السبت 25 نوفمبر 2017 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / تأملات في الموت… والحياة الموت

تأملات في الموت… والحياة الموت

” لقد كان ضحايا حرب السنوات الست بالملايين، بين أموات، وأحياء شبه أموات، ومعوقين، وثكالى، وأيتام، ومشردين.. وألحقت بنا الحرب خسائر لا تُعد ولا تُحصى، ومن أفدح خسائرنا وأفجعها، التردي الاجتماعي والأخلاقي والتربوي، وخسارتنا بعضنا لبعض.. فقد نَغَلَ في جراحنا المزمنة دود الفتنة، ودخلت القلوب والأنفس والعقول ، أمراضٌ خطيرة…”

علي عقلة عرسان

منذ ما يقرب من أربعة عقود، من زمن مضى، فقدَ العرب ما يزيد على ثلاثة ملايين نسمة، في حروب فُرضت عليهم، أو فرضوها على أنفسهم.. كانت فيما بينهم، أو بينهم وبين بينهم وبين مسلمين في جوار لهم.؟! ولم تكن من بينها حرب تحرير فلسطين من العدو الصهيوني، تلك التي رُفعت شعاراتها منذ عام ١٩٤٧. ومما يؤسف له أن تلك الحروب، كانت في معظمها، باطنها الفتنة، وظاهرها السياسة، و”شهاب الدين ألعن من أخيه”، كما يقول المثل. فهي حروب فتنة مقيتة، صريحة، أو تتولد عن رسيس، يُحرَّكه من يحركه، فيوقظ فتنة نائمة. وقد زج العرب بأنفسهم في معظم تلك الحروب، أو زُجّوا فيها، أو انتهت صراعاتهم الخفيّة، وغفلتهم الغبية، إليها بأساليب عدة. ولم يتخلصوا، بتلك الحروب، من استعمار ظاهر أو خفي، بل جلبوا الاستعمار الجلي بصور شتى. كما أنهم لم يتخلصوا من ظلم وطغيان واستبداد وفساد داخلي، بل استبدلوا وجهاً من الظلم والاستبداد والفساد بآخر.. واستمر القهر، واستمر المرَض، واستمر الفساد والافساد.. بل ازدادت الأمور سوءاً على سوء، والعياذ بالله.
وهاهم منذ ست سنوات ونيِّف، في حرب زُينت لهم، وسُمِّيَت لهم “ربيعاً”، فوصلوا إلى درجات من صقيع الموت، أحرق كلّ حلُم بربيع، إلى عقود من زمن، يصعب التنبؤ بعددها، نظراً لتوالد البؤس من البؤس فيها، فهي حبلي، تتئم، وتغيل.
لقد تراكم الموت على الموت، والقتلى على القتلى، والبؤس على البؤس، في بلادنا.. وازدادت معاناة الناس.. وهبطت مستويات أخلاقية، واجتماعية، وثقافية، وإنسانية.. هبوطاً سريعاً مُريعاً، إلى ما تحت الدرك الأدنى من الهبوط، إذا ما كان ثمة درك أدنى، من الأدنى.. بعد أن كانت في درجة تشارف المَقبول، وترفض بهدف الصعود.
أما العمران ومقومات التقدم والنهوض، ومستويات التطلع إلى الأعلى والأسمى والأجدى.. فقد انخسفت بذلك كله أرض الواقع، إلى الحد الذي يصعب معه التنبؤ بإمكانية العودة، إلى ذلك الذي كان “الواقع”المُعْتَرَض عليه، بدرجات ودرجات. ولا نلامس هنا انحدار مستويات أمور أخرى مما يُعدُّ من المعْتَصَمات المنقذات، منها السياسات، التي أصابتها زلازل كانت هي قد سببتها للناس والبلدان، فهبطت بها وبالناس والبدان. وزلزلتها، بما لا يقاس على أية انهيارات تسببها زلالزل، من حيث هي حكمة ونعمة ورحمة، ورفع للناس والأوطان من وهدات تسببها الأحداث، ويسوقها الزمان.. فذلك حديث آخر، وأمر من شأنه أن يدخلنا في كهوف، لا حدود لظلمتها ورطوبتها، ولما تنتجه الظلمة والرطوبة.
