط المتزايدة عليها، فليس من السهل التخلص السريع من اليد العاملة الوافدة حتى لا يتعرض اقتصادها لهزات عنيفة، كما لايمكن تعويض هذا الكم الهائل بيدعاملة وطنية تقوم بعملية الاحلال لا كما ولاكيفا، هذا من ناحية والأخرى لانغفل حركة دوران الاقتصاد ورأس المال، ففى حال التسريح أو رحيل اليد العاملة الوافدة، هنا معظم الشقق والمحلات لن تجد من يستثمرها حتى الاستثمارات الهائلة فى انشاء المراكز التجارية والمستشفيات والجامعات الخاصة، جاءت لتستوعب الانفاق المتزايد من الوافدين على شراء السلع والخدمات، إضافة الى الاستفادة القصوى لشركات الطيران بدول الخليج من حركة المسافرين من وإلى البلدان المصدرة لليد العاملة، ولانغفل التبادل الثقافى الذى تسهم به اليد العاملة الوافدة فى نقل الموروث الثقافى والتبادل المعرفى واندماج الحضارات….. فليس كل الأمر سيئ.
ورغم كل ذلك فإن الكثير من المغتربين فى بلدان الخليج يعلمون جيدا أن وجودهم غير مرحب به من الكثير فى تلك المجتمعات، وعليهم تقدير ظروف تلك الدول وعدم القاء اللوم عليها، فقد جاوروهم لأكثر من أربعة عقود ويعلمون جيدا أنهم من أطيب شعوب الأرض لكن للضرورة أحكام وعليهم الاستعداد لتقبل ومواجهة القادم الأسوأ، فإن تعقدت الظروف سيذهب كل إلى وطنه……. لكن أصحاب الأرض أين سيذهبون؟؟

إلى الأعلى