الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “الفنكوش”..الرئاسي

“الفنكوش”..الرئاسي

محمد عبد الصادق

”.. إذا كان حمدين صباحي المناضل اليساري الناصري نال تأييد عدد قليل من الأحزاب اليسارية وحزب الدستور الليبرالي، فإن المفاجأة كانت في تأييد الحزب الناصري وحزب التجمع اليساري لمنافسه عبد الفتاح السيسي الذي نال تأييد معظم الأحزاب باختلاف توجهاتها الأيديولوجية رغم غموض تصريحات السيسي المتعلقة بتوجهاته السياسية وانحيازاته الاجتماعية،”
ـــــــــــــــــــــ
شركات الدعاية الأميركية تلجأ في وقت الأزمات وحالات الكساد لاختراع اسم تجاري لمنتج خيالي لم ينتج بعد، وتقوم بالدعاية والترويج له بكل الوسائل حتى تجعل المتلقي يخمن طبيعة هذا المنتج، وعن طريق الإلحاح ينتشر الاسم الوهمي ويجذب إليه المنتجين والمستهلكين، عندئذ تجري الشركة صاحبة العلامة مزادا لبيع الاسم بسعر معتبر، حتى يتم وضعه على منتج حقيقي، وهي نفس الفكرة التي سبق وجسدها الفنان الكوميدي عادل إمام في أحد أفلامه الذي كان يروج للـ “الفنكوش”.
وانتخابات الرئاسة المصرية 2014م قريبة من هذه الحالة فهي تقام في ظل أزمة سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية عميقة تعيشها مصر فعلى المستوى السياسي تجرى الانتخابات في غياب مجلس تشريعي وفي ظل حياة حزبية شبه مشلولة بعد إقصاء أكبر كتلتين سياسيتين سيطرتا على المشهد السياسي والمجالس النيابية طوال العقود الثلاثة الماضية: الحزب الوطني الذي وصل عدد أعضائه قبل سقوط حكم مبارك إلى أكثر من 5 ملايين عضو، وسيطر على أكثر من 95% من مقاعد برلمان 2010م قبل قيام ثورة 25 يناير، وجماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسي حزب الحرية والعدالة الذي سيطر على نصف عدد مقاعد أول برلمان بعد الثورة ووصل عدد أعضائه لمليون عضو في عام واحد من حكم الإخوان قبل سقوطهم في 30/6، ويكفي للدلالة على ضعف الحياة الحزبية الآن أن حزب الوفد، أكبر وأقدم الأحزاب المصرية لم يتعد عدد أعضاء جمعيته العمومية الأخيرة ألفي عضو.
وإذا كان حمدين صباحي المناضل اليساري الناصري نال تأييد عدد قليل من الأحزاب اليسارية وحزب الدستور الليبرالي، فإن المفاجأة كانت في تأييد الحزب الناصري وحزب التجمع اليساري لمنافسه عبد الفتاح السيسي الذي نال تأييد معظم الأحزاب باختلاف توجهاتها الأيديولوجية رغم غموض تصريحات السيسي المتعلقة بتوجهاته السياسية وانحيازاته الاجتماعية، واكتفاء حملته بتقديمه كمرشح الدولة المصرية.
أما عن البرامج الانتخابية فلم يصدر حتى الآن برنامج مكتوب لأي من المرشحين وإن كان حمدين صباحي عرض من خلال المؤتمرات الجماهيرية واللقاءات التليفزيونية كثيراً من ملامح برنامجه الانتخابي وهو تقريباً نفس البرنامج السابق في انتخابات 2012م ـ التي حصد خلالها قرابة 5 ملايين صوت احتل بها المركز الثالثً خلف محمد مرسي وأحمد شفيق ـ بعد حذف الفقرات التي تتحدث عن إنشاء محور مصري تركي إيراني بعد توتر العلاقات بين مصر وهذين البلدين بسبب دعمهما لمرسي والإخوان ورفضهما الاعتراف بثورة 30/6، ووقف تصدير الغاز لإسرائيل، فلم يعد لهذا المطلب وجود بعد تحول مصر لدولة مستوردة للغاز، دعم المقاومة الفلسطينية بعد توتر العلاقة بين مصر وحماس بسبب تأييد حماس للإخوان واتهامها بالضلوع في أحداث العنف في سيناء والجديد الذي أضافه حمدين لبرنامجه هو رؤيته لحل مشكلة سد النهضة مع إثيوبيا عن طريق عقد مؤتمر قمة لدول حوض النيل يبحث تعزيز التعاون والتنمية بين دول الحوض دون المساس بحصة مصر من المياه.
أما عبد الفتاح السيسي فقدم تصورات وأفكاراً وحلولاً لمشكلات الطاقة والبطالة والأمن وتبنى مشروعين قديمين سبق طرحهما في أكثر من مناسبة دون أن يريا النور؛ هما مشروع ممر التنمية للعالم المصري فاروق الباز، ومشروع تنمية قناة السويس، بالإضافة لإنشاء خمس محافظات جديدة وتعديل الظهير الصحراوي لتضاف لكل محافظة مساحات جديدة من الأرض تستوعب مشاريع استصلاع الأراضي وإنشاء مناطق صناعية ومدن سكنية لاستيعاب الشباب وتوفير فرص العمل وهي مشروعات يحتاج تنفيذها لأكثر من تريليون جنيه مصري (143 مليار دولار)، وعندما سئل عن التمويل جاء رده غير مقنع، فالتمويل من ثلاثة