“أمة العرب”اليوم في المِحنة، التي لم تعد تنحصر في الاقتتال، وفي استدعاء المقاتلين من أطراف الأرض ليخوضوا في أقطار العرب وعليها، وبها، وعلى نفقة الأمة، أشد أنواع الاقتتال. وأمة العرب اليوم تستدعي الدول، والتحالفات الدولية، لتنصرها بعضها على بعض، أو لتتدخل في وقف فتونها بجنونها، وليتوقف سيل الدم في مدنها وبلداتها وقراها. وقد أخذت الكوارث الكبرى، تدق الأبواب المغلقة على كوارث صغرى، في بعض أقطارها.. فأصبح السلاح بأنواعه لا يكفي المتقاتلين، وصَغُرَ شأن الحصار، والتجويع، والتعذيب، والتركيع، والتشريد، والتهجير، والتقطيع.. أمام سلاح التعطيش، وما يسببه فقدان الماء من كوارث، تصغُر معها كوارث. وفقدان الماء، لدى ملايين من البشر، وما يعنيه ذلك الفقدان، وانعكساته على الناس، وسُبل العيش كلها، وعلى البيئة بأبعادها، وعلى الحياة ذاتها ومقوماتها، أكثر من خطير.. فالماء أساس كل شيئ حي، وقال الخالق سبحانه، في هذا الشأن، الذي لا يقدره الإنسان، حق قدره، إلا إذا ابتلي، قال: ﴿ أَوَلَم يَرَ الَّذينَ كَفَروا أَنَّ السَّماواتِ وَالأَرضَ كانَتا رَتقًا فَفَتَقناهُما وَجَعَلنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤمِنونَ ﴿٣٠﴾- سورة الأنبياء. وقال في ذلك الشأن، خاتم الأنبياء: “الناس شركاء في ثلاث: الماءُ، والكلأُ، والنار”.. لأن ذلك الثلاثي من لوازم الحياة الأساسية، ومن مقوماتها الرئيسية، لا سيما المَاء، الذي لا حياة من دونه، ولا نقدر نعمته إلا حين نفتقده، فنحن نعيش به، ولا ندرك ذلك إلا في غيابه.. في حجبه أو احتجابه.
إن وسائل القصف والتدمير والقتل، والتجويع، والحصار، والتركيع.. و.. و.. تلك التي فتكت وتفتك بنا صباح مساء، يمكن التعامل مع بعضها بالاقتدار البشري، أمّا سلاح “الماء”، أي التعطيش، والتعفن، وما يتبع فقدان الماء من تبعات، منها الأمراض، وتلويث البيئة، وما يتسبب به ذلك من كوارث، وما ينتج عنه من نتائج يصعُب حصرها.. فذاك هو الأفتك من بين الأسلحة، بمن يُفرَض عليهم، وبمن يضطرون إلى مواجهته.
لقد كان ضحايا حرب السنوات الست بالملايين، بين أموات، وأحياء شبه أموات، ومعوقين، وثكالى، وأيتام، ومشردين.. وألحقت بنا الحرب خسائر لا تُعد ولا تُحصى، ومن أفدح خسائرنا وأفجعها، التردي الاجتماعي والأخلاقي والتربوي، وخسارتنا بعضنا لبعض.. فقد نَغَلَ في جراحنا المزمنة دود الفتنة، ودخلت القلوب والأنفس والعقول، أمراضٌ خطيرة، ليست الأحقاد والثارات والكراهية أشدها، ويعلم الله وحده متى وكيف نشفى من ذلك الذي لم تتوقف تغذيته وانتشاراته.. وها هي الطامة الكبرى تدق الأبواب.. فسلاح “الماء”كارثة، لا تتوقف أخطارها عند حدود العطاش والعطش، والموت صبراً.. بل تتعدى ذلك إلى انتشار أوبئة تصيب القاصي والداني، إذا ما توطَّنت، واستفحلت، وانتشرت أمراضاً شديدة العدوى، وجائحات تصيب الأحياء.. لا سيما مع استمرار الأزمات، ومناخ الحرب، وتنامي الفتنة، واستفحال الجنون، وتَجَذُّر مشاريع استعمارية وميول تبعية، في الأرض والنفوس.. فذك موت على موت..

