الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / انفجار أوروبا الكبير في العاشرة من عمره

انفجار أوروبا الكبير في العاشرة من عمره

”في منتصف تسعينيات القرن العشرين، كان نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي في العديد من بلدان المرحلة الانتقالية نحو ربع إلى ثلث نظيره في دول الاتحاد الأوروبي الخمس عشرة قبل التوسعة (من حيث تعادل القوة الشرائية). والواقع أن بعض الفارق سبق تغطيته بالفعل عندما انضمت الدول الأعضاء الجديدة أخيراً إلى الاتحاد الأوروبي،”
ـــــــــــــــــــــ
قبل عشرة أعوام، التحقت ثماني دول من الكتلة السوفييتية السابقة، جنباً إلى جنب مع جزيرة مالطا وجزيرة قبرص، بعضوية الاتحاد الأوروبي، ليرتفع بذلك عدد أعضائه من 15 إلى 25. وفي ذلك الوقت كان هناك تخوف من أن يؤدي هذا التوسع إلى الشرق إلى خلق التوترات داخل الاتحاد الأوروبي لأن الدول الأعضاء الجديدة من وسط وشرق أوروبا كانت فقيرة وبعضها لديها قطاعات زراعية كبيرة. ولأن الاتحاد الأوروبي ينفق في الأساس على المناطق الفقيرة والمزارعين، فقد خشي كثيرون أن تفرض تلك التوسعة عبئاً على ميزانيته.
وفي النهاية تم التوصل إلى حل لهذه المشكلة من خلال تسوية أوروبية نموذجية سمحت للتوسع بالمضي قدما، حتى برغم تقلص الميزانية كحصة من الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي. والآن اختفت الزراعة إلى حد كبير بوصفها بنداً رئيسياً على أجندة الاتحاد الأوروبي. وعلاوة على ذلك، فإن آفاق التخطيط بموجب الإطار المالي المتعدد السنوات للاتحاد الأوروبي تعني ضمناً أن قضية من يدفع لمن لن تنشأ الحاجة لتناولها إلا مرة واحدة كل سبع سنوات.
يتلخص الغرض من التكامل الاقتصادي في نهاية المطاف في تعزيز نمو الناتج المحلي الإجمالي وتحسين مستويات المعيشة. وبالحكم على الأمر من هذا المنظور يتبين لنا أن التوسع كان ناجحا. فقد تمكنت البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية من اللحاق بالركب إلى حد كبير على مدى العقد الماضي.
في منتصف تسعينيات القرن العشرين، كان نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي في العديد من بلدان المرحلة الانتقالية نحو ربع إلى ثلث نظيره في دول الاتحاد الأوروبي الخمس عشرة قبل التوسعة (من حيث تعادل القوة الشرائية). والواقع أن بعض الفارق سبق تغطيته بالفعل عندما انضمت الدول الأعضاء الجديدة أخيراً إلى الاتحاد الأوروبي، ولكن عملية التقارب استمرت، حتى خلال الأزمة المالية.
وقد بلغ دخل الأعضاء الجدد نحو ثلثي المستوى في دول الاتحاد الأوروبي الخمس عشرة. وعلاوة على ذلك، كانت الدول الأعضاء الجديدة الأكثر فقراً هي الأكثر كسباً للدخل (على النقيض من أفقر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قبل تلك التوسعة، مثل البرتغال واليونان، حيث تراجع الدخل هناك الآن إلى مستويات غير مسبوقة منذ التسعينيات). وهذا التقارب هو السبب الذي يجعل عدد الباحثين عن عمل من البلدان الأعضاء في الشرق غير مربك لأسواق العمالة في دول الاتحاد الأوروبي الخمس عشرة الأكثر ثراء.