مصادر: المصريون في الخارج والذي يقدر عددهم بـ10ملايين مغترب طلب السيسي مساعدتهم لإنقاذ الوطن، وهو أمر غير مضمون بالمرة فمعظم هذا العدد لعمال بسطاء لا يتقاضى معظمهم أكثر من 300 دولار شهريًّا وهو مبلغ بالكاد يكفي احتياجاته في الغربة ويرسل الباقي لأسرته في مصر، وبقية العاملين في الخارج يعانون من ارتفاع أسعار الخدمات والتعليم وتكاليف المعيشة في البلاد التي يعيشون فيها وفي مصر عند نزولهم لقضاء إجازاتهم السنوية، وبالكاد يستطيعون تغطية هذه الأعباء، وربما هناك شريحة قليلة من المغتربين هي القادرة على مساعدة السيسي في تنفيذ مشروعاته الطموحة، ولكنها لن تستطيع الوفاء بالرقم المنتظر، والمصدر الثاني الذي ذكره السيسي هم رجال الأعمال والمستثمرون المصريون: وهؤلاء مشكوك في استجابتهم فقد تعودوا منذ أيام مبارك عدم المخاطرة بأموالهم، فكانوا يحصلون على الأرض مجاناً أو بسعر بخس، وبضمان الأرض يحصلون على قروض من البنوك، وبعد ذلك يفكرون في تنفيذ مشروعاتهم والتي عادة ما تكون استهلاكية يجنون من ورائها أقصى قدر من الأرباح دون عناء، ولا ندري ربما استطاع السيسي بما لديه من دلال ونفوذ على هؤلاء انتزاع حق الدولة منهم؛ بتخليهم عن جزء من أرباحهم التي جنوها خلال حكم مبارك، سواء بطريقة شرعية أو مشبوهة، ربما كفروا عن أخطائهم وما ارتكبوه من فساد في حق هذا البلد، وآخر مصادر تمويل السيسي للتريليون جنيه هم الأشقاء العرب، الذي أشاد السيسي بمن ساعده منهم وأعلن أنهم قدموا 20 مليار دولار مساعدات لمصر خلال الفترة الماضية، ولا ندري هل سيستمرون في دعم السيسي رغم الأصوات المعارضة الصادرة من بعض مواطني هذه الدول أو حتى من المسؤولين الحكوميين الذين تبرموا أكثر من مرة من استمرار الدعم المقدم لمصر، وطالبوا علناً بضرورة اعتماد المصريين على أنفسهم، مع ما في ذلك من النيل من قدر مصر والتأثير على سمعتها ومعاملتها كدولة تعيش على المساعدات.
والحقيقة أنا لست متفائلاً لهذه الوعود الرئاسية المبالغ فيها أولاً بسبب السوابق الأليمة التي عشناها في الانتخابات الماضية والحديث عن مشروع النهضة وطائر النهضة، ولم نر إلا الفشل والتراجع على كافة المستويات، ثانياً: مصر تعاني أزمة خانقة في الكهرباء والطاقة اللازمة للصناعة والزراعة والاستخدام المنزلي، فمن أين سنحصل على الوقود والطاقة لإنشاء مشاريع جديدة، أما كان الأجدى البحث عن حلول للمشاكل القائمة والتي أدت لإغلاق أكثر من 4 آلاف مصنع وإظلام يومي لمنازل القاهرة والمحافظات، بتشجيع استخدام الطاقات المتجددة والبديلة، وإزالة المعوقات أمام إنشاء محطات الطاقة النووية للأغراض السلمية، وتشجيع البحث العلمي في مجال تدوير النفايات وتحويلها لطاقة حيوية، بدلاً من الحديث عن مشاريع جديدة باهظة التكاليف، وتحتاج لمدى زمني كبير لتنفيذها، في وقت تقف فيه مصر على حافة الهاوية، وتحتاج حلولاً سريعة وغير مكلفة لإنقاذها.
وكان السيسي حاسما في موقفه من الإخوان وجماعات الإسلام السياسي وتعهد بمنع ظهورهم على الساحة مرة أخرى، جزاء ما ارتكبوه من جرائم عنف بعد 30/6، وعقب فض اعتصامي رابعة والنهضة، وإن بالغ في إظهار تدينه وورعه، وخوفه من الله، حتى ظننت أنه تحول لداعية إسلامي، ربما أراد إقناع أتباع مرسي والمتعاطفين معهم، أنه أكثر تديناً من الإخوان والجماعات الإسلامية، وأنه لن يضيق عليهم في حال قدومه رئيساً، وربما أراد كسب ود المصريين البسطاء الذي يؤثر فيهم مثل هذا الحديث.
أما حمدين صباحي فركز على قضيتي الحريات ومكافحة الفساد وأكد عزمه تعديل قانون التظاهر، والعفو عن الشباب المعتقلين بتهمة خرق القانون، وأكد أيضاً عزمه إنشاء مفوضية لمكافحة الفساد بأثر رجعي لأخذ حق الدولة من رجال أعمال مبارك الفاسدين أو المستفيدين من الفساد، وهو هنا يغازل جموع الشباب التي تحولت قضية الحرية بالنسبة لهم لحياة أو موت، ويرفضون العودة لما قبل 25يناير، كما أن الفساد واستنساخ دولة مبارك تحول بالنسبة لهم لكابوس يخشون عودته من جديد.
كنا نتمنى أن تجرى الانتخابات الرئاسية في أجواء أفضل من التي تعيشها مصر، وأن يترشح فيها أكثر من هذا العدد، وأن تكون الحالة الأمنية مستقرة، حتى لا يكون الخوف من المستقبل والمجهول هو الدافع للاختيار.

إلى الأعلى