* * *
منذ سنوات ست، لم يفارقنا هاجس الموت، في الشوارع، والمواقع، في الأخبار والأحاديث، في وسائل التواصل، وفي التصريحات، والاجتماعات، والمؤتمرات.. نحن دائماً أمام نُذُر الموت، وحديث الموت. وتتصاعد الأرقام بمئات آلاف البشر، سنة بعد سنة.
لم يفارقنا سؤال الموت، فهو سؤال متصل بالحياة، متواشج معها على نحو ما.. لكن، فيما مضى، كان يعاودني سؤال قديم يتصل به.. كان ذاك السؤال يطرق بابي، يعركني ويربكني، ثم يتركني ولا يقيم.. لكنه في هذه الظروف، وفي هذه السنوات الكوارث، يهجُمُ، ويُلِحُّ، ويتربع في القلب، ولا يكاد يريم، ففي كل دقيقة موت. ربما كان هذا أكثر من طبيعي، في هذا الزمن، زمن الموت بالجملة، والإرهاب بالجملة، والقصف بالجملة، والظلم والاستبداد بالجملة، والتآمر بالجملة، والفتنة بالمُفَرَّق وبالجملة أيضاً..ولذا، ففي هذا الأوان، يلازم روحي سؤال الموت كالغِلِّ، إذ لا يكاد يغيب حتى يطلّ.. ويتجلّى في فضائي، تجليه في فضاء الناس من حولي.. ويشكل لنا فضاء مرعباً، موحشاً، متوحشاً، يكاد يكون العمر، ويحيط بالحياة كلها، ويحتل كل نواحيها. وحين يُطبِق علينا يخنُق، ويحيل الحياة ذاتها إلى سؤال يجريه مجرى المُحال. لا أعتقد أن سؤال الموت جديداً، ولا خاصاً بي، لم يراود سواي، ولم يطرق باب أحد غيري.. بل أكاد أقطع بأنه ربما غزا كل نفس، في لحظة صحو فائق،أو حزن فالق، أو يأس ساحق!! إنه سؤال الموت الذي يسكن قلب الحياة، أو سؤال الحياة الذي يستبطن بيئة الموت. وذلك السؤال الخاص العام، أود أن أصوغه وأُلقيه، بالطريقة القاسية المتحدية ذاتها، التي يضفيها هو على مَن يجتاح نفسه، ويستبيح حماه في أي وقت.. غير هيّاب، ولا آبه بالأحاسيس، والمشاعر، والصدمات، والارتجاجات التي يُحدثها في البشر، ولا مكترث بالمقامات والقامات، وبالمناصب والمواكب، التي لمن يقمعهم بمقامعه. وهي صياغة تبدأ من النهايات، أو من النتائج..وتقول بلساني، ما قد يصح أن يُقال بلسان غيري:
” مَن مِنكم أيها الأحياء، رأى حياً خالد الجسد في تلازمه مع روح، إلى الأبد؟! ومن مِن الخلق يزعم أنه قد يكون ذلك الحيّ، أو أنه قادر على أن يخلِّصَ حيَّاً، مهما عزّ عليه، أوسما مقامُه، أو قل نظيرُه.. من براثن الموت؟! ومن ذا الذي لم يزُرْه ذلك الجبّار في عتمة ليل، أو ضحوة نهار، ليختطفه من بين أعزاء عليه، أو ليفجع مجموعة باختطاف عزيز عليها، أو عظيم بنظرها.. وهي له مُحبَّة ومُفتدية؟! ثم يتركه ويتركهم، كتلة من حسرة منقوعة بالدمع والحزن والألم؟! ومن ذا الذي يدعي أنه قادرٌ على الهَرب من حكم الله، فكل نفس ذائقة الموت.. فمَن الذي يستطيع أن يأبقَ من مُحيط بالمُلك والخلق،ويتخلص من نافذ أمره، ومُحكَم قَدَرِه؟!”