فبعد أن كانت الدول الأعضاء الجديدة في البداية أفقر كثيراً ومصدراً للتوترات، تبين أنها مصدر للميزة الاقتصادية لكلا الجانبين، حيث بات بوسع الشركات في الدول الخمس عشرة الأصلية (وخاصة الشركات الألمانية) أن تستعين بمصادر خارجية للقيام بالمهام التي تتطلب عمالة مكثفة. وقد حققت مكاسب واضحة من حيث القدرة التنافسية العالمية، في حين اكتسبت البلدان المستهدفة الاستثمار المباشر المطلوب بشدة، فضلاً عن الوظائف ونقل المعرفة. ومن الناحية الاقتصادية البحتة فمن الواضح أن التوسع كان اقتراحاً مفيداً للجميع.
بطبيعة الحال، كان أداء جوانب أخرى في هذا التوسع أقل نجاحا. ذلك أن جزءاً كبيراً من المساعدات التي تدفقت من ميزانية الاتحاد الأوروبي إلى الدول الأعضاء الجديدة كانت تستخدم لإقامة مشاريع مظهرية للسمعة والتي عملت على إثراء شركات البناء المحلية. ورغم أن هذه المشكلة لا تقتصر على الدول الأعضاء الجديدة فحسب ـ فنفس الشيء يحدث في بلدان مثل إيطاليا واليونان، حيث النظم الإدارية البطيئة التي تفتقر إلى الكفاءة وحيث الفساد المستشري ـ فإنها أصبحت أكثر حدة مع التوسعة؛ والواقع أن جودة الإدارة العامة في العديد من الدول الأعضاء في الشرق لا تزال أدنى كثيراً من نظيراتها في بلدان القلب في الاتحاد الأوروبي.
وبالتالي، ينبغي لنا أن ننظر إلى التوسعة باعتبارها نجاحاً جزئيا. ذلك أن أحد أكبر المخاوف، أو على وجه التحديد ارتباك مؤسسات الاتحاد الأوروبي بسبب الاستيعاب المفاجئ لعشر أعضاء جدد، لم يتحقق قط. فقد اندمجت الدول الأعضاء الجديدة بسلاسة في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، حيث تدافع عن مصالحها الوطنية بنفس طريقة الأعضاء الأقدم. والمصاعب التي شهدها الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة لا علاقة لها بزيادة عدد الدول الأعضاء الذي بلغ الآن ثماني وعشرين دولة.
وقد تبين أن العاقبة الأكثر أهمية لتوسع الاتحاد الأوروبي شرقاً لم ينتبه إليها كثيرون في ذلك الوقت: فبفضل ذلك التوسع أصبح الاتحاد الأوروبي أقرب إلى روسيا. وبالنسبة لروسيا التي أصبحت استبدادية وشهدت كيف تمكن الاتحاد الأوروبي من تحويل البلدان المتعثرة في مرحلتها الانتقالية إلى ديمقراطيات متزايدة الازدهار (وإن كانت ناقصة)، تصبح أوروبا أقرب كثيراً إلى الارتياح. وقد أثبت احتمال الرخاء النسبي والحرية جاذبيته الكبيرة في نظر أهل أوكرانيا، حتى إنهم أطاحوا برئيس كان يفضل “اتحاداً أوراسيا” تحت قيادة روسية على اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.
ولكن من المؤسف أن أقلية كبيرة شرق أوكرانيا لا تشترك مع الآخرين في هذه “الروية الأوروبية” ويشعر أفرادها بأنهم مهددون بفعل المنعطف الأخير الذي سلكته الأحداث. والواقع أن روسيا تدعم هذه الاتجاهات وقد استخدمت القوة العسكرية وغيرها من أدوات القوة الصارمة لتأجيج التوترات، لأن نظامها يرى في المثال الحي لأوكرانيا “الأوروبية” الديمقراطية المزدهرة تهديداً واضحاً له.
لذا، فبعد عشر سنوات، يسلك التوسع الآن منحى مختلفاً عن كل التوقعات. فقد أثبتت التحديات الداخلية أنها قابلة للإدارة، ولكن الاتحاد الأوروبي يحتاج الآن إلى مواجهة تحديات خارجية لم يستعد بعد للتصدي لها. ولن يكون لزاماً علينا أن ننتظر عقداً آخر من الزمان لكي نكتشف ما إذا كان الاتحاد الأوروبي قادراً على المساعدة في تثبيت الاستقرار في أوكرانيا في حين يواجه في الوقت ذاته روسيا التي ترى قياداتها في قيمه الأساسية المتمثلة في الديمقراطية وسيادة القانون تهديداً مباشراً لها.

دانييل جروس* مدير مركز دراسات السياسة الأوروبية

إلى الأعلى