الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة يوسف (17)

سورة يوسف (17)

أراد إخوة يوسف أن يخدعوا أباهم بالبكاء والقميص فغلب أمر الله يجازي الله المؤمنين في صبرهم على النوائب كما صبر يوسف

إعداد ـ أم يوسف:
قال تعالى:(وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)
قوله تعالى:(وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) الكاف في موضع نصب، أي: وكما أنقذناه من إخوته ومن الجب فكذلك مكنّا له، أي: عطفنا عليه قلب الملك الذي اشتراه حتى تمكن من الأمر والنهي في البلد الذي الملك مستول عليه، قوله تعالى:(وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) أي: فعلنا ذلك تصديقاً لقول يعقوب:(وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ) وقيل: المعنى مكناه لنوحي إليه بكلام منا ونعلمه تأويله وتفسيره وتأويل الرؤيا .. وتم الكلام، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) الهاء راجعة إلى الله تعالى أي: لا يغلب الله شيء، بل هو الغالب على أمر نفسه فيما يريده أن يقول له: كن فيكون، وقيل: ترجع إلى يوسف أي: الله غالب على أمر يوسف يدبره ويحوطه ولا يكله إلى غيره، حتى لا يصل إليه كيد كائد، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أي: لا يطلعون على غيبه، وقيل: المراد بالأكثر الجميع لأن أحدا لا يعلم الغيب، وقيل: هو مجرى على ظاهره، إذ قد يطلع من يريد على بعض غيبه وقيل: المعنى (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أن الله غالب على أمره، وهم المشركون ومن لا يؤمن بالقدر، وقالت الحكماء في هذه الآية:(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) حيث أمره يعقوب ألا يقص رؤياه على إخوته فغلب أمر الله حتى قص، ثم أراد إخوته قتله فغلب أمر الله حتى صار ملكاً وسجدوا بين يديه، ثم أراد الإخوة أن يخلو لهم وجه أبيهم فغلب أمر الله حتى ضاق عليهم قلب أبيهم، وافتكره بعد سبعين سنة أو ثمانين سنة، فقال:(يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) ثم تدبروا أن يكونوا من بعده قوماً صالحين، أي: تائبين فغلب أمر الله حتى نسوا الذنب وأصروا عليه حتى أقروا بين يدي يوسف في آخر الأمر بعد سبعين سنة، وقالوا لأبيهم:(إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ) (يوسف ـ 97)، ثم أرادوا أن يخدعوا أباهم بالبكاء والقميص فغلب أمر الله فلم ينخدع، وقال:(بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً) (يوسف ـ 18)، ثم احتالوا في أن تزول محبته من قلب، أبيهم فغلب أمر الله فازدادت المحبة والشوق في قلبه، ثم دبرت امرأة العزيز أنها إن ابتدرته بالكلام غلبته، فغلب أمر الله حتى قال العزيز:(وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ) (يوسف ـ 29)، ثم دبر يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي فغلب أمر الله فنسي الساقي، ولبث يوسف في السجن بضع سنين، قوله تعالى:(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ)، (أشده) عند سيبويه جمع، واحدة شدة. وقال الكسائي: واحده شد، كما قال الشاعر:
عهدي به شد النهار كأنما
خضب اللبان ورأسه بالعظلم
وزعم أبو عبيد أنه لا واحد له من لفظه عند العرب، ومعناه: استكمال القوة ثم يكون النقصان بعد، وقال مجاهد وقتادة: الأشد ثلاث وثلاثون سنة، وقال ربيعة وزيد بن أسلم ومالك بن أنس: الأشد بلوغ الحلم، (آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً) قيل: جعلناه المستولي على الحكم، فكان يحكم في سلطان الملك أي: وآتيناه علماً بالحكم، وقال مجاهد: العقل والفهم والنبوة، وقيل: الحكم النبوة والعلم علم الدين، وقيل: علم الرؤيا، ومن قال: أوتي النبوة صبياً قال: لما بلغ أشده زدناه فهماً وعلماً، (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) يعني: المؤمنين، وقيل: الصابرين على النوائب كما صبر يوسف، قاله الضحاك. وقال الطبري: هذا وإن كان مخرجه ظاهراً على كل محسن، فالمراد به محمد (صلى الله عليه وسلم) يقول الله تعالى: كما فعلت هذا بيوسف بعد أن قاسى ما قاسى ثم أعطيته ما أعطيته، كذلك أنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة، وأمكن لك في الأرض .. والله أعلم.

إلى الأعلى