الذي لديه شيء من ذلك الوهم أو الإدراك والفهم، أرغب رغبة صادقة في التعرف إليه، وأتطلع بأكثر من اللهفة، لأراه وأسمعه، يخبرني خبَرَه.؟!
أقول هذا، وفي مقام الناس وظروفهم اليوم، لا لكي أسوغ حجم القتل/الموت، وأسهم في سدل ستار على المصائب، أو في جعل هذا الحبل يكرج على الجرار، من دون اعتراض.. وأكرر القول المَكرور “الموت حق”.. ولكن.؟! لا أظن أن أحداً من بني البشر، يملك وهماً، أو يحكمه وهمٌ، يبلغ به درجة الاعتقاد، بأنه يملك خبرة في هذا المجال، تنجيه من الموت، حالاً بعد حال. أو أن هناك من يتطلع إلى أن يصبح هو ذلك المالك لقدرة من هذا القبيل.. فالموت محيط بالمحيط ، الذي يشكل البحر واليابسة، ويشمل الأشياء والأحياء، لأنه القانون الأقدم في الكون، وُجِدَ مذ وجدَت الحياة، وهو ينازعها بقوة وقسوة في داخل النفس، ويقيم جدلية معها في السيرورة والصيرورة..فيبقى وتبقى، ويستمر الصراع..وأكرر أنني ذكرت هذا، وأذكره، لا لأُهون من مُصاب خلق بخلق، ولا من مصابنا بذواتنا، من بين كثير من الخلق.. ذاك أن الموت المحتَّم، لا يفرض بالضرورة رعباً مزامناً له محتم، ولا شقاءً يجعل الناس تكره البقاء، وتموت قبل الموت في كل وقت.. وأن حتميته لا تمنع من أن نسعى في مناكبها، وإليه النّشور. فنحن في أوضاعنا، نعيش الرعب موتاً، والظلم موتاً، والفساد موتاً، والقتل حتى الموت، موتاً، ومعظم ما يتصل بشؤون السياسة والكياسة نوعاً من موت.. ولا يرفع الشر سيفه عن رقابنا.. في حين أمرنا الذي خلَقنا، وحَكَم علينا بالموت، في نهاية حياة، تقصُر أو تَطول، وفيها الحلو والمر، أمرنا بقوله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّـهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّـهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴿٧٧﴾ – سورة القصص.
في الخلفية القدريّة الخفيّة، نعيش تحت وطأة كابوس المَوت بالتسليم والتوكل، ونعرف أن ذلك المُقَدَّر، يدق بخطواته الدربَ وراءنا، في كل دقيقة من دقائق العمر،صامتاً، لائذاً، ساخراً من حذَرنا، واحتياطاتنا، ونزَقنا، ونزواتنا، واحتجاجاتنا، من دون أن يبرز لنا بين لحظة ولحظة ليروعنا..إنه يبقى الموت، وتبقى الحياة.. وهناك حكمة في ذلك، ربما ليظل لنا في العيش أمل، ولنتمرّد فنشعر بالزهو والخيلاء، ويساورنا شغف بوجود يتطلع إلى الخلود، وتداخلنا عنجهية تفوق كل ما في الجهل والجاهلية من عنترية، تريد أن تقيِّد الحياة، بقيد أوابد جديد، لم يفترعه امرؤ القيس بن حجر.. فننسى مرارة العيش، وخطاً تدق الدرب وراءنا، ويغيب عنَّا عبثُ الوجودٍ بنا، وعبثٌ يشملنا في الوجود.. فتتَّوقدُ في نفوسنا شعلةُ الشوق والتوق، والتمرّد، والتسلُّط، والتجبُّر، والتسلي والتلهي.. و… فلا نرى روحاً في أغلال جسد، ولا ناراً تسري في العروق مع الدم، ولا كائناً يجسِّد حضورُه وبناؤه العضوي، تخلّق المَوت من الحياة، وتخلُّق الحياة من الموت.. كما يتخلَّق في روح ذاك الكائن العجيب، “الإنسان”: اليأس من الأمل، والأمل من اليأس.
