الأحد 20 أغسطس 2017 م - ٢٧ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: أصدقاء وأعداء

باختصار: أصدقاء وأعداء

زهير ماجد

لايخطيء المرء بمعرفة من يحبه ومن يكرهه، من عدوه ومن صديقه، القدرة على التمييز لاتحتاج لذكاء خارق أو لعبقرية منشودة، حالة التآلف بين البشر لها قواعدها النفسية والكيميائية، فلماذا يتفق اثنان، ولماذا لاتنضج علاقة بين اثنين مهما تقلبت اللقاءات بينهما .. إنها الكيميا، او كما يقول الأمام علي بن أبي طالب ” اذا شككت في مودة امريء فاسأل عنه قلبك”.
هذا بين الأفراد، فكيف بين الفرد والدول في هذا العصر الذي لايحتاج فيه المرء الى معرفة عدوه من صديقه، وخصوصا بين العرب وبين العالم الواسع الذي من المؤسف أن خبرتنا به تقدم لنا الدليل على المكان الذي يقف فيه.
منذ وعينا السياسي قرأنا عن مفهوم الامبريالية التي سميناها دائما اميركا .. والاستعمار هو الغرب المتوج بفرنسا وبريطانيا، وبعض الدول التي كان لها احتلال مباشر في أفريقيا أو آسيا. ولم نتخلص من هذا الترتيب حتى الآن، فلقد ثبت أن أميركا لايمكن الوثوق بها، مهما اقتربنا منها او ابتعدنا، ولأن البريطاني والفرنسي ملحقان بها، فهما بالتالي تابعان في الموقف منا، وهنالك اكثر من دلالة سواء في سورية او ليبيا او العراق وحتى في اليمن. هؤلاء لايشكلون عداوة، إنهم أقل من أصدقاء، لايمكن الوثوق بسياساتهم منا أيضا، واللافت الذي نحار فيه، أن المتعارضين العرب يلتقون تحت سقف واحد في تلك البلدان، ما يسمى بالمناضلين ” من أجل الحرية والديمقراطية” يعتبرون بريطانيا وفرنسا مكانا التنفس المراد ، وأما من يعرضونهم فيعتبرون هذين البلدين مكانهم المقدس إضافة إلى أميركا أيضا.
يمكن بالتالي اعتبار العالم كله موقعا وخيارا، إلا إسرائيل، فهي العدو الذي لايمكن القبول به في أي ظرف وتحت أية فكرة، ونحن مع كل التاريخ الذي مر على مؤتمر الخرطوم في العام 1968، فان ماجاء فيه يومها ثلاث لاءات صائبة ” لاصلح ولاتفاوض ولا اعتراف ” مع الدولة الصهيونية. واذا كانت كلمة التطبيع معها باتت اكثر اتساعا من ذي قبل، فهذا لايعني أن ينضم الكل الى تلك اللائحة الملعونة من الذين سقطوا فيها. إضافة إلى ما فرخه هؤلاء من تنظيمات إرهابية يراد لها أن تلعب دورا في مسح الأفكار الوطنية والقومية من العقول، إضافة الى الصحيح في الدين الاسلامي، بل أيضا تخريب عالمنا العربي بكل قيمه ومؤسساته وأمنه وجيوشه وقدراته وعلمه وخبرته وإنسانه … وهذه التنظيمات تأخذ من اسرائيل قاعدة تعاون وتلاقي واعتراف متبادل بدور موحد ضد الأمة العربية بأسرها، ولهذا أراد رئيس وزراء إسرائيل نتيناهو أن يعطي لعملية الدهس الأخيرة في شرقي القدس صفة داعشية كي يحط من قيمتها الفدائية والاستشهادية ومعناها الفلسطيني المقاوم.
نريد أن نصادق أميركا، لكن هذه الدولة العظمى لاتصادق كما لايمكن معاداتها .. كما نريد أن نندفع نحو الغرب الأوروبي وخصوصا فرنسا وبريطانيا وألمانيا كي نشعر بأننا أبناء كرة واحدة يجمعها مفهوم واحد وفكرة واحدة وانتماء للأنسنة ولكل مشروع حضاري مشترك، من هنا اهتمامنا بانتاج أوروبا الثقافي كونه المعبر الوحيد الذي نتشارك فيه معها .. فهل يتلطلف علينا هذا الغرب بما يجعل بلادنا مستقرة وهانئة، أم أن شهوة ابتلاعنا مازالت قائمة عنده سواء كان أوروبيا أو أميركيا ليبقوا أقل من أصدقاء كما كانوا دائما.

إلى الأعلى