فسبحان الذي يخرج الحيَّ من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويكتب المقادير ويبرمُها، وسبحان الذي خلَقنا، وجعل موتاً وحياة، وتطلعاً وتوقاً، وسلوة وصحوة، لكي نتجرع الكأس حتى الثمالة، وفيها ما فيها من مرارة الوجد، وألَم الفَقْد، والعيش الضَّحل، والظلم، والإحباط، وفتون المفتون، وفنون الجنون.. وفي تلك الكأس ما فيها أيضاً.. من حلاوة التجدّد، وفرح اللقاء على الحب، والنشوة بانتصار يحققه الأمل والعمل والحب، على البؤس واليأس والكراهية.
جميلة هي الحياة، وجميل بقاؤنا المتجدد في انتصار لها على الموت. فلماذ يفرُض علينا خلق الله، ما لم يفرضه علينا الله، من إرهاب وعذاب وموت قبل الموت، وفجيعة في الموت؟! وإذا ما أخذتنا العزة، وزينت لنا أنفسنا أن نستطلع أمر الحياة، في حال غياب مطلق للموت.. فما الذي نتصوره من بعد لوضع الحياة وللكائنات فيها؟! وللإنسان من بين تلك الكائنات على الخصوص؟!
تخيلوا انتشار الأحياء في الأرض، منذ بداية الخلق حتى يوم الناس هذا، وانتفاء للموت، وما سيولده ذلك ويتركه من معطيات لدى الأحياء وفي الحياة ؟! تصوروا خلقاً لا يتخطَّفهم موت،ولا يردعهم خلقٌ ولا خوف من موت، ولا يحكمهم قانون أو حساب، أو توعّد بعذاب، بعد النشور من القبور.. وارسموا في ظل ذلك صورة للحياة والأحياء، وأنواع السلوك والتعامل وأساليب الأداء، وأنواع فتك الناس بالناس.. وتصوروا في ضوء ذلك كله حكمة القدرة الإلهية التي أوجدت الموت وأسراره، وأوجدت بعثاً ونشورا وحساباً من بعد، على قدم الإنسان وأخّر..
إن في سجال الموت والحياة حكمة، وفي وجود الموت وفعله أيضاً حكمة، لقادر يدبر أمر الموت والحياة، والأحياء والأشياء والأفلاك في الكون.. فـ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴿٢﴾ – سورة الملك. ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك.
إننا في حوض واحد محكومون بشرط بشري وبمصير بشري يحققان عدلاً في نهاية شوط هذه الدنيا، قد لا يتحقق فيها، ويحققان مساواة بين الناس أمام الموت، قد لا تكون ممكنة في الحياة أبداً، بشكل مطلق؟!.
أما الآخرة فهي كالروح علمها عند ربي، ولكننا نُعِدّ أنفسنا في هذه الدنيا لصلاح أمر نرجوه في الآخرة: “فمن يعمل مقدار ذرة خيراً يره، ومن يعمل مقدار ذرة شراً يره”و “كل نفسٍ بما كسبت رهينة”.
يبقى للأحياء من الأموات الذين يعبرون مفازات طريق الحياة، يبقى لهم: عبرة، وقدوة، وذكر، وعظة، وسيرة.. ويبقى بينهم ما يتداولونه، أو يتداولون فيه وحوله، مما ترك الماضون إلى جوار ربهم.
جميلة هي الحياة، وجميل بقاؤنا المتجدد في انتصار لها على الموت. فلماذ يفرُض علينا خلق من خلق الله، رعباً لحظياً، وموتاً قبل الموت، مما لم يفرضه علينا الله؟! ولم هذا الإرهاب، والعذاب، والتسلط، والتطاول على حق الإنسان، في أن يحيا الأيام التي كتبها الله له، من دون ظلم، وجور، ورعب وشقاء، حيث يصبح ذلك عنوان الحياة، والموت في الحياة.؟! وموت قبل الموت، وفجيعة في الموت؟!

إلى الأعلى